تمثل سوريا حضارة عريقة ومعقدة، فقد قامت بين إمبراطوريتين في العصور القديمة، وهما إمبراطورية مصر وبلاد الرافدين، فكانت جسراً بينهما، وفي بعض الأحيان مثلت جداراً فاصلاً ما بين هاتين الحضارتين. وهذه الحضارة التي نادراً ما نجدها منتصرة فاتحة غازية، تأقلمت على مر آلاف السنين مع الغزاة الذين أتوها من مختلف أنحاء العالم، سواء المصريين أو السومريين أو الحثيين أو البابليين أو الفارسيين أو الإغريق أو الرومان أو البيزنطيين أو العرب أو الصليبيين أو المغول أو الترك أو الفرنسيين.
كل هؤلاء خلفوا آثاراً لا تحمى فيها على الرغم من خروجهم منها بعد حين، وهذا ما دفع الكاتب مارك توين للقول عندما رأى العاصمة التاريخية دمشق في عام 1867: "إنها تضم رميم عظام ألف إمبراطورية، وستشهد اندثار ألف إمبراطورية أخرى قبل أن تندثر، فدمشق هي المدينة الخالدة بحق على الرغم من إطلاق هذه التسمية على مدينة أخرى".
لم تحكم سوريا نفسها إلا في عام 1946 وقد استمر ذلك لفترة بسيطة بعد 26 عاماً من الحكم الاستعماري الفرنسي، أي أن حريتها في التصرف بقية مؤقتة، في ظل تنافس قوى خارجية في الهيمنة عليها كان من بينها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على الساحة الدولية، ومصر والمملكة الهاشمية في العراق على الصعيد العربي. وقد استمر هذا الصراع حتى اليوم بين تركيا وإسرائيل، بما أن جيش الأولى يهيمن على الشمال السوري وجيش الثانية يحتل الجنوب.
يصحح المؤلف دانييل نيب من خلال التاريخ المتميز والشامل لسوريا في "العصر الحديث" السردية التقليدية عن سوريا السلبية التي تلعب دوماً دور المفعول به لا الفاعل، وذلك عبر جعل الشعب السوري يحتل قلب قصتها، إذ إلى جانب التطرق إلى "الشكوك المعهودة حول الاستعمار الأوروبي والإمبريالية الأميركية والتوسع السوفييتي"، يبحث هذا الكاتب أيضاً في "ما يبدو تيارات اقتصادية لاشخصانية" لعبت "دوراً حاسماً جرى التغاضي عنه في معظم الأحيان، وذلك في إعادة صياغة سوريا الحديثة ورسم معالمها".
تبدأ قصة هذا الكتاب في منتصف القرن التاسع عشر، أي خلال ما أسماه المؤرخ التركي سليم ديرينغيل بـ" الشفق العثماني"، وذلك عندما سعى السلاطين في القسطنطينية لنقل الحداثة إلى إمبراطوريتهم بغية حمايتها من أي اعتداء أوروبي.
سوريا تكتشف هويتها
وسوريا العثمانية حالها كحال مقاطعة سوريا الرومانية قبلها، كانت منطقة شاسعة تشمل ما أصبح سوريا الحديثة اليوم، مع محافظة هاتاي التركية ولبنان وفلسطين والأردن، وبفضل موقعها على الطريق البري الذي يصل الشرق بالغرب، بدءاً من المتوسط حتى الخليج، كما يصل الشمال بالجنوب بين الأناضول والجزيرة العربية، أصبحت دمشق المحطة الرئيسية لانطلاق قوافل الحجاج إلى مكة، وهذا ما أثرى تجارها، وحولها إلى قبلة لكثير من التجار والرحالة من مختلف أصقاع العالم.
أما مثقفوها فيرى نيب أنهم عاشوا نهضة بحلول عام 1860، فصاروا يعتبرون بلدهم غريبة عن حكامها الأتراك، وعن القوى الأوروبية التي تطمح لأن تحل محلهم. وظهر اكتشافهم لهويتهم الوطنية المميزة كعنصر حاسم في صياغة تاريخهم ورسمه، مع مراعاتهم لوجود جماعات غير عربية ضمن نسيج الدولة الوطنية، مثل الكرد والإيزيديين والأرمن.
عبر تعقب مراحل ظهور الوعي العربي السوري، يصور كتاب تاريخ سوريا الحديث العناصر الفاعلة المستقلة وهي تبحث عن طرق للنجاة تحت حكم حكام أجانب ومن أهل البلد، أو تصورهم وهم يقاومونهم بشدة. ويرسم المؤلف نيب وهو باحث غير مقيم لدى جامعة برانديز مسار الثورة العربية التي قامت بين عامي 1916-1918 والتي أنهت بالتزامن مع الغزو البريطاني القادم من مصر أربعة قرون من الحكم العثماني.
وعلى غير عادة المؤرخين الغربيين، يغض هذا المؤلف الطرف عن لورانس، ويركز على الأمير فيصل في مكة وعلى غيره من الشخصيات العربية التي حققت استقلالاً للبلد لم يدم طويلاً، إذ هذا ما حدث للمملكة السورية التي ظهرت بنهاية الحرب العالمية الأولى، لذا فإن إبراز فاعلية سوريا وتقديم ذلك على التدخلات الخارجية، يفضي إلى فهم أعمق وأعقد لكل ما ألم بالبلد خلال السنوات المئة وخمسين الماضية.
