6 أشهر
القاهرة ودمشق.. شراكة طاقة استراتيجية جديدة لمحاصرة عجز الكهرباء في سوريا
الثلاثاء، 6 يناير 2026

في خطوة تعكس تحولًا لافتًا في مقاربة ملف الطاقة السوري، وقعت مصر وسوريا مذكرتي تفاهم لتوريد الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية إلى دمشق، بهدف دعم توليد الكهرباء والتخفيف من واحدة من أكثر الأزمات إلحاحًا في البلاد.
وجاء التوقيع، بحسب بيان صادر عن وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، أمس الاثنين، في توقيت إقليمي حساس يتشابك فيه البعد الاقتصادي مع اعتبارات الطاقة والجغرافيا السياسية، ويعيد طرح سؤال حول قدرة سوريا على الخروج التدريجي من عتمة الكهرباء التي رافقت سنوات الحرب.
عجز كهربائي عميق وحلول غير مكتملة
تعاني سوريا من فجوة حادة في إمدادات الكهرباء، إذ يتجاوز العجز الحالي 80 بالمئة من إجمالي الاحتياجات، وفق تقديرات رسمية سابقة، ويؤكد المدير العام لمؤسسة نقل وتوزيع الكهرباء خالد أبو دي أن البلاد تحتاج إلى ما لا يقل عن خمس سنوات لتحقيق استقرار كامل في التيار الكهربائي، حتى في حال توفرت مصادر وقود مستقرة، وهو ما يجعل أي اتفاق لتأمين الغاز أو المشتقات النفطية خطوة ضرورية لكنها غير كافية بمفردها لمعالجة الأزمة المركبة.
ضمن هذا السياق، تنص مذكرة التفاهم الأولى بين القاهرة ودمشق على الاستفادة من البنية التحتية المصرية القائمة، سواء عبر سفن إعادة تغييز الغاز الطبيعي المسال أو شبكات نقل الغاز، بما يسمح بإيصال الغاز إلى سوريا لدعم محطات توليد الكهرباء. أما المذكرة الثانية، فتركّز على تلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية، في ظل محدودية الإنتاج المحلي وتضرر المصافي وخطوط الإمداد خلال سنوات النزاع.
ويأتي هذا التعاون بعد يوم واحد فقط من توقيع مصر مذكرة تفاهم مع “قطر للطاقة” لاستيراد ما يصل إلى 24 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال الصيف المقبل، في محاولة لتغطية الطلب المتزايد محليًا، ما يعكس حجم الضغوط التي يواجهها قطاع الطاقة المصري نفسه.
بدائل محدودة من الجانب السوري
كما يتزامن الاتفاق مع مصادقة إسرائيل في منتصف أيلول/ديسمبر الماضي على تعديلات اتفاق تصدير الغاز إلى مصر، في صفقة وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ إسرائيل بقيمة تجاوزت 34.6 مليار دولار، وهو ما يبرز تشابك مسارات الغاز في شرق المتوسط.
من الجانب السوري، لا يُنظر إلى الاتفاق مع مصر بمعزل عن تحركات أخرى لتأمين مصادر بديلة للطاقة، حيث تبدو هذه الاتفاقيات بمثابة طوق نجاة لقطاع استنزفته سنوات الحرب، فرغم تحسن إمدادات الطاقة مؤخرًا بفضل وصول كميات من الغاز عبر أذربيجان وقطر، ومن خلال التفاهمات مع تركيا لاستيراد ملياري متر مكعب سنويًا، إلا أن الاعتماد على الخبرة المصرية يمثل تحولًا نوعيًا نظرًا لوحدة اللغة والتقارب الجغرافي وتوافق الأنظمة الفنية.
— Ministry of Petroleum & Mineral Resources – Egypt (@MOPEgypt) January 5, 2026
وخلال لقاء وزير البترول المصري كريم بدوي بنائب وزير الطاقة السوري لشؤون النفط غياث دياب، أكد الجانب المصري أن التعاون لا يقتصر على التوريد، بل يشمل أيضًا تأهيل البنية التحتية للغاز والبترول في سوريا، وهو ملف بالغ الحساسية نظرًا إلى حجم الدمار الذي طال الشبكات ومحطات التوليد وخطوط النقل.
كما شددت القاهرة على استعدادها لتقديم خبراتها الفنية، انطلاقًا من رؤيتها لنفسها كمركز لوجيستي إقليمي لتداول الطاقة بمختلف أنواعها، الأحفورية وغير الأحفورية.
ربط كهربائي وطموح إقليمي أوسع
في موازاة ذلك، تتحرك مصر لتعزيز مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي، إذ تخطط لتصدير الكهرباء إلى العراق وسوريا ولبنان عبر كابل بحري جديد مع الأردن بقدرة أولية تصل إلى 2000 ميغاواط.
وأشار رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي إلى مناقشة توسيع الربط الكهربائي مع الأردن ليشمل دولًا أخرى، ما يفتح الباب أمام دور مصري أوسع في إعادة تشكيل خريطة الطاقة في المشرق العربي.
وقد أكدت وزارة الطاقة السورية من جانبها أن هذه الخطوة تأتي في إطار تطوير علاقات التعاون العربي المشترك، مشددة على أهمية الاستفادة من الإمكانيات اللوجستية المصرية لدعم إنتاج الطاقة الكهربائية وتلبية احتياجات قطاع المشتقات النفطية، بما يضمن تقليص فجوة العجز التي أرهقت الميزانية السورية وعطلت قطاعات الإنتاج لسنوات طويلة، لتظل مصر بذلك الرقم الصعب في معادلة الطاقة الإقليمية، والقادرة على تحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص للتعاون والبناء العابر للحدود.
ووفق وكالة “رويترز للأنباء”، فإن سوريا لا تنتج حاليًا سوى جزء يسير من الكهرباء التي تحتاجها بسبب الدمار الواسع للبنية التحتية خلال الحرب، رغم تحسن الإمدادات نسبيًا في الأشهر الأخيرة بفضل واردات الغاز من أذربيجان وقطر.
Loading ads...
وبين هذه المساعي المتعددة، يبقى ملف الطاقة السوري مرهونًا بقدرة دمشق على تحويل الاتفاقات الإطارية إلى تدفقات فعلية ومستدامة، في اقتصاد أنهكته سنوات طويلة من النزاع والعقوبات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

