"غابت لظروف الله العليم خاصة فيها، على الصعيد الروحي، أو على الصعيد النفسي، أو العاطفي. الله العليم. أمّي راحت من حياتي، واليوم راحت من الحياة، وما بجوز عليها إلا كمّ معين من المعلومات والباقي بس الرحمة عليها".
هذه كلمات الممثلة السورية-اللبنانية هيا مرعشلي (مواليد 1997)، التي قالت في مقابلة لها في ABTalks إن أمّها تركتها في الخامسة من عمرها، حين انفصلت عن والدها. كان حديثها هادئاً. كان هادئاً برغم المستطاع، ربّما.
فما الذي عناه هذا الترك؟ أو هذا النوع من الترك؟ خلال نحو ساعتين في هذا اللقاء، كان موضوع والدتها يتأرجح. يظهر هنا ويغيب هناك. تحكي بشيء من التأثر هنا، وتقول هناك إنها "سامحتها من كل قلبها". وصفت غيابها وانسحابها كلياً وهي في الخامسة من عمرها بأنه "غياب بارد وقاس"، لأنه أتى من "مصدر الحبّ الأوّل"، وهو ما تعرفه هيا اليوم، لا هيا الطفلة. هيا اليوم باحت بأنها تخوض علاجاً نفسياً منذ 12 سنة بسبب هذا الترك الذي اختبرت فيه ما الذي يعنيه الفقد، "ولسة…"، قالت.
باحت بكيف كانت لدى هيا الطفلة تساؤلات، أهمّها وأضخمها وأكثرها مباشرة ووضوحاً وبداهة: "ليش؟"، وهو سؤال مشروع.
ربما ما يجعل قصة هيا مُوجعة بشكل أكبر هو أنّ لقاءها بوالدتها جاء بعد 13 سنة من الغياب، حين كانت في الـ18 من عمرها. قرأت هيا على مواقع التواصل الاجتماعي أنّ والدتها، الممثلة رندة مرعشلي، "تصارع مرض السرطان منذ 3 سنوات". أصرّت عليها جدّتها أن تتواصل مع والدتها مجدّداً، بعد سنوات من محاولات الاقتراب التي لم تكن الأم ترغب فيها، بحسب هيا.
استمرت العلاقة أشهراً قليلة فقط، قبل الرحيل. قبل الموت الذي جاء سريعاً، فيما كانت "الصديقتان" لا تزالان تتعرّفان إلى بعضهما بعضاً. هكذا وصفت هيا لقاءهما الأول: كأنّ صديقتين التقتا بعد زمن طويل، قبل أن ترافق إحداهما الأخرى في رحلة علاج لم تستمرّ طويلاً بين بيروت ودمشق.
قالت هيا إنّ "حواراً" دار بينهما حول الغياب. "حوار مضبضب" لم يكن مباشراً أو واضحاً من أيّ الطرفين، لكنه، كما قالت هيا، كان بالطريقة التي لم تتمنَّ أن تكون، إذ قالت لها والدتها: "شوفي أنا ما أذيت حدا بحياتي، بس المهم إنه تكوني قطعتي الموضوع داخلك تجاهي".
"لا، هاد الموضوع خلص. أنا اليوم قوية… أنا بشيل مدينة على أكتافي قد ما قويانة يا ماما بسبب غيابك. انبسطي… أوعك تخافي، أنا قوية كتير. ما تفكري إنه هاي كارما عم تتحرك بهالطريقة… الله غفور رحيم… من قلب قلبي. بحبك… وبفهمك. إنتِ مرا انجرحتي من زمان وعملتي رد فعل طويل على الموضوع، ما بعرف شكله…".
وبرغم أنّ المقابلة، في مجملها، كانت مشحونة، كان هذا ربما أكثر جزء كشفت فيه هيا عن مشاعرها. هنا تحديداً بدت المسامحة أبعد من كونها قراراً، وأقرب إلى كونها عملية شفاء طويلة، معقدّة، ولامتناهية. شيء يحتاج إلى تهذيب مستمرّ. يحتاج إلى العودة إليه كثيراً، كي يبقى أعلى ضجيجاً من الغضب؛ لكيلا يبتلعه ما حدث، وتظل قادرة على قول: "بفهمك".
