منذ أكثر من شهر تتالت الأخبار الواردة من وزارات سيادية بدعوة المنتسبين السابقين إليها، الذين انشقوا عن نظام المخلوع بشار الأسد، إلى التواصل معها تمهيداً لتنظيم إجراءات العودة.
كانت قد سبقت ذلك موجات إعادة موظفين عاديين إلى العمل بعد أن فُصلوا بسبب مشاركتهم في الثورة واتهامهم بقضايا الإرهاب، لكن الموجة الجديدة شملت أشخاصاً نوعيين، ككبار الضباط في الجيش والشرطة والسفراء والقناصل.
ويوحي تزامن هذه الدعوات بأن وراءها قراراً مركزياً لا بسبب انتهاء هذه الوزارات، الدفاع والداخلية والخارجية، من ترتيب أوراقها وأولويات عملها.
والحق أن السلطة الجديدة قلما استسلمت لوضعها في زاوية، بخلاف طريقة "الأسد" الابن الذي اتسم بالتعنت والصلف..
ولا يبعد أن يكون هذا التوجيه متصلاً بطلبات خارجية لطالما نبّهت الحكومة الحالية إلى ضرورة تمثيل المكونات تمثيلاً حقيقياً وإلى عدم إغفال المنشقين في مختلف القطاعات.
والحق أن السلطة الجديدة قلما استسلمت لوضعها في زاوية، بخلاف طريقة "الأسد" الابن الذي اتسم بالتعنت والصلف، فبما وُصفت به من "براغماتية" بحثت دوماً عن حل ثالث بين الخيارين الحديين المطروحين.
ومن ذلك أنها لم تستجب للدعوات، التي ظهرت منذ الأيام الأولى للتحرير، لاستدعاء المنشقين على الفور ليتولوا أمر المؤسسات التي يعرفونها جيداً، متذرعة بأن المرحلة حرجة لا تحتمل التجريب، بل تتطلب فريقاً منسجماً بالأصل، عمل سوية طويلاً، وأن مشاركة الآخرين قادمة بمجرد أن تعبر البلاد عنق الزجاجة الخطر.
وخلال ما بات يقرب من سنة على ذلك أخذت السلطة وقتها لتعيّن كبار الضباط في الجيش والاستخبارات وجهاز الأمن الداخلي من الموثوقين لديها وحلفائها، وتسلّم رئاسة المديريات في وزارة الخارجية لأمثالهم أو لموالين جدد.
وبعد أن استكملت تأثيث الطاقم البشري لهذه الوزارات الهامة، وسواها، صارت جاهزة للقول بأنها لا تسير في طريق الاستئثار بل ترحّب بالمنشقين، فعيّنتهم في القوات المسلحة بمهام مستشار ومعاون ونائب مثلاً، بشكل لا يستطيعون معه التأثير على مجريات الأمور في المؤسسة.
أما الدبلوماسيون المنشقون فقد استُقبلوا باحتفال وأهازيج تهدف إلى تطييب خواطرهم بسبب عدم الاستجابة لدعواتهم لوضع أنفسهم تحت تصرف الوزارة خلال الأشهر الطويلة الماضية.
وقيل لهم أن يرجعوا إلى بلاد لجوئهم، ومعظمهم في أوربا، فيدرسوا المكان الذي يرغبون في الخدمة فيه ويطلبوه وينتظروا الإجابة.
وبذلك تملك الحكومة أدلة متعينة، بالجداول والأسماء والصور، على أنها لم تهمل من انحازوا إلى الثورة منذ بدايتها، وخاطروا بأرواحهم ومصالحهم وربما بأسَرهم، لكن من دون أن تمنحهم شراكة حقيقية!
بالمقابل اضطرت السلطة، لا سيما في أيامها الأولى في دمشق، إلى الإبقاء على بعض كبار الموظفين ومتوسطيهم، بل واستدعائهم أحياناً، كي يديروا مفاصل حساسة لا يعرف القادمون الجدد آليات عملها.
وقد أثار كل تسريب عن هؤلاء زوبعة من الغضب الثوري، تضافر مع أخبار المصالحات المالية مع بعض رجال أعمال النظام، ليرسم مشهداً مشوشاً عن المعايير المعتمدة وعن مبررات هذه الحالات.
وفي حين التزم البعض بمبدأ "السمع والطاعة"، سواء أكان من المبايعين الفعليين أو الطوعيين للحكم؛ اتهمه آخرون بأنه لم ينس الماضي القريب، حين كانت "هيئة تحرير الشام"، التي حكمت إدلب على خلاف مع التيار الثوري في شمالي حلب وفي الخارج.
وأنها، حين تستعين ببقايا من أطلال النظام السابق، تعرف أنهم شخصيات مذعورة بلا شعبية ولا مستقبل، يمكن استخدامهم ورميهم بسهولة، أما من راكموا، خلال السنوات الماضية، ما يكفي من المصداقية؛ فربما يشكلون خطراً رمزياً ما، خاصة إذا أرادوا التدقيق الصارم وحملوا السلّم بالعرض كما تعودوا في أثناء سنوات العيش في "المحرّر".
فقد شق حافظ الأسد آليات التلاعب فيه بعدما تمرّس في تقديم واجهة تعددية لحكمه لا تخلو من حضور أي من المكونات الدينية والعرقية والمناطقية..
ويزيد من حدة ذلك ما يلاحظه الفاعلون في تلك المناطق من تكليف سواهم بإدارتها، واستبعادهم أو تكليفهم بمهام إدارية صغيرة وإعلامية محلية تلبي رغبتهم في العمل، وحاجتهم إليه، وتستهلك طاقتهم من دون أثر يذكر.
أما الملف الشقيق المتعلق بتمثيل المكونات، أي الطوائف والقوميات، في الوزارات والجيش؛ فقد شق حافظ الأسد آليات التلاعب فيه بعدما تمرّس في تقديم واجهة تعددية لحكمه لا تخلو من حضور أي من المكونات الدينية والعرقية والمناطقية، ولكن باختيار شخصيات لا تملك صفة تمثيلية، لذلك، ولأسباب عدة، تكرر التصريحات الغربية كل مرّة وصف التعددية المطلوبة بأن تكون "حقيقية".
والواقع أن هذه المسألة تسير في مسارين غير متسقين، ففي حين يصرّ عليها الخارج، بصبر طويل يشبه التغاضي أحياناً؛ فمن المؤسف أنها أصبحت مطالب فئوية في الداخل، ينادي بها من يشعرون بأنهم قيد التهميش والاضطهاد أو من يخشون منهما، في حين يتجاهلها من يروق له حكم جماعته للبلاد والعباد.
Loading ads...
وذلك على الرغم من أن تمييزاً سابقاً، لم يُنس بعد، كلّف سوريا أعداداً هائلة من الضحايا وقدراً ضخماً من الدمار الذي تتلفت حولها اليوم في كل اتجاه باحثة عن سبيل الخلاص العسير من آثاره والبدء بطريق طويل وشاق لإعادة الإعمار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


