ساعة واحدة
من مناطق النزاعات إلى الفضاء الرقمي، تهديدات متزايدة تواجه الصحفيات
الأحد، 1 نوفمبر 2026

وقالت ماريا ريسا الحائزة على جائزة نوبل للسلام، في كلمة ألقتها في فعالية بمقر الأمم المتحدة: "كل صحفية تُجبر على مغادرة منطقة نزاع تعني فقدان شاهد على عملية السلام".
وحثت ريسا - وهي شريكة في تأسيس المنصة الإخبارية الفلبينية "رابلر" - الحكومات على تجاوز مرحلة الوعود واتخاذ خطوات ملموسة لحماية النساء العاملات في مجال الإعلام في الميدان.
وأضافت: "عندما تكون ناقلة الخبر امرأة، فإن الهجمات ضدها تتخذ طابعا جنسيا، وتهدف إلى تجريدها من إنسانيتها، وتكون مستمرة بلا هوادة".
جاءت تصريحات ريسا خلال فعالية رفيعة المستوى عُقدت في إطار "أسبوع المرأة والسلم والأمن"، بتنظيم من البعثة الدائمة لليونان، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التي تدافع عن حماية الصحفيين.
ريسا التي تعرضت للاعتقال والملاحقة القضائية وحملات مستمرة من الهجمات عبر الإنترنت، أوضحت كيف يمكن للترهيب أن يقوض مصداقية الصحفيات وثقتهن بأنفسهن، ويهدد سلامتهن، ويقضي في نهاية المطاف على عزيمتهن لمواصلة عملهن الصحفي.
وفي ذروة الهجمات التي استهدفت ريسا، كانت تتلقى 90 رسالة كراهية في الساعة الواحدة. وتظهر هذه الهجمات كيف يمكن استخدام الإساءة القائمة على النوع الاجتماعي للنيل من مصداقية النساء اللواتي يتحدين أصحاب النفوذ.
وأوضحت ريسا خلال الفعالية، التي حملت عنوان "كل صوت من أجل السلام مهم: رؤى جديدة لأجندة المرأة والسلام والأمن"، أن "القضاء على ناقل الخبر يعني القضاء على الرسالة ذاتها".
يُفاقم الذكاء الاصطناعي من حدة هذه التهديدات، حيث يفسح المجال لانتشار تقنيات مثل التزييف العميق، والصور الجنسية المفبركة، واستنساخ الأصوات، وتنسيق هجمات واسعة النطاق.
ووفقا لبيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، أفادت نحو واحدة من كل أربع نساء من المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات والصحفيات بتعرضهن لإساءات قائمة على الذكاء الاصطناعي، وهي إساءات قد تتطور بمرور الوقت لتتحول إلى عنف جسدي.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن الهجمات عبر الإنترنت، التي كان يُنظر إليها سابقا على أنها مجرد مشكلات افتراضية، باتت تمتد إلى الواقع الملموس، مما يؤثر على سلامة النساء ورفاههن وقدرتهن على المشاركة بحرية في النقاش العام.
ودعت ريسا إلى التعامل مع العنف عبر الإنترنت بوصفه عنفا فعليا. وحثت على فرض مساءلة أكثر صرامة على الجناة وشركات التكنولوجيا التي تساهم في تفاقم الإساءات، وتوفير تمويل مستدام للمؤسسات الصحفية التي تقودها نساء، وإشراك الصحفيات في النقاشات المتعلقة بالسلم والأمن.
استشهدت ريسا بكلمات الصحفية الجورجية مزيا أماغلوبيلي، التي لا تزال تقبع في السجن، وروت كيف أنها رفعت نسخة من كتابها "كيف تواجه دكتاتورا" داخل قاعة المحكمة حين مُنعت من التحدث بحرية.
وقالت: "لقد قالت من داخل زنزانتها: قاوموا قبل فوات الأوان. ونحن نقترب من تلك النقطة؛ هذه هي اللحظة، هذه هي اللحظة الحاسمة".
ودعت ريسا الصحفيين والمجتمع المدني والحكومات والمؤسسات الدولية إلى التكاتف ضد نظام يسمح بوقوع هجمات على الصحفيات دون محاسبة.
وأضافت: "نرفض أن نكون ضحايا. لقد حوّلت النساء هنا الهجوم إلى قصة صحفية، وفي كل مرة وقفت فيها إحدانا، وقفت الأخريات إلى جانبها. فالشجاعة معدية، لكن الشجاعة وحدها ليست استراتيجية للحماية؛ فالحماية الحقيقية تأتي من دول الأمم المتحدة".
يأتي هذا الاجتماع بعد مرور 26 عاما على اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 1325، الذي أكد على أهمية المشاركة الكاملة للمرأة في منع النزاعات وحلها وبناء السلام.
بالنسبة للصحفية الأفغانية ورائدة الأعمال في مجال الإعلام حميدة أمان، فإن حماية الصحفيات تعني ضمان عدم إقصاء ملايين النساء تماما من الحياة العامة.
