ساعة واحدة
جزيرة "فيلكا" في الكويت: هل تبتلعها المياه تدريجياً؟ - BBC News عربي
الجمعة، 5 يونيو 2026

صدر الصورة، Hasan alfailakawi
Published قبل 25 دقيقة
"أحاول أن أقضي أكبر وقت ممكن في الجزيرة… أشعر أن السنوات معدودة، وأخاف ألا أستمتع بالجزيرة بشكل كافٍ قبل أن تبدأ أجزاء منها بالاختفاء"، هكذا يقول حسن الفيلكاوي، وهو يتذكر اللحظات التي كانت تلامس فيها قدماه الصغيرتان أرض جزيرة فيلكا الكويتية، قبل أن تتغير ملامحها تدريجياً وتغمر المياه بعض أجزائها، ما أثار مخاوف من اندثارها.
يقول الفيلكاوي وهو رجل خمسيني يعود اسم عائلته إلى جزيرة فيلكا أو "فيلجا" أو "فيلتشا"– كما تنطق محلياً- إنه يوماً بعد يوم يلاحظ ارتفاع منسوب مياه البحر وغمر أجزاء من أماكن كانت تحمل له ذكريات وقصصاً لن تتكرر، من بينها مواقع أثرية وساحلية في الجزيرة.
جزيرة فيلكا هي إحدى الجزر الكويتية الواقعة في شمال غرب الخليج التي تقع على بُعد نحو 20 كيلومتراً من ساحل الكويت العاصمة. وتتميز بانخفاض معظم أراضيها عن مستوى سطح البحر، ما يجعلها من المناطق سريعة التأثر بالتغيرات البيئية وارتفاع منسوب المياه.
يقول الفيلكاوي: "أنا أعشق الجزيرة. في طفولتي كنت طفلاً مشاغباً جداً، وكنت أهرب من البيت كثيراً. كنت أعيش مع الطبيعة بعيداً عن الناس، فتعلمت أشياء لم تتوفر لغيري الفرصة لرؤيتها. ولذلك أشعر بشكل كبير بكل تغيير يطرأ على الجزيرة".
وتحمل الجزيرة قيمة تاريخية وأثرية كبيرة، إذ تشير دراسات ومسوحات أثرية صادرة عن جهات كويتية، من بينها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، إلى أنها شهدت استيطاناً بشرياً متعاقباً يمتد من فترات ما قبل الإسلام، مروراً بالعصر الهلنستي، ووصولاً إلى بدايات التاريخ الإسلامي.
ورغم هذا الإرث، فإن فيلكا اليوم غير مأهولة بالسكان بشكل دائم منذ عام 1990، بعد مغادرة سكانها عقب الغزو العراقي للكويت، لتتحول إلى موقع يضم أماكن أثرية مفتوحة وزيارات متقطعة.
وتظهر الجزيرة أيضاً في عدد من الدراسات المرتبطة بالتغير المناخي باعتبارها من الجزر المنخفضة المعرضة لتأثيرات ارتفاع مستوى سطح البحر، ما دفع جهات بحثية كويتية مثل معهد الكويت للأبحاث العلمية إلى إدراجها ضمن نماذج تقييم المخاطر الساحلية ووضع سيناريوهات لحماية مواقعها الأثرية.
صدر الصورة، Hasan alfailkawi
بحسب الوكالة الأوروبية للبيئة - وهي وكالة تابعة للاتحاد الأوروبي مقرها الدنمارك وتهدف إلى توفير بيانات موثوقة عن البيئة والمناخ- تشهد مستويات البحار والمحيطات "ارتفاعاً متسارعاً على مستوى العالم نتيجة التغير المناخي".
وتشير المنظمة إلى ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر عالمياً بنحو 23 سنتيمتراً منذ عام 1900، بينما أظهرت القياسات بالأقمار الاصطناعية أن الارتفاع تجاوز 9 سنتيمترات منذ عام 1993 فقط، وهو ما يعزوه العلماء إلى ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية، إضافة إلى التمدد الحراري لمياه المحيطات مع ارتفاع درجات الحرارة".
