43 دقائق
من همدان إلى سمنان... كيف تتحوّل خلافات محدودة بين إيرانيين وعراقيين إلى توتر اجتماعي؟ - رصيف22
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

لم تكن العلاقة بين الإيرانيين والعراقيين يوماً مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين؛ فهي نتاج قرون من التداخل الجغرافي والديني والاجتماعي، وهي في الوقت نفسه تحمل في طيّاتها آثار الحرب والقطيعة، وكذلك التعاون. لذلك، قد لا ينحصر الاحتكاك بين مواطني البلدين في بعض الأحيان في شخوص المنخرطين فيه مع إمكانية استدعاء حساسيات تاريخية وهوياتية وسياسية أوسع.
وخلال العامين الأخيرين، شهدت إيران عدداً من الاحتكاكات التي وصلت أحياناً إلى اشتباكات بين مواطنين عراقيين من جهة ومواطنين إيرانيين من جهة أخرى. وفي همدان وجيلان وسمنان، تحوّلت هذه الوقائع من خلافات محدودة إلى قضايا تُناقش باهتمام على الصعيد الإعلامي والرسمي والدبلوماسي. أي أن اللافت ليس وقوع الخلافات بحد ذاته، وإنما في تحوّلها من حوادث فردية إلى مسألة تتجاوز أطرافها المباشرين.
ومن التساؤلات التي أثارها تكرار تصعيد مثل هذه الخلافات: هل تعكس تصاعداً في التوتر بين الإيرانيين والعراقيين؟ أو أن هناك تضخيماً في تصويرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي كي تبدو نسقاً أو ظاهرة لا حوادث فردية؟ وما الذي يجعل خلافاً محدوداً يتحوّل إلى قضية تمسّ العلاقة بين مجتمعين تجمعهما روابط عميقة؟ وهو ما نسعى في هذا التقرير إلى الإجابة عنه.
خلال الشهور الماضية، تكرّرت المشادات بين مواطنين عراقيين وإيرانيين بشكل لافت. البداية كانت في همدان في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، شهدت جامعة بوعلي سينا في همدان احتجاجات وتجمعات على خلفية اتهامات وُجّهت إلى عدد من الطلبة العراقيين بشأن سلوكهم تجاه "طالبات إيرانيات"، في ظل اتهامهم بالتحرّش بهن جنسياً.
ويدرس في إيران في الجامعات الحكومية ما لا يقل عن 50 ألف طالب عراقي حالياً، وفق تصريح وزير العلوم الإيراني حسين سيماي. علماً أن السفير العراقي الحالي لدى طهران، ياسر عبد الزهراء الحجاج، صرّح، بوجود نحو 100 ألف طالب عراقي في الجامعات الإيرانية.
وفي آب/ أغسطس 2026، شهدت محافظة جيلان اشتباك عدد من المواطنين الإيرانيين ومواطنين عراقيين كانوا موجودين في أحد المطاعم، قبل أن تنتشر مقاطع مصوَّرة للحادثة على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي. أظهرت الواقعة أن الاحتكاكات بين الطرفين لا تقتصر على البيئة الجامعية، وإنما قد تظهر أيضاً في الأماكن العامة، وتشمل الزوار والسياح والمقيمين العراقيين في البلاد.
مع ذلك، تبقى حادثة سمنان الأكثر حضوراً خلال هذا النقاش في الفترة الأخيرة، نظراً إلى اتساع التغطية الإعلامية لها، ودخول الأجهزة القضائية الإيرانية على خط القضية، فضلاً عن المتابعة الرسمية من السفارة العراقية ووزارة الخارجية العراقية.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى أيلول/ سبتمبر 2026، اندلعت مواجهة في محيط مقر إقامة عدد من الطلبة العراقيين في جامعة سمنان. وعلى الرغم من اختلاف الروايات المتداولة بشأن ملابسات الحادثة وكيفية اندلاعها، فإن الواقعة وما رافقها من تحركات رسمية إيرانية وعراقية حوّلاها سريعاً إلى قضية تجاوزت حدود الخلاف المحلي.