عندما أطلقت أمان "راديو بيغوم" في آذار/مارس 2021، كان هدفها خلق مساحة تتيح للنساء الأفغانيات مشاركة تجاربهن والوصول إلى معلومات تهم حياتهن. ومنذ سيطرة حركة طالبان على السلطة، أدت القيود المفروضة إلى جعل هذا العمل أكثر صعوبة.
واستنادا إلى أرقام صادرة عن الاتحاد الدولي للصحفيين، أشارت أمان إلى أن عدد الصحفيات في أفغانستان انخفض من حوالي 2800 صحفية قبل تولي طالبان السلطة إلى أقل من 700 صحفية.
وقالت أمان: "السماح لنا بالعمل لا يعني أننا نتمتع بحرية العمل"، واصفة بذلك الرقابة الصارمة والعقبات الإدارية التي تواجه "راديو بيغوم". فقد تعرضت المؤسسة للتهديد والإغلاق المؤقت، كما سُجن بعض الزملاء لأكثر من ستة أشهر.
وتساءلت أمان قائلة "إذا اختفت هؤلاء الصحفيات، فمن سيتحدث عن حياة النساء الأفغانيات؟ ومن سيجعل أصواتهن مسموعة؟".
لا تقتصر حماية الصحفيات على سلامتهن الفردية فحسب، وإنما تتعلق أيضا بتحديد من يتم توثيق تجاربه في سياق النزاعات، ومن هي الأصوات التي تشكل الفهم العام، ومن الذي يتم الاعتراف بمساهماته في مسيرة السلام.
نائبة المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة نياراتزاي غومبونزفاندا قالت إنه "عندما يتم إسكات الصحفيات، تُسكت معهن أيضا النساء اللواتي يروين قصصهن. لذا، فالأمر لا يقتصر على إسكات الصحفيات فحسب، بل هو إسكات لقصتنا الجماعية".
وأشارت غومبونزفاندا إلى أن النساء في مناطق النزاع غالبا ما يُصوَّرن كضحايا فقط، رغم أدوارهن الفعالة في منع العنف، والوساطة في النزاعات، ودعم المجتمعات، وإعادة بناء الأوطان. وعندما لا يتم تسليط الضوء على تجاربهن، لا يرى الجمهور سوى جزء من واقع الحرب، أو "نصف صورة السلام".
ووفقا لدراسة حديثة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة اليونسكو، تعرضت 75% من الصحفيات اللواتي شملهن الاستطلاع للعنف عبر الإنترنت. وربطت نسبة 42% ممن شملتهن الدراسة، الهجمات الإلكترونية بتعرضهن للإساءة أو الاعتداء في الواقع الملموس، وهي زيادة ملحوظة مقارنة بنسبة 20% في عام 2020.
وفي الوقت ذاته، شهدت الفترة بين عامي 2013 و2023 زيادة في التغطية الإعلامية للنزاعات بأكثر من ستة أضعاف، ومع ذلك، لم تركز سوى 5% من المقالات المنشورة على تجارب النساء في الحرب.
ووفقا للأرقام التي عُرضت خلال الفعالية، فإن 0.04% فقط من تلك المقالات أشارت إلى دور القيادات النسائية في عمليات السلام. وفي هذا السياق، قالت ريسا أمام حشد من النساء في نيويورك: "لسنا غير مرئيات".
بدورها، استحضرت مديرة قسم المساواة بين الجنسين في اليونسكو بيغونيا لاساغاباستر معرض "لقد أخبرن العالم بذلك"، الذي يوثق مسيرة نحو 200 صحفية من أكثر من 25 دولة، كنّ قد غطّين أحداث الحرب الأهلية الإسبانية قبل 90 عاما.
وقالت لاساغاباستر: "بينما كان العالم يركز على إحصاء المعارك، كانت هؤلاء النساء يركزن على إحصاء الأرواح. فقد كتبن عن الجوع، والنزوح، وعن الآثار التي تخلفها الحرب على الأم والأب والطفل والمدينة والبلد بأسره". وأضافت أنهن بذلك "غيرن الطريقة التي ينظر بها العالم إلى الحرب".
على الرغم من وجود أطر دولية لحماية الصحفيين، إلا أن الصحفيات لا يزلن يواجهن العنف الجسدي، والمضايقات القانونية، والصدمات النفسية، وحملات إلكترونية تهدف إلى التشكيك في مصداقية تقاريرهن.
ومع حلول اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر، تستعد اليونسكو لإطلاق حملة جديدة بعنوان "التهديدات تتطور، والإفلات من العقاب مستمر"، إلى جانب الكشف عن نتائج جديدة تتعلق بسلامة الصحفيين وقضية الإفلات من العقاب.
Loading ads...
وقالت ريسا: "كل صوت ينادي بالسلام له قيمته، لكن هذا الصوت لا يكتسب قيمته إلا إذا سُمِع، وإذا سُمِع صوت المرأة التي نجت".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




