6 أشهر
لماذا ارتفع سعر الصرف عقب طرح العملة السورية الجديدة في الأسواق؟
الخميس، 8 يناير 2026

يشهد سوق الصرف السوري خلال الأيام القليلة الماضية حالة من التذبذب الواضح، بعد فترة استقرار نسبي امتدت قرابة شهر، إذ عاد سعر صرف الدولار إلى الارتفاع بشكل ملحوظ، في تطور سرعان ما انعكس قلقًا في الأسواق، وفتح الباب أمام موجة جديدة من التوقعات بارتفاع الأسعار وتآكل ما تبقى من القدرة الشرائية لدى المواطنين.
وفقدت الليرة السورية أكثر من 99 بالمئة من قيمتها منذ عام 2011، وفي الشهرين الماضيين بات سعر الصرف يدور حول 11 ألف ليرة مقابل الدولار، مقارنةً بـ50 ليرة قبل الحرب، بينما تجاوز السعر الأيام الماضية بالسوق السوداء 12 ألف ليرة مقابل الدولار بعد عملية إطلاق الليرة الجديدة.
ويبقي مصرف سوريا المركزي سعر صرف الدولار مقابل الليرة في البنوك عند 11 ألف ليرة للشراء و11,110 ليرات للبيع، وبلغ السعر الوسطي 11,055 ليرة للدولار الواحد.
توقيت حساس وتساؤلات مفتوحة
يأتي هذا الارتفاع في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع طرح العملة السورية الجديدة في التداول، ما يثير تساؤلات واسعة حول أسباب عدم استقرار الليرة، وقدرة السياسات النقدية الحالية على ضبط السوق.
وتشير معطيات السوق إلى أن الطلب المتزايد على القطع الأجنبي لا يرتبط فقط بعوامل تجارية أو استيرادية تقليدية، بل يتغذى أيضًا من سلوكيات احترازية لدى الأفراد والتجار على حد سواء، في ظل مخاوف من فقدان الليرة القديمة جزءًا إضافيًا من قيمتها.
ويسعى كثيرون إلى تحويل مدخراتهم النقدية إلى عملات صعبة باعتبارها ملاذًا أكثر أمانًا، وهو ما يرفع الطلب على الدولار ويزيد الضغوط على سعر الصرف، خصوصًا في سوق تعاني أصلًا من هشاشة الثقة وضعف الأدوات التنظيمية.
الهروب إلى الدولار كملاذ آمن
تفاقمت هذه الضغوط عقب تصريحات صادرة عن مصرف سوريا المركزي أشار فيها إلى أن الليرة الجديدة غير متوفرة بشكل دائم في جميع مراكز الاستبدال، وهو ما فُسّر في الأوساط الاقتصادية على أنه مؤشر إلى وجود ضغط مرتفع على السيولة النقدية.
لا يقتصر هذا الضغط، على المواطنين الراغبين في استبدال مدخراتهم، بل يمتد إلى شبكات مالية وتجارية تسعى إلى تحويل كميات كبيرة من العملة دفعة واحدة أو على مراحل، سواء بدافع التحوّط أو المضاربة، الأمر الذي يربك السوق ويقوّض أي استقرار مؤقت.
في هذا السياق، توضح الخبيرة الاقتصادية الدكتورة شمس محمد صالح، في تصريح لصحيفة “الحرية”، أن تدهور قيمة الليرة السورية ليس ظاهرة طارئة، بل هو نتاج مسار طويل من الأزمات السياسية والاقتصادية التي بدأت منذ عام 2011.
جذور أعمق للأزمة
تشير الخبيرة الاقتصادية إلى أن الليرة كانت قبل ذلك التاريخ تحافظ على مستوى مقبول من الاستقرار، إلا أن الحرب، وما رافقها من عقوبات اقتصادية، وتراجع الإنتاج، وانتشار الفساد، أدت مجتمعة إلى إضعاف أسس الاقتصاد الوطني، وانعكست مباشرة على قيمة العملة الوطنية.
وتلفت إلى أن الليرة شهدت خلال السنوات الماضية موجات متكررة من الانهيار، بفعل عوامل بنيوية في مقدمتها عدم الاستقرار السياسي وتراجع القاعدة الإنتاجية، وهما عاملان أساسيان في تعميق الأزمة الاقتصادية، موضحة أن ضعف الإنتاج المحلي حدّ من قدرة الاقتصاد على توليد القطع الأجنبي، في حين دفع تراجع القوة الشرائية شريحة واسعة من المواطنين إلى البحث عن بدائل تحفظ قيمة مدخراتهم، وعلى رأسها الدولار، ما أسهم في تنشيط المضاربات في السوق السوداء وزيادة حدة الاختلالات النقدية.
وترى أن الليرة السورية تشكل مؤشرًا حيويًا على صحة الاقتصاد الوطني، إذ تعكس قوتها أو ضعفها مدى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الاقتصادية، محذرة من أن استمرار تدهور قيمتها يشكل تهديدًا مباشرًا لمستويات المعيشة، نتيجة الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات، وما يفرضه ذلك من أعباء إضافية على الأسر، ويقوض قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.
الاستقرار النقدي شرط للنمو
في المقابل، تؤكد الخبيرة الاقتصادية أن تحقيق قدر من الاستقرار في سعر الصرف من شأنه أن ينعكس إيجابًا على سلوك الأفراد والمستثمرين، إذ يعزز الشعور بالأمان تجاه الادخار والاستثمار، ويحفّز النشاط الاقتصادي، ويفتح المجال أمام خلق فرص عمل جديدة.
الاستثمار، سواء المحلي أو الأجنبي، يرتبط بشكل وثيق بثقة المستثمرين بالاستقرار المالي والنقدي، وفي حال استمرار تدهور العملة فإن تدفقات الاستثمار تتراجع، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة.
الخبيرة الاقتصادية الدكتورة شمس محمد صالح
Loading ads...
وتخلص الخبيرة إلى أن استقرار العملة الوطنية يمثل أحد الأعمدة الأساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، مؤكدة أن ذلك يتطلب سياسة حكومية مستقرة وواضحة المعالم، قادرة على ضبط القرار الاقتصادي، ودعم الليرة في مواجهة الطلب المتزايد على القطع الأجنبي، إلى جانب تنشيط قطاعات الإنتاج والتصدير، فدون تعزيز القاعدة الإنتاجية واستعادة الثقة بالسياسات النقدية، سيبقى أي استقرار في سعر الصرف هشًا ومؤقتًا، وغير كافٍ لإحداث تحسن ملموس في حياة المواطنين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

