8 أشهر
"الطاقة" تبرر رفع تعرفة الكهرباء.. هل تكفي زيادة الأسعار لإنقاذ الشبكة السورية؟
الخميس، 6 نوفمبر 2025

جاء إعلان وزارة الطاقة السورية عن تعديل تسعيرة الكهرباء في توقيت الحساسية خاصة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، إذ تزامن القرار مع اتساع الفجوة بين القدرة الإنتاجية المحدودة للقطاع وبين الطلب المتزايد على الطاقة في البلاد.
وفي هذا السياق، قدم مدير الإعلام في الوزارة، عبد الحميد سلات، رواية رسمية تسعى إلى تبرير الخطوة باعتبارها ضرورة إصلاحية لا غنى عنها، وليست إجراءً ماليًا يستهدف زيادة الإيرادات أو تحميل المواطنين أعباء إضافية.
خسائر متراكمة وضرورة إعادة توجيه الدعم
وفق تصريحات سلات، فإن قرار رفع الأسعار جاء لتأمين مصادر تمويل مستدامة تسمح بإبقاء الخدمة قائمة ومنع انهيار المنظومة الكهربائية بالكامل، في ظل خسائر سنوية قال إنها تقارب مليار دولار ناتجة عن الدعم غير الموجه وتراجع البنية التحتية وفاقد الشبكة الذي يبتلع جزءًا كبيرًا من الإنتاج المتاح، وفقًا لـ”نورث برس”.
ويبدو هذا التوجه جزءًا من إعادة صياغة المنظور الحكومي تجاه الدعم، إذ تسعى الحكومة – بحسب سلات – إلى توجيه الدعم إلى الشرائح التي تحتاجه فعلًا، بعد سنوات كان فيها الاستهلاك العالي يستفيد من أسعار مدعومة لا تعكس الكلفة الحقيقية لإنتاج الطاقة ونقلها، فيعكس هذا الطرح محاولة لتبرير الزيادة عبر الإيحاء بأن الفئات ذات الدخل المحدود ستبقى ضمن نطاق الحماية، وأن رسومها لن ترتفع بما يؤدي إلى تأثيرات معيشية قاسية، رغم أن الخبراء الاقتصاديين يشيرون عادة إلى أن أي تعديل في تعرفة الكهرباء ينعكس لاحقًا على أسعار السلع والخدمات المرتبطة بالطاقة.
ورغم الانتقادات التي طالت القرار بسبب استمرار الانقطاعات الطويلة التي تصل في بعض المناطق إلى أكثر من 20 ساعة يوميًا، فإن المسؤول في وزارة الطاقة يُرجع تردي التغذية الكهربائية إلى “سنوات من الضغط على المنظومة”، ما يعني أن المشكلة ليست آنية بل تراكمية، ناجمة عن ضعف الصيانة وتراجع إنتاج المحطات، إلى جانب نقص الوقود واستنزاف البنية التحتية في ظل الحرب والعقوبات ونقص الاستثمارات.
منظومة منهكة
وفق المعطيات التي قدمها سلات، فإن الإنتاج الحالي لا يتجاوز 2200 ميغاواط، بينما تصل القدرة التشغيلية المطلوبة إلى نحو 5000 ميغاواط، لكن هذه القدرة غير قابلة للاستثمار فعليًا بسبب تهالك الشبكات وعدم جاهزية المحطات للعمل بكفاءتها القصوى.
تؤكد الوزارة أن رفع التسعيرة ليس هدفه الجباية بقدر ما هو رافعة لتمويل خطة إصلاحية تمتد على مراحل، وتشمل صيانة وتأهيل محطات التوليد، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتخفيض الفاقد الفني والتجاري، وتركيب عدادات ذكية تسمح بضبط الاستهلاك بدقة وتقليل الهدر.
ويشير إلى أن التحسن سيكون تراكميًا وملموسًا بمجرد بدء تنفيذ الخطة وتوفير التمويل اللازم لها، ما يفترض أن المواطن سيدفع اليوم مقابل تحسن فعلي في التغذية خلال الأشهر القادمة، لا مجرد ارتفاع في الفاتورة.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
تحدي الموازنة بين الإصلاح والمعيشة
تتوقف قدرة الحكومة على تنفيذ هذه الخطط على عوامل معقدة، منها توفر التمويل الخارجي، وضمان وصول الوقود اللازم لتشغيل المحطات، ووجود بيئة استثمارية مواتية لجذب شركات الطاقة المتخصصة، وهي شروط لا تزال بعيدة المنال في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الراهنة.
