ساعة واحدة
في الذكرى الـ12.. كيف عمّق سقوط صنعاء انقسام اليمن ودمر الدولة؟
الإثنين، 21 سبتمبر 2026
في 21 سبتمبر/أيلول 2014، دخل اليمن مرحلة جديدة فارقة عندما تمكّنت جماعة أنصار الله (الحوثيون) وحلفاؤها من فرض السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة صنعاء ومؤسسات حكومية وعسكرية رئيسية، عقب أيام من القتال الذي تعددت ساحاته.
في 30 يوليو/تموز 2014، أعلنت الحكومة إلغاء دعم المشتقات النفطية، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود والسلع. استغلت الجماعة هذا القرار للتعبئة الجماهيرية تحت مطالبات إقالة الحكومة وإعادة الدعم.
تحول الاحتجاج المدني سريعا إلى تطويق أمني وعسكري؛ إذ أنشأت الجماعة مخيمات واعتصامات مسلحة على مداخل العاصمة لتتصاعد المواجهات في 7 و9 سبتمبر/أيلول.
وبعد أن اكتملت سيطرتها على صنعاء، قادت جماعة الحوثي مسارا أدى إلى تفكيك مؤسسات الدولة اليمنية وفرض سلطة الأمر الواقع بقوة السلاح.
وقد اعتمدت الجماعة في بدايات تمكينها على تحالف مرحلي مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح وجناحه في حزب المؤتمر الشعبي العام، مما أتاح لها وضع اليد على مقدرات الجيش وأجهزة الدولة، قبل أن ينتهي هذا التحالف بتصفية صالح جسديا في ديسمبر/كانون الأول 2017 إثر إعلانه الانفكاك عنها، لتنفرد الجماعة بإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها بشكل مطلق.
وعلى الرغم من توقيع "اتفاق السلم والشراكة"، واصل الحوثيون التمدد وفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس عبد ربه منصور هادي ثم أعلنوا "إعلاناً دستورياً" وحلوا البرلمان، مما دفع التحالف العربي بقيادة السعودية إلى التدخل في مارس/آذار 2015 عقب تقدمهم نحو عدن، ليُفرز المشهد انقساماً دائما بين صنعاء وعدن.
وعلى الصعيد المؤسسي والإداري، يتهم خصوم الحوثيين الجماعة بأنها عمدت إلى تقويض هيكلية الدولة واستبدالها بأطر تنظيمية غير رسمية مثل "اللجان الثورية" وشبكات "المشرفين" الذين يتولون إدراة المؤسسات والوزارات.
ولم تقتصر تحركاتها على العاصمة، بل توسعت ميدانيا نحو بقية المحافظات مثل تعز وإب وصولاً إلى عدن قبل استعادتها منها، مما أدخل البلاد في حرب واسعة وفتح الباب أمام التدخل العسكري الإقليمي.
وأمام ذلك، يرى الحوثيون أحداث 21 سبتمبر وسيطرتهم على العاصمة مثل "ثورة تصحيحية" ويقولون إنها أنهت "التبعية الخارجية" وأدت لاستعادة السيادة الوطنية ومكافحة الفساد.
في المقابل، تصنف الحكومة اليمنية وأطياف واسعة من القوى السياسية اليمنية أحداث 21 سبتمبر باعتبارها "انقلابا مسلّحا" على السلطة الشرعية؛ إذ ترى أن الحركة قوّضت مؤسسات الدولة، وعطّلت الإجماع الوطني المتمثل في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وأدخلت البلاد في صراع دائم وأزمة إنسانية وسياسية ممتدة.
وأفضى استمرار سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء ومحافظات عدة إلى تحول عميق في بنية الدولة اليمنية، وأطلقت مسارا متدرجا من الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسسي والاقتصادي.
ومع استمرار الصراع، تبلورت مراكز سلطة ونفوذ متنافسة، أبرزها "سلطة الأمر الواقع" في صنعاء والحكومة المعترف بها دوليا التي اتخذت من عدن عاصمة مؤقتة، وانعكس ذلك على إدارة مؤسسات الدولة والقطاع المالي والنقدي والخدمات العامة.