ووفق رواية تداولتها وسائل إعلام عراقية، نقلاً عن طلبة عراقيين، بدأت الحادثة عندما دخل إيرانيان "في حالة سكر" إلى مقر إقامة الطلبة، قبل أن تتطوّر المشادة إلى تجمع أكبر في محيط السكن. وبحسب الرواية نفسها، ارتفع عدد المتجمعين إلى نحو 150 شخصاً، قبل أن تتطوّر الأحداث إلى مواجهة أسفرت عن إصابة عدد من الطلبة وإلحاق أضرار مادية بالمبنى، من بينها تكسير بعض نوافذه.
كما تحدثت وسائل إعلام عراقية عن الاستيلاء على ممتلكات شخصية للطلبة، بينها مبالغ مالية وهواتف محمولة وساعات خلال الحادثة. إلا أن تفاصيل الواقعة ظلّت موضع روايات متباينة لم يتسنَّ لرصيف22 التحقّق منها.
ولم تقتصر تداعيات حادثة سمنان على الجانب الأمني والقضائي حيث أعلن رئيس دائرة القضاء في محافظة سمنان الإيرانية محمد صادق أكبري التعرّف إلى اثنين من المعتدين على سكن الطلاب العراقيين، واستدعائهما للتحقيق ومواصلة محاولات التعرّف إلى بقية المعتدين. واكتسبت الحادثة بعداً دبلوماسياً حيث تحرّكت السفارة العراقية في طهران والملحقية الثقافية لمتابعة أوضاع الطلبة والوقوف على ملابسات الحادثة.
كما أعلنت وزارة الخارجية العراقية، في 7 أيلول/ سبتمبر 2026، إيفاد لجنة إلى محافظة سمنان لمتابعة حادثة الاعتداء على الطلبة العراقيين، مؤكدةً أهمية توفير الظروف التي تضمن أمن وسلامة المواطنين العراقيين في إيران، ومثمّنة الإجراءات التي اتخذتها السلطات الإيرانية لحماية الطلبة. وفي إطار احتواء تداعيات الحادثة، نُقل الطلبة إلى الجامعة لأداء امتحاناتهم، كما أُعلن عن منحهم إجازة مؤقتة بهدف ضمان سلامتهم وتهدئة الأوضاع. علماً أن 5600 طالب عراقي يدرسون في جامعة سمنان وحدها، وفق الحجاج.
وعليه، تبقى حادثة سمنان الحادثة الأبرز في سلسلة من الحوادث المتفرقة التي اشتبك فيها إيرانيون مع عراقيين حديثاً، من حيث التغطية الإعلامية والانتشار الواسع، وتعقيد ملابسات الحادثة، وتعدّد الجهات والمؤسسات والوزارات التي تدخلت في التعامل معها.
في أي شأن مرتبط بإيران والعراق، غالباً لا تكمن المسألة في وقوع خلاف بين أفراد بحد ذاته، لأن مثل هذه الخلافات تحدث في كل المجتمعات. لكن الظروف أحياناً قد تجعل حادثاً محدوداً يكتسب دلالات تتجاوز أطرافه المباشرين. وفي حالة خلافات المواطنين العراقيين، تحديداً في داخل الأراضي الإيرانية، تتداخل الذاكرة التاريخية والحساسيات الهوياتية، وكذلك الضغوط الاقتصادية، كما تضطلع مواقع التواصل الاجتماعي بدور لا يمكن تجاهله في إنتاج هذا النوع من التوتر.
ولم يبدأ الخلاف بين الإيرانيين والعراقيين حديثاً بل هي خلافات بدأت بحربين في زمن الميديين في إيران والآشوريين في العراق، تبادلا فيها هزيمة الآخر، وصولاً إلى واقع أكثر تعقيداً اليوم بفعل العديد من العوامل.
