في اللحظة التي تلقيتُ فيها خبر مرض أمي، أدركتُ أن اللعنة نفسها عادت تلاحقني. لعنة السرطان التي سلبت منّي أبي، تنوي على ما يبدو سلب أمي.
رحل أبي من دون أن أعرف عنه شيئاً، كان وجوده مثل شبح في حياتي. أعرف أنه من الغريب أن يكون الأمر كذلك في زمن الأجهزة الذكية ذات الكاميرات الاحترافية، لكن المفارقة أن بعض الأعطال تجعل الوصول إلى ذاكرة هذه الأجهزة شبه مستحيل. ولم تساعدني ذاكرتي أيضاً. فقد رحل أبي عام 2009، قبل أن أتمّ عامي الثاني.
العطل في هاتف أمي القديم، جعلني لا أملك حتى صورة مع أبي. كان ذلك ثاني خذلان يخصّ حكايتي معه، رحيله كان الخذلان الأول.
بكيت عند اكتشافي ذلك طوال ليلة. انهرتُ بكاءً عند استيعابي بأنه من المستحيل رؤية أبي أو معرفة أي شيء عنه، خصوصاً بعدما لحقت به أمي، ورحلت هي أيضاً.
أردت أن أعرفه ولو في أمورٍ بسيطة. كيف يبدو صوته؟ رائحته؟ طريقته في الكلام؟ لونه المفضل أو ربما نوع الشوكولاتة التي كان يحبّها.
ذات يوم، بينما كنّا عائدين، أو ربما ذاهبين لمكان ما، قال أخي لشخصٍ كان معنا في السيارة نفسها أن "أمي مُصابة بسرطان الثدي". لا أذكر من كان ذلك الرجل، ومن هول الصدمة لم يتردد في رأسي وذاكرتي إلا قوله: "هذا صحيح، أُصيبت بسرطان الثدي".
تجمدتُ من الخوف. شعرتُ بالدهشة، وربّما بالغضب. كيف لشخص أن يذيع خبراً كهذا بكل هذا البرود؟
لم يكن أخي يوجّه إلي الكلام. لم يوجه لي أيّ كلمة. لم يلمس يدي، لم يخفض صوته، لم ينظر نحوي حتى، ليعرف وقع الخبر عليّ مثلاً، وكأنه خبرٌ عادي لا حاجة لي لمعرفته، أو لا نفع أو ربما توقّع أنني أملك نفس هذا البرود.
شحبت وقتها حدّ الاختفاء. لا أعرف إن كنت قد استطعت إخفاء نفسي، أو إن كان أحد قد لاحظ ما حلّ بي في تلك اللحظة. كل ما أعرفه أنني لم أكن أريد أن يراني أخي، أو أن يضطرني أحد إلى مواجهة ما سمعت. لم أكن أريد استيعاب الخبر، ولا حتى التفكير في أن الفقد سيلازمني من جديد.
كان ذلك أخي، الذي أنجبته أمي من زواج سابق. يعيش الآن في بلد بعيد عني، وقد كنت أراه يوماً أغلى ما لديّ، حتى خذلني مراراً. ومع الوقت، صرت أتجنبه بكل الطرق، لكن ابتعادي عنه لم يبدّد شعوري بالوحدة. فحتى بوجود إخوتي، ما زلت أشعر بأنني وحيدة بعد أمي وأبي.
تبدو رحلتي في هذه الحياة قصيرة حين أقول إن عمري ثمانية عشر عاماً، لكن الموت الذي سلبني حياة طبيعية جعلني أشعر أنني أكبر بكثير مما أحتمل أن أكون.
ما زلت تحت تأثير صدمتي، وما زلت أقاوم تحطّمي التام، لأن الموت ما زال متربّصاً بحياتي.
عرفت مؤخّراً أنني مصابة بنقص حاد في فيتامين "د". اكتشف ذلك طبيب الأسنان حين لاحظ ضعف أسناني وسرعة تحطّمها، وحوّلني إلى طبيب الباطنة، الذي اكتشف تكوّن أملاح في الكلى.
هل هو الموت الذي يأكل الأجساد ببطء، يقترب من جسدي الصغير، كما لو أنه يهددني شخصياً بالزوال؟ ليس لأنه يقصدني بالتحديد، ولكن لمجرّد أن هذه طبيعة عمله.
وبالعودة إلى ما قاله أخي حين عرفتُ بمرض أمي، وبعد تلقّي الصدمة، بدأت أفكر: هل سيكون مصير أمي كمصير أبي؟ هل ستتركني لأعيش وحدي في هذا العالم؟ كيف، ومع من، وأين؟ كيف سأعيش في مجتمع ينظر إلى اليتيم نظرة "شفقة" وضعف، وكأنه عالة عليهم، ثم يخذلني بسبب وضع لم أختره؟
تُوفيت أمي بعد صراع مع مرض السرطان، وبقيت وحدي، أتنقل من عائلة إلى أخرى، دون أن أشعر بأن لي بيتاً أسميه "بيتاً". ورغم كلّ شيء، ما زلتُ أحاول لملمة شتات نفسي وإيجاد معنى لحياتي.
