2 ساعات
العراق يخرج من عنق الزجاجة: من هو علي الزيدي "مرشح الضرورة" وما أبرز التحديات التي تنتظره؟
الثلاثاء، 28 أبريل 2026

بعد أشهر من الجمود السياسي، أقرّت بغداد فجر الاثنين اسماً جديداً لقيادة المرحلة المقبلة. فقد كلّف رئيس الجمهورية نزار آميدي، رجل الأعمال علي الزيدي، بتشكيل الحكومة خلفاً لمحمد شياع السوداني، ليصبح الزيدي بذلك أصغر من يتولى رئاسة الوزراء في تاريخ العراق. فمن هو مرشح "اللحظة الأخيرة"؟ وكيف تمت تسميته بعد صراع داخلي محموم؟ والأهم، ما أبرز العقبات التي تنتظره؟
يحمل الزيدي شهادة بكالوريوس في القانون وماجستير في المالية والمصرفية، ويُوصف بأنه يمتلك خبرة متعددة في المجالات القانونية والتنفيذية والاقتصادية. شغل سابقاً منصب رئيس مجلس إدارة مصرف الجنوب، كما تولى رئاسة مجلس إدارة الشركة الوطنية القابضة، إضافة إلى رئاسة مجلس إدارة جامعة الشعب ومعهد عشتار الطبي. وهو أيضاً عضو في نقابة المحامين العراقيين. بهذه الخلفية، بات الرجل "مرشح ضرورة" أكثر منه خياراً سياسياً تقليدياً، وذلك في مرحلة تعاني فيها الحكومة من أزمات اقتصادية وأمنية كبرى، تزداد الحاجة فيها إلى شخصية غير منخرطة في صراعات الاستقطاب السياسي.
ويمكن القول إن تكليف الاقتصادي، المنحدر من محافظة ذي قار في جنوب العراق، بتشكيل الحكومة، يشكّل مرحلة سياسية جديدة في العراق، لكن التوافق داخل "الإطار التنسيقي" اتجاهه لا يحجب حجم التحديات التي تنتظره في إدارة توازنات معقدة داخلياً وخارجياً، خاصة أن هناك تساؤلات بشأن قدرته على التعامل مع ملفات تحتاج إلى خبرة متراكمة.
وفي هذا السياق، تبرز أمامه ملفات شديدة الحساسية، يأتي في مقدمتها ضبط السلاح خارج إطار الدولة واحتواء التوترات بين القوى السياسية، إضافة إلى التحديات الأمنية المستمرة في عدد من المناطق.
ويشكل نجاحه في هذا الملف عاملاً حاسماً في استقرار حكومته، لا سيما أن الحكومات السابقة واجهت صعوبات في تحقيق توازن مستدام بين مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة. كما أن عليه تقديم كابينة وزارية تنال ثقة مجلس النواب، وسط انقسامات حادة وصراعات على الحقائب الوزارية.
هذا ولا تقل التحديات الاقتصادية تعقيداً، إذ يواجه العراق أزمات مزمنة، في مقدمتها الاعتماد شبه الكامل على النفط، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، إلى جانب تفشي الفساد الإداري والمالي. ومع أن الزيدي يمتلك خلفية مالية مصرفية، فإن أي مسار إصلاحي قد يصطدم بتشابكات سياسية ومصالح متجذرة داخل بنية النظام، مما يجعل مهمته في معالجة اختلالات الاقتصاد العراقي المزمنة شديدة التعقيد.
كما سيكون على رئيس الوزراء المكلف إدارة شبكة علاقات دقيقة، تقوم على الحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة، وتجنب التصادم مع إيران، إلى جانب تعزيز الانفتاح على المحيطين العربي والإقليمي. وهو توازن لطالما شكل تحدياً كبيراً للحكومات العراقية المتعاقبة.
وفي هذا السياق، يتحدد الموقف الأميركي من أي رئيس وزراء عراقي عادةً بمدى استقلاليته عن النفوذ الإيراني، فضلاً عن قدرته على حصر السلاح بيد الدولة. وحتى الآن، لم يصدر موقف رسمي من واشنطن، لكن خلفية الزيدي غير المصنفة ضمن الصف الأول للقوى السياسية قد تُفهم كفرصة للتعامل البراغماتي، دون أن تُلغي في الوقت ذاته المخاوف المرتبطة بترشيحه من قبل قوى مقربة من إيران. كما أن صلته السابقة بقطاع مصرفي خضع لعقوبات أميركية قد تعقّد حسابات واشنطن وتدفعها نحو تبني سياسة "الانتظار والترقب" بدلاً من إعلان دعم مباشر.