لسنوات طويلة، اعتقدتُ أنّ الحديث عن الآباء والأمهات من المحرّمات، وأنّ النبش في الأعماق ممنوع في ما يخصّ هذا الموضوع، كون الاقتراب من الوالدين أشبه بالاقتراب مما هو مقدّس. ولطالما لفتني كل ما كُتب وما قيل عن هذه العلاقة المعقّدة، أو العلاقة الأكثر تعقيداً بين البشر. فحين يُحكى عنه، يكون في الحكي نوعٌ من الشجاعة.
في كلام هيا شجاعة. وفي مسامحتها أيضاً. سامحت والدتها على هذا الترك، برغم أنه حياة. برغم أنه حياة كاملة لم تُعَش. قالت: "غياب الشخص اللي مفروض يحبك أكتر حدا بالعالم، والمفروض أكتر حدا بالعالم إنه ما يتخلى عنك... إذا تخلى عنك، ممكن تفقد ثقتك بأنه أي حدا بالعالم ممكن يتخلى عنك بعدين".
كلمات هيا، أو بوحها، ذكّرني بما قاله الإعلامي المصري محمود سعد في عام 2022، حين اعترف بـ"عدم حبّه وعدم احترامه" لوالده الذي انفصل عن والدته وتركهم أيضاً. لكن يبدو أن محمود سعد لم يسامح. وبين التسامح وعدمه، يبقى الحديث عن هذه المنطقة الرمادية، "غير المستحبّة"، شجاعة.
أن يعترف الإنسان بغضبه، بحزنه، أن يقرر أن يحكي، "لاعناً" العالم كله، وغير مبالٍ برأيهم، أن يحكي لأنه شعر بأنّ البوح ضرورة، أن يحكي عن مشاعره لأنه قرر ألّا يتركها هناك، في الداخل، في العتمة، في الضيق، أن تتنفّس وتخرج علّها تريح صاحبها، علّها تجعل القلب يتنفّس قليلاً، وأن يسمع الجميع لهاثه... لا هو وحده… شجاعة.
فلم يرتكب ذنباً. ولن يعيش ضحيةً لذلك الذنب. قرّر أن يحكي فقط. أن يسمّي الأشياء بأسمائها. أن يحكي الوقائع كما هي، حتى مع علمه بأنّ شيئاً لن يتغيّر.
هيا سامحت، ومحمود سعد لا يبدو أنه سامح.
فكّرت أولاً: أيّهما أشجع؟ أرى في المسامحة دائماً شجاعة. لكنني، في الوقت نفسه، لا أستطيع أن أرى في عدم المسامحة شجاعة أقل. ربما تكون المسامحة شجاعة، ويكون عدمها شجاعة أيضاً. وربما يكون الأصعب، في بعض الأحيان، ألّا تسامح. أن تحاول، ولا تستطيع. هكذا، ببساطة.
لأن هناك "آباء سيئين"، عدم المسامحة حقّ، كما أنّ التساؤل عن "البخل" في الحبّ والاهتمام حقّ أيضاً. وربما لا تكون الشجاعة دائماً في المسامحة، ولا دائماً في عدمها. ربما تكون في التعبير عن المشاعر فقط.
محمود سعد قال إنه، حين حكى عن مشاعره، لم يحكِ كل شيء. أبقى بعض الأشياء بعيداً، خوفاً على مشاعر والدته. لكنه قال شيئاً مهماً: انتهاء العلاقة بين الزوجين لا يعني أن تنتهي علاقة الأب بأولاده، وأنّ الاهتمام بالابن أو الابنة ليس "رحمة" ولا "مودة" يتفضّل بهما الأب.
أن تترجمي ما يُمليه عليكِ قلبك، دون لوم،
أن تلجئي إلى مساعَدة نفسية،
في وقت لم يكن فيه الحديث عن الصحة النفسية سهلاً أساساً…
أن تستطيعي، برغم الأذى الذي اختبرتِه،
أن تري جمال والدتك ولطفها،
وأن تري أنك تشبهينها…
وتقولي إنّ لها أسبابها الروحانية والنفسية
"فيه أشياء بتصير لأنه لازم تصير.
غياب أمي مو حدث خلق من عدم"...
لأنّ والدك لم يتخلَّ عنك،
وأنه تمسّك بهيا الطفلة،
أن تقولي إنّك "شفتيها كبيرة منّه"...
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