تخطى البودكاست وواصل القراءة
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
تشير الدراسات العلمية المتعلقة بالسواحل والجزر الكويتية إلى سيناريوهات مختلفة لمدى تأثر جزيرة فيلكا بارتفاع مستوى سطح البحر.
ففي دراسة أجراها باحثون من معهد الكويت للأبحاث العلمية عام 2014، تم تحليل عدة سيناريوهات لارتفاع منسوب البحر بين متر واحد وخمسة أمتار، وخلصت النتائج إلى أن الجزر المنخفضة مثل فيلكا قد تتعرض لغمر واسع النطاق؛ إذ قد يصل الغمر إلى نحو 75 في المئة من مساحة الجزر عند ارتفاع البحر ثلاثة أمتار، بينما قد يرتفع إلى حوالي 90 في المئة عند خمسة أمتار، مع الإشارة إلى أن بعض المناطق الساحلية المنخفضة قد تكون أكثر عرضة للغمر حتى مع ارتفاعات أقل.
لكن دراسة أحدث عام 2020، أجراها الدكتور جاسم البناي – الجيولوجي والباحث الكويتي في جامعة أكسفورد - بشأن ارتفاعات سطح الأرض في جزيرة فيلكا، خلصت إلى أن نحو 31 في المئة من مساحة الجزيرة قد تصبح مهددة بالغمر عند ارتفاع البحر متراً واحداً، وترتفع النسبة إلى 54 في المئة عند مترين، وقد تصل إلى 87 في المئة عند ثلاثة أمتار، مع تحديد الساحل الشرقي كأكثر المناطق هشاشة.
ويقول الدكتور البناي في مقابلة مع بي بي سي نيوز عربي، إن ارتفاع متوسط منسوب البحر يتسارع بسبب زيادة في انبعاثات الغازات الدفيئة التي تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض ومن ثم ذوبان الجليد القطبي، مشيراً إلى أن ذلك يؤثر على بعض الجزر المنخفضة ومنها فيلكا.
ويقول: "يتوقع أن يرتفع متوسط منسوب مياه البحر عام 2050 نحو 25 سنتيمتراً، وهو ما يعني احتمالية غمر حوالي 7 في المئة من جزيرة فيلكا.
أما عام 2100 فيُتوقع أن يصل خلاله الارتفاع إلى 50 سنتيمتراً (نصف متر) للسيناريوهات منخفضة الانبعاثات ليغمر حوالي 16 في المئة من الجزيرة. كما أن هناك سيناريوهات مرتفعة الانبعاثات تشير إلى ارتفاع مياه البحر بمعدل المتر في 2100، وهذا يعني أن 31 في المئة من الجزيرة قد يكون تحت مستوى سطح البحر".
ويضيف الباحث الكويتي قائلا "إن هناك أيضاً سيناريوهات أكثر تشاؤماً ترى أن الارتفاع قد يصل الى متر ونصف الى مترين، ما يعني 37-45 في المئة من أراضي الجزيرة قد تكون تحت سطح المياه في 2100 ".
الأمر نسبة وتناسب، ويعتمد على التوقعات التي تضعها الهيئة المعنية بتغير المناخ IPCC في منتصف القرن وفي نهاية القرن، وإسقاط هذه التوقعات على الجزيرة ومواقع انخفاض سطح الأراضي عليها.
وفي حديثه مع بي بي سي نيوز عربي، يربط حسن الفيلكاوي بين ما تقوله الدراسات العلمية وما يراه بنفسه داخل الجزيرة، إذ يقول: "، في كل شتاء ألاحظ أن عدد الأيام التي يرتفع فيها منسوب المياه فوق المعدل المعتاد قد ازداد. ففي السابق كانت هذه الظاهرة تحدث لمدة سبعة أيام تقريباً، أما في الشتاء الماضي فوصلت إلى واحد وعشرين يوماً، وفي موسم آخر إلى ثلاثين يوماً".
