4 أشهر
اكتظاظ السرافيس في دمشق.. بين محدودية الإمكانات وغياب التنظيم
الجمعة، 16 يناير 2026
في وسط الشارع بمنطقة البرامكة، يتوقف سرفيس النقل الداخلي فجأة، لا محطة واضحة، ولا مكان مهيأ، يبدأ الركّاب بالنزول تباعاً، بعضهم فاقد للتوازن من شدة الاكتظاظ، وآخرون يفردون ظهورهم بعد انحناء طويل داخل المركبة، مشهد يثير تساؤلات حول واقع النقل الداخلي في ظل غياب بدائل نقل منظّمة.
النقل الداخلي ليس وسيلة لنقل الناس فحسب، بل هي تجربة إنسانية تعكس طبيعة الخدمات العامة، ومستوى الضغط اليومي على مستخدميها في سبيل الوصول إلى عملهم أو جامعتهم أو حاجاتهم الأساسية، وبالتالي هو جزء من منظومة تهدف إلى تحسين جودة حياة الناس وتسهيلها، فبعد أكثر من عام على التحرير، وفي ظل حديث دائم عن بناء دولة جديدة قائمة على احترام الإنسان، يعود ملف النقل الداخلي إلى الواجهة على اعتباره من أكثر الملفات التي تمس حياة الإنسان اليوميّة، وأكثرها ارتباطاً بالفارق بين الخطط المعلنة والواقع الخدمي.
يقول فراس، وهو موظف يستخدم النقل الداخلي يومياً للوصول إلى عمله، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ معاناته اليوميّة من السرافيس تمثّل تجربة يومية مرهقة نفسياً وجسدياً، فحين يتوقف السرفيس في وسط الشارع وينزل هذا العدد الكبير من الركّاب، يدرك الراكب أنه كان محشوراً في مساحة غير طبيعية لكل هذا العدد.
ويضيف "أنا لا أتحدّث عن رفاهية، بل عن الحد الأدنى من الاحترام، أريد أن أصل إلى عملي دون أن أكون منهكاً نفسياً وجسدياً، ودون أن أشعر أنني مضطر لقبول ظروف صعبة، فقط لأنني لا أملك بديلاً، ويرى أن المشكلة لا تتعلق بالسائقين بقدر ما تتعلق بغياب حلول حقيقية، موضحاً أن “الجميع مجبر على هذا الواقع، الركّاب والسائقون معاً".
المشكلة ليست مع السائقين
الإشكالية من وجهة نظر عدد من الركّاب لا تتعلق بالسائقين أو أصحاب السرافيس، فهؤلاء يعتمد معظمهم على هذه المركبات كمصدر رزق أساسي، ويواجهون بدورهم ظروفاً اقتصادية صعبة، من ارتفاع أسعار الوقود والصيانة، إلى الظروف المعيشيّة الصعبة التي تشكّل عبئا على الراكب والسائق وصاحب السرفيس معا.
يقول أحد سائقي السرافيس، لموقع تلفزيون سوريا "نحن لا نريد الاكتظاظ داخل السرفيس، وهذا أمر لا يشعرنا بالارتياح" مؤكداً أن السائقين يدركون تماماً معاناة الركّاب، لأنهم يعيشونها يومياً معهم، ويضيف "نحن أيضاً نقضي ساعات طويلة داخل السرفيس، ونعرف أن الوضع متعب ومهين أحياناً للجميع".
يضيف سائق آخر أنّهم أيضا ضحايا، يعملون لساعات طويلة، ولا يملكون القدرة على شراء مركبات أحدث، وتنظيم هذه الحالة يحتاج إلى جهد كبير من الحكومة، فإلقاء المسؤوليّة كلّها على صاحب السرفيس لن ينتج حلّا.
ملاحظة يطرحها عدد من الركّاب عندما يشدّد الخطاب الأخلاقي على منع الاختلاط في بعض الأماكن العامة والمدارس والجامعات، في المقابل، لا تحظى ظروف النقل العام بالنقاش ذاته في الخطاب العام، فالسرافيس تمثل حالة يوميّة ليس للاختلاط فحسب، بل للاحتكاك الجسدي المباشر، فداخل السرفيس المزدحم، لا يمكن تفادي الاحتكاك، حتى في حال حسن النوايا، هذا الواقع يفرض تحديات إضافية على النساء في أثناء التنقّل، ويضيف عبئاً نفسياً جديداً إلى معاناة التنقل اليومية.
