ساعة واحدة
المسؤول القريب والموكب البعيد.. أي صورة يصدّقها السوريون؟
الخميس، 17 سبتمبر 2026
على باب المطعم، عشرات الرجال يرتدون السواد. نظارات سوداء أيضًا، ومسدسات على الخصر، وعيون تراقب الداخلين والخارجين. تتحرك سيارات الـ"تاهو" إلى الأمام والخلف، في حين يحاول الجالسون في الداخل متابعة جلستهم كأن شيئًا لا يحدث.
لا أعرف من يجلس في الداخل، ولا إن كان كل هذا الحضور من أجله. وقد تكون بعض هذه الإجراءات مرتبطة بمتطلبات أمنية تتعلق بحماية الشخصيات الرسمية. لكن المشهد، بكل تفاصيله، يلفت النظر إلى الطريقة التي يظهر بها المسؤول أمام الناس، وإلى المعاني التي يمكن أن تحملها الحراسة والموكب والسيارات المحيطة به.
قبل أيام، كان مشهد آخر يجري في مكان مختلف. ظهر وزير الثقافة وهو يلمّ النفايات في أحد المعارض، ويتحرك بين الناس من دون موكب يلفت الانتباه. صورة بسيطة لمسؤول يفعل شيئًا عاديًا، لكنها بدت لافتة وانتشرت على نطاق واسع.
بين المشهدين، لا تبدو صورة المسؤول السوري واحدة. مسؤول يظهر في الأماكن العامة قريبًا من الناس، وآخر تحيط به ترتيبات أمنية وموكب يخلق مسافة واضحة. وبين الصورتين، يبقى السؤال: كيف يقرأ السوريون هذه التفاصيل؟ وهل تؤثر طريقة ظهور المسؤول في صورتهم عنه، أم أن الحكم عليه يتشكل أساسًا من أدائه وما تفعله المؤسسة التي يديرها؟
تتحدث سوسن الزعيم لموقع "تلفزيون سوريا" عن مشاهداتها خلال الفترة الماضية لعدد من المسؤولين في الدولة الجديدة، وهم يتحدثون إلى الناس في مناسبات مختلفة، من رمضان والعيد إلى الفعاليات الاجتماعية. وتقارن ذلك بالصورة التي اعتادها السوريون عن المسؤول: شخص داخل سيارة محكمة الإغلاق، تتبعه سيارات كثيرة قد تغلق الشوارع من أجل مروره، وشخصيات لا نرى وجوهها، ونتداول أسماءها همسًا فيما بيننا.
وتجد الزعيم في اقتراب المسؤول من الناس والتواصل معهم أمرًا إيجابيًا، وتذكر وزير الطوارئ مثالًا على ذلك، إذ تراه ينزل إلى الميدان ويتابع الوقائع عن قرب، بدل أن يبقى بعيدًا عنها.
لكن المواكب والحراسة ما زالت حاضرة، بالنسبة إليها، في مشاهد بعض المسؤولين، وتترك أثرًا في الصورة التي تتشكل عنهم لدى الناس.
وتروي الزعيم حادثة شاهدت خلالها سيارة «تاهو» تابعة لوزارة الدفاع تسير في الاتجاه المعاكس وتقطع الشارع، قبل أن تدخل في محادثة مع سائقها. وتقول إن الحوار بينهما كان مثمرًا، وإن مثل هذه التفاصيل، حتى لو بدت بسيطة، يمكن أن تصنع فرقًا في العلاقة بين المسؤول والمواطن.
وتختصر الزعيم جزءًا من فكرتها بالقول: «المسؤول موظف، وهو مسؤول عن نظرتنا إلى هذه الدولة». فهذه النظرة، بالنسبة إليها، لا تتشكل من الخطابات وحدها، وإنما من التفاصيل التي يراها الناس في الشارع.
وتتمنى أن تنجح التجربة الجديدة، بعيدًا عن الإشكالات الموجودة في الساحة السورية اليوم، قائلة إن السوريين يحاولون بناء دولة، وإن "وقتنا أصبح محسوبًا".