وأدى استمرار الصراع إلى إعادة توزيع مناطق السيطرة والنفوذ بين أطراف متعددة، مع تفاوت واضح في طبيعة الإدارة والامتداد الجغرافي لكل طرف.
وتتركز سيطرة جماعة الحوثي في العاصمة صنعاء ومعظم محافظات المرتفعات الشمالية والغربية، بما في ذلك صعدة وحجة وعمران وذمار وإب والحديدة.
وعلى الرغم من محدودية المساحة الجغرافية الخاضعة لسيطرتها مقارنة بإجمالي مساحة البلاد، فإن هذه المناطق تضم نسبة كبيرة من السكان، فضلاً عن تمركز العاصمة ومؤسسات الدولة والكتلة الاقتصادية والتجارية الرئيسية فيها.
في المقابل، تمتد مناطق نفوذ الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا والقوى المتحالفة معها على نطاق جغرافي أوسع، ولا سيما في المحافظات الجنوبية والشرقية مثل عدن وحضرموت والمهرة وشبوة وأجزاء من مأرب والجوف، إضافة إلى أجزاء من تعز.
إلا أن السيطرة في هذه المناطق لا تتسم بالتجانس، إذ تتداخل فيها سلطات الحكومة مع المجلس الانتقالي الجنوبي (الذي أُعلن حله لاحقا) وقوى محلية وعسكرية أخرى، ما أوجد بدوره تعدداً في مراكز القرار والنفوذ.
وبذلك لم يعد الانقسام مقتصراً على خطوط تماس عسكرية، بل امتد إلى أنماط الإدارة المحلية والأمن والموارد وآليات تقديم الخدمات.
ويُعد الانقسام المالي والنقدي من أبرز النتائج طويلة الأمد للصراع. وقد تعمق هذا المسار بعد نقل مقر البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن عام 2016، لتنشأ عملياً منظومتان نقديتان وماليتان تعملان في بيئتين مختلفتين.
وتفاقم الانقسام النقدي بعد قرار السلطات التابعة للحوثيين في صنعاء عام 2019 منع تداول الإصدارات النقدية الجديدة التي طبعتها السلطات النقدية في عدن، الأمر الذي أدى إلى وجود فروق كبيرة بين الأوراق النقدية المتداولة في مناطق الطرفين، وأصبح الريال اليمني يتداول عملياً ضمن نظامين نقديين مختلفين.
وانعكس ذلك بصورة مباشرة على أسعار الصرف وأدى اختلاف أسعار الصرف بين مناطق السيطرة، إلى تعقيد حركة الأموال بين المناطق، ورفع تكلفة التحويلات الداخلية، ولا سيما بالنسبة للأسر التي تعتمد على التحويلات من محافظة إلى أخرى.
وفي حين كان سعر الدولار الواحد يساوي 214 ريالا يمنيا مطلع 2015 أصبح اليوم في مناطق الحكومة 1560 ريالا فيما بمناطق سيطرة الحوثيين 532 ريالا في سعر تقول الحكومة إنه وهمي ومفروض بالقوة.
وأصبحت الفوارق النقدية وسيلة إضافية لتعقيد النشاط التجاري، إذ اضطرت الشركات والأفراد إلى التعامل مع أسعار صرف وآليات تحويل مختلفة بحسب المنطقة التي تتم فيها المعاملة.
كما امتد الانقسام السياسي والعسكري إلى مؤسسات الدولة، حيث ظهرت هياكل وإجراءات موازية في عدد من القطاعات، وأصبحت المؤسسات العامة والخدمية تعمل في بيئات تنظيمية مختلفة.
وفي المجال المالي والتجاري، أدى تعدد السلطات إلى فرض رسوم وضرائب وجمارك في أكثر من نقطة على حركة السلع بين مناطق السيطرة المختلفة إلى جانب ظهور منافذ جمركية جديدة عند خطوط التماس، ما زاد تكاليف النقل والتجارة وانعكس على أسعار السلع للمستهلكين.