قبل حسم اسم الزيدي، كان تحالف "إطار التنسيق" – الذي يضم الأحزاب الشيعية القريبة من إيران ويمتلك الغالبية البرلمانية – يدفع بقوة لتكليف نوري المالكي. لكن الأخير، الذي قاد الحكومة بين عامي 2006 و2014 في فترة مفصلية من تاريخ العراق ما بعد الغزو الأميركي، واجه اعتراضاً أميركياً صريحاً. فقد أعلنت واشنطن أنها لن تقبل بعودته، وهو ما أكده الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تغريدة على "إكس"، مما أدى إلى تعطيل المشاورات لأشهر طويلة.
كما لم تكن الأزمة السياسية بمنأى عن تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، والتي استمرت أكثر من 40 يوماً. فخلال تلك الفترة، استُهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي وفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بغارات نسبتها تقارير إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين ردّت فصائل عراقية باستهداف مصالح أميركية.
وفي المشهد نفسه، نفّذت طهران ضربات ضد جماعات إيرانية كردية معارضة في شمال العراق. هذه الأجواء دفعت القادة العراقيين إلى تجميد المباحثات حول رئاسة الوزراء، ولم يعودوا إلى طاولة الحوار بشكل مكثف إلا بعد أيام قليلة من دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ، وذلك في الثامن من نيسان/أبريل الماضي.
الوصول إلى علي الزيدي لم يكن مساراً مباشراً أو سهلاً، بل مرّت عملية الاختيار داخل "إطار التنسيق" بثلاث مراحل رئيسية، قبل أن تسفر الساعات الأخيرة عن هذا الاسم.
المرحلة الأولى كانت ترشيح نوري المالكي، حيث دفع به المالكي وحلفاؤه داخل الإطار بقوة، لكن الاعتراض الأميركي الصريح، إلى جانب تحفظات إقليمية وداخلية، حال دون تمرير اسمه، مما أدى إلى جمود طويل.
ثم جاءت المرحلة الثانية بالانتقال إلى باسم البدري، الذي حصل – بحسب مصادر عراقية – على ثلثي أصوات الإطار التنسيقي، بعد أن رشّحه المالكي، وكان الاتجاه حينها يُشير إلى إعلانه مرشحاً رسمياً، لكن هذا الترشيح أيضاً اصطدم باعتراضات.
أما المرحلة الثالثة فكانت ساعات الحسم، حيث عُقدت اجتماعات بحضور فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي وأحد أبرز الوجوه السياسية والأمنية داخل قوى الإطار، انتقلت خلالها المشاورات إلى محاولة إنتاج اتفاق نهائي، بعدما بدا أن استمرار الخلاف يهدد وحدة قرار الإطار. فقد تمسك المالكي، ومعه ستة من أعضاء الإطار، بباسم البدري حتى ساعات متأخرة، في حين طرح رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني أسماء أخرى، من بينها إحسان العوادي وعلي العلاق محافظ البنك المركزي، لكن هذه الأسماء لم تحظَ بقبول الطرف الآخر. أمام هذا الانسداد، جرى الاتفاق على صيغة تفاوضية أخيرة، وهي أن يُقدم المالكي ثلاثة أسماء (باسم البدري، علي الزيدي، صالح الحسناوي وزير الصحة الحالي)، ويختار الطرف الآخر أحدها.
في تلك اللحظة الحرجة، ظهر اسم علي الزيدي كـ"مرشح ضرورة" بامتياز، في لحظة كانت تبحث عن اسم لا يكسر أحداً ولا يمنح الغلبة الكاملة لأي طرف داخلي. ولذلك، يُعتقد أن أهم ما تكشفه الساعات الأخيرة ليس فقط اسم المرشح، بل طبيعة الأزمة داخل الإطار نفسه: إذ لم يكن الخلاف على الشخص وحده، بل على الجهة التي ستُحسب لها تسمية رئيس الوزراء المقبل. فتمرير المالكي كان سيُحسب انتصاراً واضحاً لمعسكره، في حين كان رفضه يعني إبقاء الباب مفتوحاً أمام مرشح تسوية، وهو ما تحقق بالفعل بوصول الزيدي.
Loading ads...
ويصف مراقبون اختيار الزيدي بأنه "مفاجئ" مقارنة بالأسماء التقليدية التي كانت متداولة، معتبرين أن الإطار التنسيقي سجل بهذا الاختيار نقطتين مهمتين: الأولى عدم اختيار شخصية من القيادات السياسية التقليدية المثيرة للجدل، والثانية اختيار شخصية شابة نسبياً في العمل السياسي وذات خلفية اقتصادية خالصة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