أما هند، فتتحدث لموقع "تلفزيون سوريا" عن سنوات طويلة عاشها السوريون في ظل نظام الأسد، "أطول من أعمارنا"، كما تقول. واليوم، بعد التحرير، ينتقلون إلى زمن جديد، لكن ذلك لا يلغي الصعوبات التي يحملها الناس معهم، وفي مقدمتها الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
وبالنسبة إليها، لا تعنيها كثيرًا مشاهدة موكب أو حراسة حول مسؤول، بقدر ما يعنيها ألا تشعر بالخوف ممن يقفون خلف هذا المشهد، وأن تأخذ الدولة هموم المواطن بعين الاعتبار.
وظهور المسؤول في الشارع ليس هو ما يصنع الفرق بالنسبة إليها أيضًا. الأهم أن ينعكس عمله على حياة الناس ومشكلاتهم اليومية.
أما كريم، فيلفت في حديثه لـ"تلفزيون سوريا" إلى أن مشهد المواكب قد يستحضر لدى بعضهم صورة قديمة عن المسؤول، مرتبطة بالبذخ والمسافة بينه وبين الناس. لكنه لا يعتقد أن المسؤول مطالب بأن يظهر دائمًا بصورة عادية أو أن يتخلى عن كل ما يرافق طبيعة منصبه، فبعض المواقع تتطلب إجراءات أمنية وحماية، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية غير المستقرة.
ويهم كريم أن تكون صورة المسؤول متناسبة مع طبيعة المنصب وحساسيته، لأن مظهره لا يرتبط به وحده، بل يمكن أن ينعكس على صورة الوزارة أو المؤسسة التي يمثلها.
لكن طريقة الظهور، بالنسبة إليه، لا تكفي للحكم على المسؤول. الأهم ما يفعله في موقعه، وما ينعكس من عمل المؤسسة التي يديرها على حياة المواطنين.
أما ولاء، فتقول لـ"تلفزيون سوريا" إن وجود المسؤول قريبًا من المواطنين هو الأمر الطبيعي بالنسبة إليها، وإن صورة المسؤول تبدو اليوم، في بعض الحالات، ألطف وأقرب إلى الناس. لكن بعض المظاهر لا تزال تثير لديها أسئلة حول طبيعة العلاقة بين المسؤول والمواطن.
ولا يكفي، بالنسبة إليها، أن يظهر المسؤول بين الناس أو يتحدث معهم. المهم أن ينعكس عمله على حياة المواطنين، وأن يتحدث ضمن حدود الممكن. ويظهر القرب الحقيقي عندما يشعر المواطن بأن عمل المسؤول يلامس مشكلاته اليومية.
وتربط ولاء ذلك بملفات مثل فواتير الكهرباء الباهظة. فالحديث عن التقرب من المواطن يبقى ناقصًا إذا لم يلمس تحسنًا حقيقيًا في حياته اليومية.
المواكب التي تراها اليوم تستحضر لديها صورة المسؤول البعيد عن الناس. كثرة السيارات والحراسة قد تخلق انطباعًا بالمسافة، وتدفعها إلى التساؤل عن مدى قرب المسؤول من مشكلات المواطنين وواقعهم.
من زاوية أخرى، يقرأ الأخصائي الاجتماعي محمد مدني هذه المشاهد باعتبارها محاولة لتقديم المسؤول بصورة أقرب إلى الناس، من خلال الجلوس معهم، ومشاركتهم مناسباتهم، وظهوره أحيانًا وهو يقوم بأفعال يومية عادية.
هذه التفاصيل قد تكون إيجابية، بحسب مدني، إذا كانت جزءًا حقيقيًا من سلوك المسؤول، لكنها وحدها لا تكفي لتغيير علاقة المواطن بالسلطة. المواطن يريد مسؤولًا يسمعه، ويحترم كرامته، ويعالج مشكلاته، ويخضع للقانون والمساءلة.
والفرق، بالنسبة إلى مدني، يظهر مع الوقت. فإذا كان لقاء الناس جزءًا من عمل المسؤول، ويسمع شكاواهم ويشارك في اتخاذ القرار، يصبح القرب أكثر من مجرد مشهد. أما إذا بقيت هذه اللقاءات منفصلة عن العمل، فلن تتغير علاقة المواطن بالسلطة لمجرد أن المسؤول ظهر بينهم.