يأتي في مقدمة هذه العوامل الإرث التاريخي والصورة الذهنية المتغيرة عن العراقيين في المجتمع الإيراني، لا سيّما وأن العلاقات الإيرانية العراقية مرّت خلال العقود الماضية بمراحل شديدة التعقيد، امتزجت فيها الحرب بالتعاون، والهجرة بالعلاقات الدينية والاجتماعية. لذلك، لا ينبغي الاعتقاد أن النظرة إلى "العراقي" في الوعي الإيراني ثابتة أو واحدة، وإنما تتأثّر بالظروف السياسية والأمنية والاجتماعية المحيطة بالعلاقة بين البلدين.
وبعد سقوط نظام صدام حسين، شهدت العلاقات الإيرانية العراقية تحوّلاً مهماً، ولا سيما مع توسّع العلاقات الدينية وازدياد حركة الزوار العراقيين إلى إيران، إلى جانب تنامي التبادل التجاري والتعليمي والاجتماعي. وأسهم ذلك في أن أصبح وجود العراقيين أمراً اعتيادياً في الحياة اليومية في إيران قبل أن تضيف التطوّرات السياسية والأمنية التي شهدها العراق والمنطقة إلى هذه الصورة طبقات سياسية وأمنية جديدة.
لكن، وعلى الصعيد الإيراني، على نحو خاص، لا تزال الحرب العراقية الإيرانية حاضرة، بدرجات متفاوتة، في الذاكرة الاجتماعية. فعلى الرغم من مرور قرابة أربعة عقود على انتهائها، تبقى تبعاتها البشرية والمادية حاضرة لدى كثير من الأسر الإيرانية، سواء من خلال فقدان أحد أفراد الأسرة أو إصابته أو مشاركته في الحرب. كما أن استمرار عرض الأفلام والمسلسلات والبرامج المرتبطة بالحرب وذكرياتها الأليمة، بما في ذلك بعض الأعمال الموجّهة إلى الأطفال، يسهم في إبقاء هذه الذاكرة حاضرة في المجال العام.
كذلك، يُثير عرض مثل هذه الأعمال الفنية، وخصوصاً الموجّهة منها إلى الأطفال، إلى تساؤلات عما قد تخلقه من التباس لدى الأجيال الشابة التي لا تعي التاريخ المشترك والممتد بين البلدين، إذ قد يجدون أنفسهم أمام سؤال: هل العراق اليوم دولة عدوّة، أم دولة صديقة وشريكة؟
وفي حين يحتفظ العديد من العراقيين بأفكار نمطية تكرّس مخاوفهم من تدخل إيران في شؤون بلدهم واحتمالات توريطها في صراعات إقليمية ودولية، وما يقابلها من تصوّرات سلبية باقية في نفوس العديد من الإيرانيين جراء الحرب والأفكار العنصرية ضد العرب لدى بعضهم، لا يعني ذلك أن هذه الذاكرة تنتج بصورة مباشرة مواقف سلبية تجاه العراقيين.
غير أنها قد تشكّل، في ظروف معينة، جزءاً من الخلفية النفسية التي تُقرأ من خلالها بعض الحوادث. ويذكر كاتب التقرير أن طالباً عراقياً كان يدرس في إحدى جامعات طهران، روى له أنه توجه، بعد انتهاء الامتحانات، برفقة ثلاثة من زملائه إلى شمال إيران، واستأجروا سيارة أجرة لهذا الغرض. وبحسب روايته، غضب السائق عندما علم أنهم عراقيون، وأخبرهم أن شقيقه قُتل في الحرب العراقية الإيرانية، وأنهم يتحمّلون المسؤولية عن ذلك. وأضاف الطالب أن السائق حاول قيادة السيارة باتجاه وادٍ، قبل أن يطلبوا منه التوقّف وإنزالهم، ثم استأجروا سيارة أخرى.
وفيما تبقى هذه الرواية حادثة فردية، تخص شخوصها، فإنها تكشف أن الإيرانيين حتى بعد مرور عقود على انتهاء الحرب، لم ينسوا ما حدث.