لم أشعر بأني "يتيمة" حقاً إلا بعد وفاة أمّي. فقدت قدرتي على الحزن والبكاء والتعبير عن مشاعري. أصبحت شخصاً جامداً بلا مشاعر، وكأن روحي سُلبت مني ولم يعد لها مكان في جسدي، الذي أصبح أصغر حجماً، وأضعف من قدرته على تحمل مشاعري وحزني ويأسي.
شعور عدم الانتماء نحو الأماكن والمنازل والأشخاص قاسٍ جداً. أشعر أنني، مهما فعلت، سأبقى غريبة ووحيدة، رغم وجود أشخاص حولي. فما زالت هذه المشاعر تنهشني.
بعد كل تلك الكتب والحكايات التي قضيت سنوات من عمري أهرب إليها من الناس، وأهرب فيها من الوحشة، شعرتُ برغبة شديدة في الكتابة، أنا التي ما زلتُ مندفعةً في معارك مع اليأس داخل رأسي، ما زلت مصرّة بالدرجة نفسها على البحث عن معنى لحياتي.
أتساءل وأفكّر في ما يدور داخلي وحولي من أحداث ومشاعر، هل هي تجربة فريدة وخاصة في حياتي، مثلما أشعر، والأهم، هل تستحق أن أشاركها مع الآخرين؟
ربما تترك تجربتي أثراً عند بعض الأشخاص، وربما تجد من يقبل نشرها، وربما لا. لا أعرف، لكنني على الأقل أريد أن يبقى لي أثر بعد أن أرحل.
لا أعرف لماذا أذكر الرحيل الآن، في خضم الحياة التي أشعر بها في عروقي وأصابعي وقلبي. بلى أعرف، وأنتم صرتم تعرفون الآن، فالرحيل رفيقي اللدود.
ربما كان كتاب "ما تعرفه عني عظامي" للصحافية والكاتبة الماليزية الأمريكية ستيفاني فو هو المحفّز الأكبر للبدء في الكتابة. شعرتُ بوجود تشابه بيني وبين حياة الكاتبة، ربما نتشابه في صدمات الطفولة المتكررة أو في نظرتها إلى لمجتمع الذي لا يرحم، وإلى الحزن الذي لا ينتهي.
أحببتُ أيضاً روايات الكاتبة المصرية، نورا ناجي التي سحرتني بطريقة سردها، وجعلتني أستمتع بالقراءة، حدّ أنني لم أكن أرغب في ترك الكتاب من يدي حتى أنهيه.
وخالد حسيني أيضاً في روايتيه،"عداء الطائرة الورقية"، و"ألف شمس ساطعة". كانت الأخيرة، رفيقتي في بداية رحلتي في القراءة، أحببت وصفه لمعاناة أفغانستان في ظل حكم طالبان وكيف وصف كلّ ما وصفه!
أما عن قراءتي مؤخراً، للشاعرة إيمان مرسال، وكتابها السردي، "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها"، فقد نقلتني إلى جروح الأمهات، وجعلتني أشعر أنّ تلك العلاقة المقدّسة بين الأم والأبناء قد تكون جارحة رغم أنها روح الحياة وسرّ امتدادها.
أثرت بي جداً عندما تحدثت عن الفتيات اليتيمات الأم تحديداً: "كنت أعرف أن اليتيمات، يتيمات الأم على وجه التحديد، يكبرن أسرع من الأخريات"، فهل هذا ما حدث معي؟ هل كبرت أسرع من بنات جيلي؟
ومما تقوله مرسال أيضاً: "إذا كانت أمك بالغة الحنان فربما تريدين أن تكوني مثلها وربما تشعرين بالذنب لأنك لا تستطيعين ذلك"، ويا إلهي كم كانت أمي حنونة.
أكتب الآن بينما أستعيد الذكريات عن أمي التي رأيتها تذبل أمام عيني. أستعيد ذكرياتي عندما بدأت في وضع حاجز بين نفسي وبين كل ما يحدث حولي، كي لا أتأثر أو كي لا أصدّق أنها ستتركني. لكن ذلك الإنكار لم ينقذني من النهاية الحزينة ولا من تبعاتها.
أصبحت شخصًأ يتجاهل كل شيء يؤذيه كي ينجو من الألم، وبقيت لفترة أواجه صعوبة في إزالة هذا الحاجز الذي جردني من مشاعري وإنسانيتي وقدرتي على التعاطف أو الفهم. كلّ ذلك كان يدور داخلي، حتى استيقظت ووجدت أمي في أيامها الأخيرة.
تزامنت كتابتي هذه مع "أكتوبر الوردي"، الشهر العالمي للتوعية بسرطان الثدي والكشف المبكر عنه. كانت أمي تعرف، قبل تشخيصها، بوجود ورم حميد، لكنها تجاهلته ولم تستأصله، حتى تحوّل بمرور الوقت إلى ورم خبيث، الأمر الذي أدّى في النهاية إلى أن تدفع حياتها ثمناً لذلك.
Loading ads...
أكتب الآن، لأنني ربما صرتُ أعرفُ أن الكتابة قادرة على الإنقاذ. أكتب كي لا أخذل نفسي. أكتب كي أتذكر، وأحياناً كي أنسى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