ويضيف أن الثقة تحتاج إلى قانون ومؤسسات ومحاسبة واضحة. المهم أن يعرف المواطن أن المسؤول، مهما كان منصبه، ليس فوق الدولة ولا فوق المساءلة.
وتتناول فاطمة رومية، المتخصصة في شؤون الأفراد والثقافة المجتمعية، أثر صورة المسؤول في مخيال المواطن السوري.
مشهد مسؤول يمشي بين الناس ويتحدث إليهم في الأماكن العامة أو الفعاليات التي تجمع السوريين يمكن أن يعطي إحساسًا بالقرب، ويكسر المسافة بينه وبين المواطن. في المقابل، قد يخلق الموكب الضخم والحراسة المشددة والسيارات الفارهة إحساسًا بالمسافة، وقد يتحول أحيانًا إلى مصدر استفزاز، خصوصًا في ظروف اقتصادية صعبة، بحسب رومية.
لكنها تفرّق بين الصورة والحكم على المسؤول نفسه. فالمسؤول الذي يقود سيارة عادية قد يكون فاسدًا أو فاشلًا، كما يمكن لمسؤول آخر يملك موكبًا وحراسة مشددة أن يدير المؤسسة التي يتولاها بكفاءة عالية. وظهور مسؤول وهو يساعد في تنظيف شارع أمام الكاميرات لا يعني بالضرورة أن المؤسسة التي يشرف عليها تقوم بعملها كما يجب.
للرموز أثر نفسي، تقول رومية، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى مقياس للحكم على جودة عمل السلطات. «نحن لا نريد من المسؤول أن يمثل حياة المواطن العادية كي يقنع الشعب بأنه قريب منه»، تقول، مضيفة أن المطلوب هو أن يكون المسؤول على رأس عمله، وأن يحارب الفساد وهدر المال العام، وألا يتعامل مع امتيازات المنصب باعتبارها حقًا شخصيًا.
وتربط رومية هذا الاهتمام بتاريخ طويل من علاقة السوريين بالسلطة. ففي الدول التي تمتلك مؤسسات مستقرة وآليات واضحة للمحاسبة، يستطيع المواطن أن يحكم على المسؤول من خلال أدائه، والتزامه بالقوانين، والنتائج التي تحققها المؤسسة التي يديرها.
أما حين ترتبط السلطة، لفترة طويلة، بالأشخاص أكثر من ارتباطها بالمؤسسات، تصبح تفاصيل حياة المسؤول نفسها جزءًا من نظرة المجتمع إليه: سيارته، موكبه، حراسه، منزله، وطريقة ظهوره أمام الناس. عندها تتحول هذه التفاصيل إلى رموز للسلطة والامتياز، ويصبح أي مظهر مبالغ فيه أكثر استفزازًا، خصوصًا في ظل التدهور الاقتصادي.
وتلفت رومية أيضاً إلى أن المجتمع قد يكافئ أحياناً "التواضع الاستعراضي" للمسؤول، فيتعامل مع تناوله وجبة في مطعم بسيط أو قيادته سيارته بنفسه باعتباره إنجازاً بحد ذاته، بينما يبقى السؤال الأهم: كيف يدير عمله؟ وما النتائج التي تظهر على حياة المواطن؟
وبالنسبة إلى رومية، لا ينبغي أن يحتاج نجاح المسؤول إلى حضوره الشخصي في كل مكان. فليس من الضروري أن ينزل المسؤول بنفسه إلى الشارع حتى تُرفع القمامة، أو أن يتدخل شخصيًا في كل خلاف حتى يُحل. نجاحه الحقيقي يظهر حين تعمل المؤسسة التي يديرها بكفاءة حتى في غيابه، وحين تصبح نتائج عملها ملموسة في الحياة اليومية للمواطن.
Loading ads...
تبقى السيارة والموكب والحراسة جزءاً من صورة المسؤول، لكنها لا تحكي القصة كلها. مع الوقت، ما يبقى لدى المواطن هو ما يراه من عمل المسؤول، وما إذا كان هذا العمل يصل فعلاً إلى حياته اليومية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