أما القطاع المصرفي، فقد أصبح أحد أبرز مظاهر الانقسام المؤسسي. إذ صدرت قرارات وإجراءات متعارضة عن السلطات النقدية في صنعاء وعدن بشأن البنوك التجارية، ومراكزها الرئيسية، وإدارة الحسابات والتحويلات والامتثال للتعليمات المصرفية. وأوجد ذلك بيئة تشغيلية معقدة للمصارف والشركات، ورفع مخاطر التعاملات المالية الداخلية والدولية.
وفي قطاع الاتصالات، ظل جزء كبير من البنية التحتية وشبكات الاتصالات والبيانات خاضعا لسيطرة الحوثيين في صنعاء، الأمر الذي جعل القطاع نفسه جزءاً من التنافس المؤسسي والاقتصادي بين مراكز السلطة المختلفة.
وقد أسفر انقسام مؤسسات الدولة وازدواجية السلطات الإدارية والنقدية عن تداعيات كارثية شلت القطاعات الخدمية والاقتصادية؛ إذ أدى تعثر صرف رواتب القطاع العام وتشتت السياسات المالية وتعدد المنافذ الجمركية وفروق الصرف ورسوم التحويل إلى انكماش القدرة الشرائية وإرهاق النشاط التجاري وتعميق معدلات الفقر والاعتماد على المساعدات.
ويشكو الموظفون في مناطق سيطرة الحوثيين منذ نحو 10 سنوات من غياب الرواتب حيث تصرف الجماعة بين الحين والآخر نصف راتب، فيما يعاني الموظفون في مناطق الحكومة من تأخر صرف المرتبات فضلا عن تدني قيمتها جراء تدهور العملة المحلية أمام العملات الأجنبية.
كما ارتهنت كفاءة قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية لنفوذ وموارد السلطة المسيطرة جغرافيا، ليتحول هذا الانقسام إلى عائق يومي يكبّل حرية التنقل، وانتظام المعاملات الرسمية، وحركة السلع والأموال بين المحافظات.
وغابت الخدمة الكهرباء الحكومية على غالبية مناطق سيطرة الحوثيين وحلت الكهربائية التجارية، فيما تعاني المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة من تردي الخدمة خصوصا في المناطق الساحلية والصحراوية في فصل الصيف.
وفي المجال التعليمي أدخل الحوثيون تعديلات على المناهج التعليمية، حيث تتهمهم الحكومة ومنظمات حقوقية بإدخال أفكار ومعتقدات الجماعة في المقررات الدراسية.
كما تسببت الحرب في قطع العديد من الطرقات الحيوية الرابطة بين المحافظات الأمر الذي أنهك المواطنين، حيث يضطر الكثيرإلى السفر أكثر من يوم للوصول إلى مدن معينة في حين كان قبل الحرب يصلها خلال ساعات قليلة.
تصف الأمم المتحدة الأزمة باليمن بأنها إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وتشير إلى أن أكثر من 22 مليون شخص – أي ما يقرب من نصف سكان اليمن – يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية.
وأعلنت المنظمة الدولية مؤخرا إلى عدد النازحين في اليمن يقترب من 5 ملايين شخص منذ اندلاع الحرب، حيث يعيش الكثير منهم وغالبيهم نساء وأطفال ظروف صعبة، في وقت تشهد الرعاية الصحية تدهورا غير مسبوقا مع انتشار أوبئة كثير بعضها كان قد اختفى من البلاد مثل شلل الأطفال.
Loading ads...
ويتفاقم الوضع المعيشي سوءا مع تدني أو غياب حضور مؤسسات الدولة وضعف التدخلات من المنظمات خصوصا في السنوات الأخيرة، وتقول الأمم المتحدة إن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 لليمن لا تزال ممولة بنسبة 20 في المئة فقط.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