بعد وصول الجيش الفرنسي لدمشق في عام 1920، قاوم السوريون، حتى لو أتى ذلك عبثاً وكبدهم خسائر كبيرة. فقد هزم الثوار بقيادة الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش القوات الفرنسية في معارك كثيرة، كما كادوا أن يجبرونهم على الجلاء عن البلد خلال الثورة السورية الكبرى التي قامت في عام 1925، إلى أن وصلت التعزيزات الفرنسية ودمر القصف الجوي دمشق وحماة. وهكذا استمر إرث الثورة ولم يبق موجهاً ضد الغزاة القادمين من الخارج، إلا أن الحكم الفرنسي لم ينته إلا بعد الغزو البريطاني لسوريا التي كانت تحت سيطرة فيشي في عام 1941.
الجمهورية البرلمانية السورية
حظي الشعب السوري بجمهورية برلمانية خلال الفترة ما بين 1946-1949، أي حتى ذلك العام الذي نفذ فيه حسني الزعيم أول انقلاب عسكري في البلد والذي تبعه انقلابات كثيرة. وهنا يقدم لنا نيب تفاصيل كثيرة حول تآمر الضباط لإسقاط الرئيس شكري القوتلي، ولأسباب لم يذكرها، لم يتطرق للحديث عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والتي كتب ميلز كوبلاند الذي كان عميلها في الشرق الأوسط عن أسلوبها هناك وكيف تقرب من خلاله الملحق العسكري الأميركي من حسني الزعيم "فاقترح عليه فكرة الانقلاب، ونصحه بطريقة لتنفيذه، ووجهه للقيام بتحضيرات معقدة لوضع الأسس اللازمة لذلك".
كانت الولايات المتحدة تنشد موافقة سوريا على مد خطوط النفط التي تنقل نفط شركة أرامكو الأميركية من السعودية إلى الساحل اللبناني عبر الأراضي السورية، فكان القوتلي يماطل، ولذلك وقع الزعيم على المشروع فور وصوله إلى السلطة، كما رد الجميل لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عبر اعتقاله لأكثر من أربعمئة شيوعي سوري.
دان دين هينتون الضابط السياسي في المفوضية الأميركية ذلك الانقلاب واصفاً إياه بـ"أغبى تصرف لامسؤول يمكن لبعثة دبلوماسية كبعثتنا أن تتورط به.. لأننا بذلك بدأنا سلسلة من الأمور التي لن تنتهي البتة"، وقد أثبتت نبوءته صدقها بعد أربعة أشهر، عندما عمد ضباط آخرون لإسقاط الزعيم وقتله، ففتحوا بذلك المجال أمام سلسلة من عمليات انتقال السلطة بطرق غير ديمقراطية، وهذه السلسلة لم تنقطع إلا عبر الانقلاب الأخير الذي أتى بالضابط حافظ الأسد إلى السلطة في تشرين الثاني عام 1970. ويحدثنا نيب عن كل ديكتاتور عسكري من هؤلاء وكيف وصل إلى السلطة ثم خسرها، وكيف نجا الأسد من عدة محاولات انقلابية ومن انتفاضات وعمليات تخريب خارجية، إلى أن تمكن من نقل السلطة لابنه بشار عند وفاته في عام 2000.
في آذار عام 2011، خرجت مظاهرات في مدينة درعا التي تعتبر مدينة طرفية مهمشة، طالب فيها المتظاهرون بإدخال إصلاحات على النظام الديكتاتوري، غير أن الوضع جرى تصعيده إلى أن تحول لحرب سعت لإسقاط بشار، وبعد مرور أربعة عشر عاماً، فر بشار إلى موسكو، فوصل أول نظام إسلامي إلى الحكم في سوريا، غير أن هذا الحكم لم يضم حتى الآن الكرد المدعومين أميركياً في شمال شرقي سوريا، ولا جبل الدروز في الجنوب، ولا الجنوب الذي تحتله إسرائيل، ولا جيوب تنظيم الدولة الإسلامية في البادية السورية.
ثم إن شهوة الانتقام الحتمية بعد الحرب أدت لوقوع مجازر بحق الطائفة العلوية التي ينتمي إليها حافظ وبشار الأسد، كما هاجم مقاتلون إسلاميون مواطنين دروز في محافظة السويداء، وكذلك في حي الشيخ مقصود ذي الغالبية الكردية بحلب، إلى جانب هجومهم على معاقل الكرد في شمال شرقي البلد.
يختتم نيب سرديته التي أبدع بكتابتها فيقول: "في بداية الانتفاضة، خرج أنصار النظام بإنذارهم الذي لخصوه بشعار: (الأسد أو نحرق البلد)، وعقب رحيل هذا النظام، كان البلد قد تحول إلى رماد"، فالحرب التي قتلت ما لا يقل عن خمسمئة ألف سوري وسورية وشردت أكثر من نصف سكان سوريا انتهت في كانون الأول 2024، لتحل محلها حروب أخرى للأسف.
(يقدم موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذه المادة للتعريف بالكتاب الذي نشر عن تاريخ سوريا، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لما ورد في الكتاب أو في المادة من آراء وتحليلات).
Loading ads...
المصدر: The Financial Times
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