ويوضح أن مياه البحر ترتفع وتبحث عن نقاط الضعف، ثم تبدأ بالتسلل. وعندما تجد نقطة ضعيفة، يتسلل ماء البحر فجأة ويغمر مساحة كبيرة. يقول: "الآن أصبحت مياه البحر تهدد بعض مواقعنا الأثرية المهمة، وبدأت بالفعل تصل إلى عدد منها، ولا تحرك جدي لمعالجة هذا الأمر حتى الآن."
وبتابع الفيلكاوي أنه لاحظ "أن الشاطئ الشمالي بدأت فيه مياه البحر تتقدم بسرعة. وأنه على سبيل المثال، بين يناير /كانون الثاني ويوليو/تموز 2023، تقدم ماء البحر بمعدل متر وسبعين سنتيمتراً على حساب اليابسة. وطبعًا هذا التقدم سيتسارع مع مرور السنين"، على حد تعبيره.
وتعليقاً على تأثر مواقع أثرية في الجزيرة بسبب غمر المياه للأرض، قالت جولي بونيريك - الباحثة الفرنسية بالمركز الفرنسي للأبحاث في شبه الجزيرة العربية ومقره الكويت- لبي بي سي نيوز عربي إن هناك معبداً يعود إلى الفترة الهلنستية، تعرض للتدمير بفعل ارتفاع منسوب مياه البحر، عندما جرى التنقيب عنه في ثمانينات القرن الماضي، مشيرة إلى أن "نصفه يقع على اليابسة والنصف الآخر في البحر".
وأعربت بونيريك، التي تجري أبحاثاً في فيلكا منذ عام 2007، عن قلقها من أن يهدد ارتفاع مستوى البحر مواقع أثرية أخرى على سواحل الجزيرة، بينها مواقع من حضارة دلمون والقلعة الهلنستية وآثار تعود إلى العصور الوسطى.
وقالت إن بعض هذه المواقع قد يتعرض للغمر والتدمير إذا استمر البحر في التقدم، مشيرة إلى معبد هلنستي وموقع الخضر العائد إلى العصر البرونزي قبل نحو أربعة آلاف عام، إضافة إلى موقع القرينية الإسلامي، وجميعها تقع على الساحل وتواجه خطر الغمر مستقبلاً.
ولكن في الوقت نفسه، وصفت بونيريك أن تقييم الخطر المستقبلي لارتفاع منسوب البحر بـ"الأمر الذي يصعب الجزم به"، مضيفة أنه – رغم أنه يشكل تهديداً للمواقع- فهو ليس التهديد الرئيسي لها، إذ ترى الباحثة الفرنسية أن العامل البشري قد يكون أكثر خطورة على المواقع الأثرية من البحر نفسه، قائلة: "من وجهة نظري، المشكلة ليست البحر بقدر ما هي الإنسان. ففي العموم، ما يدمّر المواقع الأثرية أكثر هو عامل البناء والتشييد".
وأشارت إلى وجود مشاريع تهدف إلى تطوير الجزيرة وجذب الزوار، وهو ما "قد يؤثر على المواقع الأثرية ما لم تتم حمايتها بشكل جيد وإدارتها بصورة مناسبة".
هذا القلق بشأن الحديث عن "اختفاء الجزيرة" لا يحظى بإجماع داخل الجهات الرسمية.
فمهندسة الترميم والمحافظة على المباني التاريخية في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، زهراء علي بابا، تقول إن هناك بالفعل "ارتفاعاً في منسوب مياه البحر"، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنه "لا يوجد ما يثبت أن الجزيرة مهددة بالغرق بشكل كامل".