إلى جانب الذاكرة التاريخية، تبقى مسألة تداخل الهوية الوطنية مع التصوّرات السياسية والأمنية عاملاً حساساً. فالعراقيون الموجودون في إيران يمثّلون فئات متنوعة، ومنهم الطلبة والزوار والسياح والتجار، وغالبيتهم لا يرتبط وجودهم في إيران بأي نشاط سياسي أو أمني. لكن بعض الخطابات السياسية والإعلامية تصر على ربط حاملي الجنسية العراقية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بجماعات سياسية أو فصائل مسلَّحة أو قوى مرتبطة بما يُعرف بـ"محور المقاومة".
كما تبقى الحساسيات المرتبطة بالهوية العربية والفارسية حاضرة، ولو بصورة كامنة، في بعض النقاشات الشعبية والإعلامية. وتبرز قضية تسمية الخليج بوصفها أحد الملفات الحساسة إذ يتحوّل استخدام "الخليج العربي" أو "الخليج الفارسي" في مناسبات متكرّرة إلى قضية تمسّ الهوية والكرامة الوطنية. ومن الأمثلة الحديثة على هذا الجدل ما أثاره رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي بعد نشره خريطة استخدم فيها تسمية "الخليج العربي"، ردّاً على ما يبدو على خريطة نشرها رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف واستخدم فيها تسمية "الخليج الفارسي".
أثار ما فعله الحلبوسي موجة من الانتقادات وسجالاً طويلاً في الفضاء الرقمي والسياسي الإيرانيين. ورغم أن مثل هذا الخلاف يتصل أساساً بالمجال السياسي والرمزي، إلا أن خطورته تكمن في قدرته على التأثير الشعبي العميق في سياق الدفاع عن الهوية والإرث التاريخي والجغرافي، وهو ما حدث في هذا المثال.
وفي المقابل، توجد تصوّرات سلبية تجاه إيران داخل جزء من الرأي العام العراقي. فبحسب تقرير "الباروميتر العربي"، بلغت نسبة العراقيين الذين ينظرون بإيجابية إلى إيران 48% فقط في الاستطلاع الذي أُجري في خريف عام 2025، بزيادة تقارب 20 نقطة مئوية مقارنةً بالاستطلاع في الدورة السابقة. لكن هذه الزيادة كانت مدفوعة غالباً بالاعتقاد بأن إيران تعمل لصالح القضية الفلسطينية.
عامل آخر يمكن اعتباره مؤثِّراً في العلاقات بين الطرفين هي التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المجتمع الإيراني خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تراجع في القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة بفعل العقوبات الدولية وتصاعد التوتر مع الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها. وفي مثل هذه الظروف، قد يُنظر إلى حضور الأجانب - وهنا المقصود العراقيين سواء كانوا طلاباً أو مقيمين- باعتبارهم مصدر تهديد محتمل ومنافسين على الموارد والفرص المحدودة المتاحة، حتى عندما لا تكون هناك منافسة اقتصادية فعلية.
ازدادت هذه الحساسية مع تراجع قيمة الريال وارتفاع معدلات التضخّم. وفي هذا السياق، يمكن لمظاهر الإنفاق المرتفع التي ترتبط ببعض السياح العراقيين، أو مشاهدة سيارات عراقية باهظة الثمن في المدن الإيرانية، أن تتحوّل إلى مادة للمقارنة الاجتماعية، خصوصاً عندما تُقارن هذه المظاهر بالواقع المعيشي الذي يواجهه المواطن الإيراني. كما أن تداول مثل هذه الصور ومقاطع الفيديو في مواقع التواصل الاجتماعي من شأنه أن يثير احتقاناً أوسع وينمّي أفكاراً نمطية سلبية، بل والتحريض ضد عراقيين أحياناً.
منطق المقارنة الاجتماعية هذا حاضر أيضاً في بعض الأوساط الجامعية. فقد تناولت تقارير ونقاشات جامعية مسألة إقامة بعض الطلبة العراقيين حفلات استقبال كبيرة مع إنفاق ضخم لمناسبة مناقشة رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، أو تقديم هدايا إلى الأساتذة والمناقشين، في وقت يواجه فيه كثير من الطلبة الإيرانيين ضغوطاً مالية متزايدة.