تقول موظّفة في كليّة التربية بجامعة دمشق، تستخدم السرافيس في تنقّلاتها بشكل يومي، لموقع تلفزيون سوريا: إنّ المشكلة لا تتعلق بسوء نيات بقدر ما هي نتيجة واقع مفروض، فداخل السرفيس لا توجد مساحة شخصية، ولا قدرة على الابتعاد أو الاعتراض، وتضيف "نجد أنفسنا في مواقف محرجة رغماً عنا، الحديث عن القيم يجب أن يبدأ بتأمين نقل يحترم كرامة الناس، وخاصة النساء، بدل تركهن يواجهن هذا الضغط اليومي بصمت".
تضيف سيّدة ثانية أنّ الازدحام الشديد داخل السرفيس يجعل الاحتكاك أمراً لا يمكن تفاديه، وغالباً ما تشعر بتوتر وحرج، وتضيف "أعرف أنّ الجميع مضطرون للوضع نفسه، المشكلة بالنسبة لي ليست في الأشخاص، بل في واقع النقل الذي لا يوفّر مساحة أو ظروفاً مريحة للنساء أو للركاب عموماً".
إرث ثقيل من الإهمال المتعمّد
تردّي واقع النقل العام ليس نتيجة عرضيّة أو آنيّة للوضع الاقتصادي المتردّي نتيجة عقوبات فرضت على سوريا، بل هو نتاج سياسات طويلة انتهجها النظام المخلوع، اعتبر الخدمة العامّة عبئا عليه، وتعامل مع المواطن كتفصيل ثانوي.
السرافيس الضيقة ومنخفضة الأسقف والمهترئة، لم تكن مجرد وسائط نقل قديمة فحسب، بل شكلاً من أشكال الإذلال والوقوف القسري والانحناء والتزاحم والاحتكاك داخل السرافيس، كلها ممارسات فُرضت على الناس حتى تحولت إلى اعتياد، دون أي اعتبار لحقّها في جودة العيش، ومع أن سقوط النظام فتح الباب أمام تغيير كثير من الكوارث التي خلّفها، إلا أن هذا الإرث ما زال حاضراً بقوة في حياة المواطن اليومية، ويطرح اليوم كاختبار حقيقي لمعنى القطيعة مع الماضي.
يقول أحد الركّاب إنّ معاناته مع السرافيس لا تتعلّق فقط بالازدحام أو التعب، بل بما يعكسه هذا الواقع من نظرة قديمة للمواطن، مضيفا "لسنوات طويلة اعتدنا ركوب وسائل نقل لا تراعي أبسط شروط الراحة أو الكرامة، من ضيق المساحة إلى الانحناء والوقوف لساعات، ورغم التغييرات التي حصلت مؤخراً، لم يحدث أي تغيير في النقل الداخلي".
فرصة الحكومة الوليدة
المرحلة الحالية تشكل فرصة كبيرة لإعادة بناء منظومة النقل الداخلي، فبدلاً من الاكتفاء بصيانة مركبات متهالكة، يمكن التفكير في انتقال تدريجي ومدروس نحو ميكروباصات حديثة صغيرة أو متوسطة، أكثر أماناً وكفاءة، وتحترم احتياجات المستخدمين، وهذا الانتقال لا يُقصد به استبدالاً قسرياً أو متسرعاً، بل تحديثاً قائماً على الشراكة بين الدولة وأصحاب السرافيس.
يقول الخبير الاقتصادي عمر السيّد، لموقع تلفزيون سوريا: إنّ هناك حلولا كثيرة، منها تقديم قروض ميسّرة بلا فوائد، وبرامج استبدال تدريجية، وإعفاءات جمركية أو ضريبية على المركبات الحديثة، بما يضمن عدم الإضرار بمصادر رزق السائقين، مضيفا أنّه رغم الكلفة الأولية لهذا الأمر، لكنّه يمكن أن يتحول إلى استثمار طويل الأمد، يخفف من استنزاف الموارد، ويحسّن الإنتاجية العامة، ويقلل من التكاليف الصحية والبيئية.
كما يطرح السيّد فكرة توحيد الهوية البصرية لوسائط النقل الداخلي، بما ينسجم مع الهوية الوطنية الجديدة، ويعكس صورة حضارية عن المدن السورية.
في المحصلة، فإنّ تحسين النقل الداخلي ليس عبئاً اقتصادياً، بل استثمار اجتماعي وإنساني وبيئي طويل الأمد، فالدولة التي تسعى إلى بناء ثقة حقيقية مع مواطنيها، تبدأ من التفاصيل الصغيرة التي تمس حياتهم اليومية.
Loading ads...
وبين سرفيس يتوقف في وسط الشارع، وركّاب يترجّلون وقد أنهكهم الاكتظاظ، يشكّل ملف النقل الداخلي مفترق طرق، إما أن يبقى شاهداً على إرث الماضي، أو أن يتحول إلى أحد رموز التحول نحو سوريا جديدة، يُقاس فيها نجاح الإصلاحات بمدى انعكاسها على حياة الناس اليومية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