كما أن تركيب العدادات الذكية يتطلب بنى رقمية مكلفة وأجهزة استشعار وشبكات اتصال مستقرة، وهو ما قد يستغرق سنوات قبل الوصول إلى نتائج ملموسة.
في الوقت نفسه، لا يمكن إغفال صعوبة الموازنة بين الإصلاح الاقتصادي وحماية الشرائح الفقيرة، فحتى مع الإبقاء على دعم محدود للشرائح منخفضة الاستهلاك، فإن أي زيادة في أسعار الكهرباء ستنعكس على تكاليف الإنتاج الصناعي والخدمي، وهو ما قد يفاقم الضغوط المعيشية على الأسر التي تعاني أصلًا من معدلات تضخم مرتفعة وتآكل القدرة الشرائية.
حماية المستهلك
من هنا، تبدو الحكومة مطالبة بتقديم خطوات موازية لحماية المستهلكين، سواء عبر ضبط أسعار السلع الأساسية أو توفير برامج دعم نقدي موجه للفئات الأكثر هشاشة.
رغم أن المسؤول في وزارة الطاقة يشدد على أن مصلحة المواطن هي الأساس، وأن القرار يأتي في إطار مسار إصلاحي لضمان استدامة الكهرباء وتحسينها، إلا أن الثقة العامة بهذا النوع من الوعود تبقى مرهونة بقدرة الحكومة على تحقيق تحسن فعلي في ساعات التغذية خلال وقت معقول، وإثبات أن رفع الأسعار ليس مجرد محاولة لسد جزء من العجز المالي على حساب المواطنين، بل خطوة ضرورية لتعافي قطاع حيوي يمثل شرطًا أساسيًا لأي نمو اقتصادي أو استقرار اجتماعي في سوريا.
وتعلق الأكاديمية والخبيرة الاقتصادية رشا سيروب، في تصريح عبر منشور لها على موقع فيسبوك، إن خطوة رفع أسعار الكهرباء تفرض على الحكومة، ولا سيما وزارة المالية، تقديم إيضاحات دقيقة للرأي العام حول الآثار المتوقعة لهذا القرار على المالية العامة ومستوى معيشة المواطنين وتنافسية الاقتصاد، وبخاصة القطاع الصناعي الذي يعتمد بشكل مباشر على استقرار تكاليف الطاقة.
ضرورة الشفافية
أكدت سيروب أن أي تعديل في التعرفة سيكشف أثره الحقيقي على معدلات التضخم خلال فترة قصيرة، الأمر الذي يتطلب عرضًا شفافًا بالأرقام والبيانات لا الاكتفاء بعبارات عامة.
وأضافت سيروب، بصفتها مواطنة تتطلع إلى “سوريا جديدة تُقاس بالأفعال لا بالأقوال”، أن من حق المواطنين أن يعرفوا الأسس التي استندت إليها الحكومة في اتخاذ هذا القرار، وأن تكون الدراسات التي بُني عليها معلنة ومتاحة، بما يتجاوز مجرد حسابات التكلفة المباشرة، لتشمل التحليل الشامل للأثر الاقتصادي والاجتماعي.
وأشارت إلى أن السوريين أنهكهم لسنوات طويلة الخطاب الرسمي الذي يغلب عليه الطابع الإنشائي ويخلو من الأرقام الدقيقة، معتبرة أن استمرار هذا النمط لم يعد مقبولًا في ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد والضغوط المتزايدة على الأسر.
الحد من التداعيات السلبية للقرار
شددت الخبيرة الاقتصادية على أن الشفافية ليست مطلبًا سياسيًا أو إعلاميًا فحسب، بل عنصرًا جوهريًا في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وأحد أهم شروط الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
رأت أن مصارحة المواطنين بحقائق الوضع المالي وأسباب اتخاذ القرارات الصعبة تساعد السلطة التنفيذية على كسب تفهم أكبر والتجاوب معها بصورة إيجابية، ما يسهل تنفيذ السياسات الإصلاحية ويحد من تداعياتها السلبية.
الأكاديمية والخبيرة الاقتصادية رشا سيروب
Loading ads...
وختمت بالإشارة إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا يعتمد على البيانات والتحليل العلمي، كي يشعر المواطن بأن القرارات التي تمسّ حياته اليومية تستند إلى رؤية واقعية ومسؤولة لا إلى مقاربات ارتجالية أو معالجات آنية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