وتوضح علي بابا أن بعض المواقع الأثرية على أطراف الجزيرة، التي تم اكتشافها منذ عقود، أصبحت بالفعل أقرب إلى خط الساحل وأكثر عرضة لتأثير الأمواج، مشيرة إلى أن "كل سنة نرى أن أمواج البحر تستمر في الارتفاع على هذه المواقع".
وتقول المسؤولة الكويتية إن هذه التطورات مأخوذة بعين الاعتبار ضمن ملف ترشيح جزيرة فيلكا لإدراجها في قائمة للتراث العالمي باليونسكو، حيث يتم العمل على اعتبارها "مشهداً ثقافياً متكاملاً" يجمع بين البعد الطبيعي والأثري، مع التركيز على حماية القيمة الثقافية للجزيرة وليس فقط مكوناتها الفردية.
وتشير إلى أن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدأ في اتخاذ خطوات تهدف إلى التخفيف من مخاطر ارتفاع منسوب المياه في فيلكا: "مبدئياً، لدينا تعاون مع معهد الكويت للأبحاث العلمية، وتم تشكيل فريق متكامل من متخصصين وباحثين في هذا المجال، وقدموا للمجلس الوطني مقترحاً بأن يبدأ خلال السنة والنصف أو السنتين القادمتين بحث مفصل ومعمق حول الموضوع لإيجاد حلول، ووضع استراتيجيات للتخفيف من هذه المشكلة في الجزيرة".
صدر الصورة، Manon Kole and Lucan Perrogon
صدر الصورة، Manon Kole and Lucas Perrogon
لفتت جزيرة فيلكا وما يثار حول مستقبلها وارتفاع منسوب مياه البحر فيها اهتمام عدد من صناع الأفلام الوثائقية، من بينهم مخرجان فرنسيان قدّما فيلما بعنوان "الساعة الرملية"، تناولا فيه الجزيرة بوصفها مساحة مهددة بتغيرات بيئية متسارعة.
ويركز الفيلم - الذي تم عرضه في الكويت في فبراير /شباط 2026- على أن ارتفاع مستوى سطح البحر لم يعد مجرد ظاهرة طبيعية بعيدة، بل عاملاً مباشراً يطرح تساؤلات حول مستقبل الجزر المنخفضة، بما فيها فيلكا، التي يعتبرها صُنّاع الفيلم مثالاً على مناطق يدق فيها الخطر ناقوسه بشأن استمرارية وجودها في ظل ارتفاع منسوب البحر.
يقول لوكاس بيروغان -أحد المخرجين اللذين أخرجا الفيلم الوثائقي – لبي بي سي نيوز عربي إنهما زارا الجزيرة ثلاث مرات بين عامي 2023 و2025، ويوضح أن فريق العمل "لاحظ تغيرات واضحة، ومن بينها اكتشاف أفران يُعتقد أنها تعود إلى العصور الوسطى، لكنها اختفت لاحقاً بسبب ارتفاع المياه. و رغم أن هذا الارتفاع كان محدوداً نسبياً، إلا أنه كان كافياً لإحداث هذه التغيرات".
وتضيف مانون كول – المخرجة الأخرى لفيلم "ساعة رملية" إنه من الصعب على ما يبدو حماية الجزيرة بالكامل من ارتفاع المياه لأن بناء حواجز بحرية – برأيها- سيكون مكلفاً جداً، كما أنه لا يمكن معرفة الحجم الدقيق للتغيرات المناخية المقبلة.
أما بالنسبة للفيلكاوي، فإن اختفاء الجزيرة لا يعني فقدان الأرض فحسب، بل ضياع جزء من الذاكرة أيضاً.
ويقول: "أشعر بالحزن، لأن هذه الأماكن ستختفي مع الزمن، ومعها قد تختفي أسماؤها أيضاً. فعندما يندثر المكان، تبدأ الذاكرة بنسيانه، ويضيع اسمه ومعناه."
Loading ads...
ساهم في إعداد هذا التقرير أحمد نور من فريق تقصي الحقائق.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





