Loading ads...
د. عبدالعظيم حنفي*مع استعداد الصين لإطلاق اليوان الرقمي على نطاق واسع داخلياً يتركز جزء كبير من النقاش العام حول تقنيته، وتداعياته على المراقبة، أو فكرة أنه يمثل محاولة لإزاحة الدولار عن عرشه.وترى تحليلات أن هذه التأطيرات تغفل تطوراً أكثر دقة، وربما أكثر أهمية، ف«اليوان الرقمي» يشير إلى نموذج يمكن فيه للعملة أن تنتشر دولياً دون أن تصبح متاحة للاستثمار الحر أو متداولة على نطاق واسع كأصل مالي، مع ضرورة الإقرار بأن التوجه الصيني ليس منفرداً فهناك العديد من الأسباب التي تجعل حكومات الدول في جميع أنحاء العالم تقوم بتسريع الاستعدادات من أجل إدخال العملة الرقمية للبنك المركزي، حيث تتكلف عملية إصدار العملات الرقمية وتداولها وإدارتها أقل بكثير من العملات التقليدية. أيضاً، يمكن للحكومات إدراك تدفق الأموال من خلال الكميات الهائلة من البيانات، وبالتالي يمكن لها إدارتها بسهولة أكبر واكتشاف أي أنشطة غير قانونية، مثل غسيل الأموال أو التهرب الضريبي، كما حذرت حكومات وبنوك مركزية من مخاطر سوق العملات المشفرة التي استقطبت قدراً هائلاً من الأموال بينما لا تنتج أي قيمة مضافة، ولا يعتبر تداول العملات المشفرة استثماراً.لقد شكل إطلاق اليوان الرقمي توجساً كبيراً في بعض الدوائر المالية الأمريكية، لأن انطلاق اليوان الرقمي يجيء في ظل توجُّس العالم من الدولار الذي جسدته تقارير اقتصادية دولية، مثل إقرار صندوق النقد الدولي في تقريره عام 2024 من «أن هناك» تدهوراً تدريجياً في حصة الدولار من مخصصات احتياطيات النقد الأجنبي للبنوك والحكومات، حيث شكَّل الدولار أكثر من 70% من الاحتياطيات في عام 2000 لكن هذه النسبة انحسرت إلى أقل من 60%، عام 2023 وتحولت البنوك المركزية إلى الاحتفاظ بالمزيد من الذهب والمزيد من «العملات غير التقليدية» مثل الرينمينبي الصيني، بحسب الصندوق كما، نشير إلى تقرير معهد بروكنجز في العام الماضي الذي أشار إلى ثلاثة تحديات لهيمنة الدولار:أولاً، إفراط الولايات المتحدة في استخدام العقوبات الاقتصادية لأكثر من عقد وهذا ما جعل المعاملات بالدولار أكثر تعقيداً، ثانياً، تفاقم مشاكل الدين والعجز الأمريكيين، الأمر الذي يضعف القدرة الائتمانية للولايات المتحدة في الأجل الطويل، ثالثاً ابتداع التقنية المالية طرقاً جديدة وسريعة لتسوية المعاملات خارج سوق الدولار، فقد ظلت الصين تدفع بعملتها الرقمية الخاصة بها في تسوية المعاملات عبر الحدود، بل وتتحدث تقارير غربية عن إن بنك الصين أنشأ آلية مدفوعات باليوان الرقمي مع 10 بلدان جنوب شرق آسيوية و6 بلدان شرق أوسطية تمكنها نظرياً من الالتفاف حول نظام «سويفت» الذي تقوده الولايات المتحدة. وترى تحليلات غربية أن السؤال المهم ليس ما إذا كان اليوان الإلكتروني سيحل محل الدولار، بل ما إذا كان بإمكان الصين تدويل استخدام عملتها دون تدويل ملكية أصولها المالية، وماذا يعني ذلك للنظام النقدي العالمي.البعد الجديد لليوان الرقمي: تدويل دون قابلية التحويلمن خلال مبادرة دولية تُعرف باسم mBridge (جسر العملات الرقمية للبنوك المركزية المتعددة) هنا يبدأ اليوان الإلكتروني بالتداخل مع التمويل العالمي والعقوبات والنفوذ النقدي.