أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن لبنان وسوريا تساؤلات حول طبيعة الدور الذي ترغب واشنطن أن تلعبه دمشق لمساعدة الحكومة اللبنانية في تنفيذ قرارها بنزع سلاح "حزب الله" واحتكار قرار الحرب والسلم.
وأثارت تصريحات ترامب اهتماماً واسعاً داخل لبنان وخارجه، نظراً لحساسية العلاقات السورية اللبنانية من جهة، ولارتباط الملف اللبناني بعدد من القضايا الأمنية والإقليمية التي تحظى باهتمام أمريكي مباشر من جهة أخرى.
وشهدت العلاقات بين دمشق وبيروت منذ تولي الرئيس السوري أحمد الشرع السلطة في يناير 2025، مرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية الأمر الذي انعكس إيجابياً على البلدين.
ويوم 7 يونيو الجاري، قال ترامب في مقابلة مع شبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية، إن سوريا قد تلعب دورا في تسهيل تنفيذ ضربات "أكثر دقة" ضد "حزب الله" في لبنان، موضحاً أن الرئيس السوري أحمد الشرع "قد يكون مستعداً للمساعدة في الجهود الأمنية الإقليمية".
ووصف ترامب الرئيس السوري بأنه "قائد جيد جداً"، قائلا إنه تمكن خلال فترة قصيرة من اتخاذ خطوات لإعادة الاستقرار إلى سوريا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وفي معرض حديثه عن لبنان، قال ترامب إن سوريا قد تسهم في تسهيل تنفيذ ضربات "أكثر دقة" ضد "حزب الله" مضيفا: "أريد حياة أفضل للناس في لبنان".
وكانت رويترز قد أوردت في 17 مارس الماضي، نقلاً عن خمسة مصادر مطلعة أن "الولايات المتحدة شجعت سوريا على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله".
وأشارت الوكالة حينها إلى تردد دمشق في التدخل بلبنان خشية الانجرار إلى حرب الشرق الأوسط وتأجيج التوتر الطائفي، وخلق حساسية مع الأطراف الداخلية اللبنانية التي استقبلت الحكم الجديد في سوريا بارتياح كبير.
وعلى إثر الحرب بين "إسرائيل" و"حزب الله" التي أسفرت عن خسائر بشرية ومادية واسعة منذ أكثر من عامين، فوضت الحكومة اللبنانية الجيش في أغسطس الماضي بإعداد خطة لضمان "حصرية السلاح" بيده قبل نهاية العام الماضي 2025 لكن يواجه صعوبات في ذلك بسبب تمسك الحزب بسلاحه.
وأكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، في أكثر من مناسبة، أن لا خيار لبلاده سوى أن تحتكر الدولة السلاح أو تظل رهينة لمنطق المليشيات.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه لبنان مواجهة أزمة اقتصادية ومالية حادة، فيما تحاول الحكومة اللبنانية تعزيز الاستقرار السياسي والأمني واستقطاب الدعم الدولي لإعادة تنشيط الاقتصاد وتحسين الأوضاع الداخلية.
لكن في المقابل، أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي أن بلاده قادرة على إنهاء ملف سلاح "حزب الله" حتى في حال عدم سقوط النظام الإيراني، مشدداً على أن ذلك يتطلب اتخاذ القرارات المناسبة بدعم من المجتمع الدولي.
واعتبر في مقابلة خاصة مع صحيفة "لو فيجارو" الفرنسية ونشرتها الوكالة الوطنية للاعلام اللبنانية (13 يونيو) أن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارات شجاعة، لكنها مضطرة إلى التقدم ببطء لتجنب حدوث احتكاكات داخلية.
كما رأى رجي أن الحزب بات مهزوماً على الصعيدين الاستراتيجي والعسكري، لكنه لا يزال يحتفظ بنفوذ واسع داخل ما يُعرف بـ"الدولة العميقة"، من خلال سلاحه وحضوره داخل الإدارات ومؤسسات الدولة.
وأكد أن "المطالبة بنزع سلاح الحزب لا تأتي لإرضاء إسرائيل أو الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي، بل استجابة لرغبة غالبية اللبنانيين في العيش ضمن دولة طبيعية".
ولا يبدو أن دمشق راغبة في التدخل بالشأن اللبناني التزاماً منها بفتح صفحة جديدة وعدم تكرار ما يعرف بـ"عهد الوصاية" خلال حقبة نظام الأسد الذي ترك إرثاً سلبياً على العلاقة بين البلدين.