هذه الحالات، وإن كانت قليلة، يمكن أن تعزّز الشعور بالفوارق الاقتصادية داخل البيئة الجامعية خصوصاً في ظل وجود تيار معارض لزيادة أعداد الطلاب العراقيين الذين يدرسون في الجامعات الإيرانية. لعل هذا ما دفع وزارة العلوم والبحوث والتكنولوجيا الإيرانية إلى إصدار تعميم دعت فيه الجامعات إلى تجنّب الفاعليات الترفيهية والضيافة الفاخرة وتقديم الهدايا خلال جلسات مناقشة الرسائل والأطروحات العلمية، بهدف "تجنّب تحميل الطلاب تكاليف غير ضرورية، وتفادياً للمنافسات غير الصحية في هذا الشأن".
وفي حين يعبّر إيرانيون عن استيائهم لتزايد عدد الطلاب العراقيين في الجامعات الإيرانية، لا تكمن المشكلة بالضرورة في ارتفاع الأعداد بقدر ما يمكن ربطها بقدرة الجامعات على مواكبة هذه الأعداد جنباً إلى جنب مع أعداد الطلاب الإيرانيين حيث يشكو البعض عدم مناسبة الإمكانات المتاحة في السكن والخدمات التعليمية والإدارية وغيرها مع أعداد الطلاب.
وفي هذا السياق، يحمّل القائم بأعمال الملحق الثقافي العراقي في طهران، حيدر نصار، في حديثه إلى رصيف22، إدارة جامعة سمنان المسؤولية الأساسية عن "هذه الفوضى" التي رافقت الأحداث الأخيرة، معتبراً أن "الجامعة استقبلت أعداداً من الطلبة الأجانب يفوق إمكاناتها بأضعاف مضاعفة من الناحية اللوجستية والأكاديمية والعلمية" وهو ما أدّى، في تقديره، إلى "تداعيات هذا العمل غير المدروس وصولاً إلى هذه النتائج المريرة".
فضلاً عما سبق، تضطلع مواقع التواصل الاجتماعي في بعض الأحيان بدور ملحوظ في تفاقم الأحداث. فهي وإن كانت لا تُنشئ مزيداً من الحوادث، إلا أنها تضاعف قدرة الحدث المحلي على الانتشار في المجال العام ومن ثمّ إلى مستويات أبعد وأوسع، بل وتحويل بعض الحوادث الفردية إلى قضية ذات بعد قومي كما حدث في جامعة سمنان إذ انتشرت روايات حول "اعتداء جنسي" وحدوث "هجوم منظّم" على الطلبة، بلا أي مصدر رسمي، الأمر الذي ساهم في زيادة الشحن والتفاعل حول الحادثة.
هنا، ينبغي الوضع في الاعتبار أنه لا يُنظر إلى المواطنين العراقيين دائماً بوصفهم "جيراناً وشعباً صديقاً" في جانب من الفضاء الإيراني، خصوصاً لدى معارض نظام الجمهورية الإسلامية، الذين يميلون إلى ربط بعض هؤلاء المواطنين بالحشد الشعبي أو بالقوى السياسية والعسكرية العراقية المرتبطة بعلاقات وثيقة مع النظام في إيران.
وفي حادثة همدان، اتهمت بعض التغطيات والاحتجاجات الطلبة العراقيين بوجود صلات لهم بالحشد الشعبي. وفي حادثة سمنان أيضاً، انتشرت عبر وسائل إعلام معارضة للنظام السياسي في إيران، من بينها "إيران إنترناشيونال"، ادعاءات حول وجود صلات بين بعض الطلبة العراقيين والحشد الشعبي أيضاً.