وهنا تركز تحليلات على إحدى مميزات الدولار وهي عدم اقتصار هيمنته على مجرد فوترة التجارة، بل دوره المحوري في أكثر أنظمة الأصول سيولة في العالم، وإلى قدرة الولايات المتحدة على توفير أصول آمنة على نطاق واسع، ومن هذا المنظور، يقولون: إنه تبدو الصين وكأنها تواجه معضلة. فلكي تجعل الرنمينبي عملة دولية بالكامل، ستحتاج إلى تحرير نظامها المالي. وللحفاظ على الاستقرار الداخلي، ستحتاج إلى الإبقاء على ضوابط حساب رأس المال لسنوات، وترى تلك التحليلات أن هذين الهدفين يبدوان متعارضين، مُبرزةً التوترات بين الانفتاح والرقابة، حيث يشير اليوان الرقمي إلى مسار مختلف، لا تسعى الصين فيه إلى تشجيع الأجانب على الاحتفاظ ب«الرنمينبي» كاستثمار، بل تُسهّل على الشركات والبنوك استخدام العملة لأغراض مُحددة، لا سيما تسوية المعاملات التجارية، مع فرض قيود صارمة على حجم ومدة الاحتفاظ بها، والنتيجة هي قطيعة واضحة مع تدويل العملات التقليدي، قد لا يؤدي ذلك إلى اكتسابها مكانة عملة احتياطية، لكنها ستظل قادرة على اكتساب ثقل جيوسياسي من خلال تقليل الاعتماد على البنية التحتية النقدية القائمة. والنتيجة ليست عملة عالمية بالكامل، بل شيء أضيق نطاقاً وأكثر تحديداً: ممر نقدي تتدفق من خلاله التجارة والمدفوعات مع اعتماد أقل على الأنظمة القائمة على الدولار، ومن خلال دمجه في شبكة تسوية تعمل خارج نطاق النظام المالي للدولار، يُصبح اليوان الإلكتروني أداةً أكثر استراتيجية، مع بقائه ضمن إطار الرقابة على رأس المال في الصين، مما يمنح بكين فرصة جديدة لتحقيق هدفها طويل الأجل المتمثل في إعادة تشكيل النظام النقدي العالمي المتمركز حول الولايات المتحدة.وفي ختام تلك التحليلات نصل إلى أن اليوان الرقمي لن يُزيح الدولار عن عرش العملة الاحتياطية العالمية في أي وقت قريب، فهيمنة الدولار تستند إلى أسواق رأس مال عميقة، ووفرة الأصول الآمنة، وأسس قانونية ومؤسسية متينة، ويمثل اليوان الرقمي نموذجاً مختلفاً للتأثير النقدي، يسعى إلى تدويل الاستخدام بدلاً من التملك، وبناء البنية التحتية بدلاً من الانفتاح، وإنشاء ممرات بدلاً من الهيمنة العالمية، ومن خلال خيارات التصميم، بما في ذلك الأرصدة ذات الفائدة، قد يسمح أيضاً بالاحتفاظ بالسيولة دولياً دون التخلي عن السيطرة على حساب رأس المال.لذا، فإن أهم الأسئلة الهيكلية، هل ستتوسع منصات مثل mBridge لتصبح ممرات تجارية فعّالة؟ هل سيجعل تصميم اليوان الرقمي الأرصدة العابرة للحدود أكثر استدامة؟ هل ستقبل الدول هياكل تسوية لا تُحدد قواعدها بشكل أساسي في الغرب؟إذا كان الأمر كذلك، فلن يصبح النظام النقدي الدولي نظاماً ما بعد الدولار، بل سيصبح نظاماً من المجالات النقدية المتداخلة، وخيارات استراتيجية أوسع، في عالم كهذا، قد لا يكون السؤال الحاسم هو العملة المتداولة عالمياً، بل الأنظمة التي يُسمح للعالم باستخدامها. * أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