فقد نفى الرئيس السوري أحمد الشرع في 11 يونيو، وجود أي نية لدى دمشق للدخول إلى لبنان أو التدخل عسكرياً فيه، مؤكداً أن "ما يُتداول بهذا الشأن لا يعدو كونه شائعات" في إشارة لتصريحات ترامب.
كما أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون في الوقت نفسه، أن "الشرع يتحلى بالمسؤولية والوعي ولن ينجر إلى مستنقع لبنان"، في موقف ينسجم مع الرغبة السورية أيضاً.
من جانبه، قال المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا (11 يونيو) إن سوريا تجد نفسها في "صف واحد" مع الرئيس اللبناني في الحفاظ على أمن لبنان وسيادة الدولة اللبنانية، مؤكداً أن القبول اللبناني والتنسيق مع الدولة اللبنانية يمثلان الركيزة الأساسية لأي دور يمكن أن تؤديه دمشق في المساعدة على معالجة الملفات اللبنانية.
وأضاف البابا لقناة "الحدث" السعودية، أن "سوريا تنظر إلى لبنان باعتباره دولة ذات سيادة وليس ساحة خلفية" مشدداً على أن "أي عمل سوري في لبنان سيكون لخدمة الشعب اللبناني وبالتنسيق مع العمق العربي، وبما يحفظ المصلحة العربية المشتركة والعلاقة الأخوية بين الشعبين".
المتحدث باسم الداخلية السورية نور الدين البابا:نحن نجد أنفسنا في صف واحد مع فخامة الرئيس عون بالحفاظ على أمن لبنان وسيادة الدولة اللبنانية ونحن في خندق واحد، ونعتبر القبول اللبناني والتنسيق مع الشقيق لبنان هو الركيزة الأساسية لأي دور ممكن أن تساعد فيه سوريا في حل الملفات… pic.twitter.com/J2LxfRWR3I
— قاسم (@Qasemqt) June 11, 2026
يرى الباحث والمحلل السياسي اللبناني محمود علوش أن تصريحات ترامب تعكس رغبة أمريكية واضحة في أن تلعب سوريا دوراً في الملف اللبناني، لا سيما من زاوية نزع سلاح "حزب الله" وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
ويقول علوش لـ"الخليج أونلاين":
- هذا الطرح قد يمثل فرصة سياسية لدمشق في ظل الانفتاح المتزايد بينها وبين واشنطن.
- لكن الأولوية بالنسبة للقيادة السورية تبقى مرتبطة بتوقيت الانخراط في هذا الملف، وحجم المكاسب التي يمكن أن تحققها سوريا من أي دور محتمل.
- هناك توجهاً إقليمياً متنامياً ينظر إلى سوريا بوصفها طرفاً قادراً على الإسهام في تعزيز الاستقرار داخل لبنان.
- هذا المسار ما يزال في مراحله الأولية، إلا أن تصريحات ترامب تعكس بوضوح وجود رغبة أمريكية في منح دمشق دوراً أكبر في التعامل مع بعض الملفات اللبنانية خلال المرحلة المقبلة.
من جانبه يرى الباحث في العلاقات الدولية عماد كمال، أن تصريحات ترامب الأخيرة أعادت الملف اللبناني إلى واجهة التواصل الأمريكي السوري، لكنها لا تعني بالضرورة وجود ترتيبات جاهزة أو دور سوري جديد في لبنان، بقدر ما تعكس اهتمام واشنطن بمتابعة الملفات الإقليمية المتداخلة بين سوريا ولبنان بعد التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين.
وأضاف لـ"الخليج أونلاين":
- المواقف الصادرة من بيروت ودمشق خلال الأيام الأخيرة أظهرت حرص الجانبين على التأكيد بأن أي تعاون أو تنسيق مرتبط بالملف اللبناني يجب أن يتم عبر مؤسسات الدولة اللبنانية وبالتوافق بين البلدين، بعيداً عن الصيغ التي ارتبطت بمراحل سابقة من تاريخ العلاقات السورية اللبنانية.
- أهمية التصريحات الأمريكية لا تكمن في مضمونها فقط، بل في توقيتها أيضاً إذ جاءت بعد الحرب الأخيرة بين "إسرائيل" و"حزب الله" وفي ظل محاولات تثبيت ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار وإعادة تنظيم المشهد السياسي والأمني في لبنان.
Loading ads...
- أي نقاش أمريكي مع دمشق خلال المرحلة المقبلة سيكون مرتبطاً بحزمة ملفات متداخلة تشمل لبنان وأمن الحدود والاستقرار الإقليمي والعلاقات الثنائية، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير الذي حظيت به الأنباء المتداولة حول زيارة محتملة للرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