كما راجت في بعض وسائل الإعلام والفضاءات الإلكترونية المعارضة روايات غير موثوق بها تتحدّث عن مشاركة عناصر من الحشد الشعبي في مواجهة احتجاجات أو اضطرابات داخل إيران. وبغض النظر عن دقة هذه الروايات، فإن تداولها يمكن أن يعزّز لدى جزء من الجمهور الإيراني تصوّراً يربط بعض المواطنين العراقيين بهياكل أمنية أو عسكرية مرتبطة بإيران.
في هذا السياق، يشير حيدر نصار إلى "الشحن السلبي المقصود من أعداء البلدين الشقيقين، والذين كانوا يدفعون بالأمور إلى التصعيد والإثارة للإساءة إلى الروابط الوشيجة بين الشعبين".
ويظهر في السياق نفسه، خطاب متداول في أوساط بعض المستخدمين الإيرانيين يربط بين الأوضاع المعيشية الصعبة في إيران وبين إنفاق دولتهم على العراق، ولا سيّما الحشد الشعبي، ويذهب أحياناً إلى القول إن الحكومة الإيرانية تتحمل دفع رواتب عناصره. وفي حين يصعب التحقّق من دقة مثل هذه الروايات، إلا أن تأثيرها السلبي على النظرة لوجود العراقيين داخل إيران لا يمكن استبعاده.
في ضوء العوامل السالفة الذكر، يتصوّر معد هذا التقرير ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل التوترات الاجتماعية بين الإيرانيين والعراقيين داخل الأراضي الإيرانية، وهي:
يفترض هذا السيناريو انخفاض مستوى التوتر الاجتماعي، إلى جانب تحسن الإدارة الإعلامية والأمنية للحوادث. وفي هذه الحالة، يمكن أن تبقى الاحتكاكات بين الإيرانيين والمواطنين العراقيين في إطار حوادث فردية محدودة، من دون أن تتحوّل إلى نقاشات اجتماعية أوسع أو استدعاء الخلافات الهوياتية.
ويمكن في هذا السيناريو أن تلعب الاستجابة السريعة والشفافة، وتوفير المعلومات الموثوق بها، وتفعيل قنوات الاتصال بين المؤسسات الإيرانية والعراقية، أدواراً في الحد من احتمالات تحوّل الحوادث الفردية إلى أزمات أوسع.
هذا السيناريو هو الأرجح على ما يبدو في ظل استمرار الظروف الحالية بما فيها الضغوط الاقتصادية والاجتماعية شريطة ألا تتفاقم إلى مستوى قد يؤدّي إلى موجة واسعة من العنف.
وفي هذه الحالة، قد تحدث الاحتكاكات والمشاحنات من حين لآخر في الجامعات أو أماكن الإقامة أو البيئات التجارية وغيرها من الأماكن العامة، بينما تتعامل المؤسسات الرسمية معها من خلال إجراءات أمنية وقضائية ودبلوماسية محدودة لمنع اتساعها.
لكن كل حادث جديد، ولا سيّما إذا انتشر على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قد يحيي الحساسيات السابقة ويمنح حادثاً محدوداً أبعاداً تتجاوز حجمه الأصلي.
يفترض هذا السيناريو استمرار العوامل المثيرة للاحتقان بما فيها تصاعد الخطابات الهوياتية والروايات المعادية للعراقيين داخل إيران، وخصوصاً في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي قد تغذّيها الحوادث الفردية والجماعية.
ولا يستبعد في هذا السيناريو تفاقم تدهور العلاقات بين الطرفين ونمو تيار مناهض للعراقيين في البلاد بما يؤثّر في العلاقات الثنائية.
Loading ads...
وخلاصة القول إنه لا يمكن تفسير التوترات الأخيرة بين مواطنين إيرانيين وعراقيين على أنها ناجمة فقط عن سلوك بعض العراقيين أو حتى الإيرانيين حيث تظهر بقوة في هذه التوترات عوامل تاريخية وضغوط اقتصادية ومعيشية، وحساسيات تاريخية وهوياتية، وتصورات سياسية أبعد فيما تؤدي عوامل أخرى دوراً لافتاً في تضخيمها وتفاقمها بما فيها الشائعات والمعلومات المضلّلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





