Syria News

الأربعاء 23 سبتمبر / أيلول 2026

  • الرئيسية
  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة
  • تكنولوجيا
  • منوعات
  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • أعلن معنا
جاري تحميل الأخبار العاجلة...

حمل تطبيق “سيريازون” مجاناً الآن

store button
سيريازون

كن على علم بجميع الأخبار من مختلف المصادر في منطقة سيريازون. جميع الأخبار من مكان واحد، بأسرع وقت وأعلى دقة.

تابعنا على

البريد الإلكتروني

[email protected]

تصفح حسب الفئة

الأقسام الرئيسية

  • عاجل
  • سوريا
  • العالم
  • إقتصاد
  • رياضة

أقسام أخرى

  • صحة
  • حواء
  • سيارات
  • منوعات
  • تكنولوجيا

روابط مهمة

  • أعلن معنا
  • الشروط والأحكام
  • سياسة الخصوصية
  • عن سيريازون
  • اتصل بنا

اشترك في النشرة الإخبارية

ليصلك كل جديد وآخر الأخبار مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

جميع الحقوق محفوظة لصالح مؤسسة سيريازون الإعلامية © 2026

سياسة الخصوصيةالشروط والأحكام
رعب مجهول في المدار.. لماذا تنقل أمريكا أسلحة إلى الفضاء؟ |... | سيريازون
logo of الجزيرة اقتصاد
الجزيرة اقتصاد
38 دقائق

رعب مجهول في المدار.. لماذا تنقل أمريكا أسلحة إلى الفضاء؟

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026
في 14 سبتمبر/أيلول 2026، وعلى منصة مؤتمر سنوي تعقده "رابطة القوات الجوية والفضائية" الأمريكية، أطلق وزير القوات الجوية تروي مينك تصريحا علنيا نادرا، وهو أن الولايات المتحدة تملك أسلحة "مدارية" للسيطرة على الفضاء، قادرة على الدفاع عن قواتها في وجه أي تحرك معاد. لكنه توقف عند هذا الحد تماما، فحين سُئل عن طبيعة هذه الأسلحة، وعمّا إذا كانت قد اختُبرت أصلا، رفض الإجابة، وقال إن صياغة الجملة جاءت مدروسة، وإن وزارته تقضي وقتا طويلا في التفكير في كيفية الحديث عن هذه الأمور.
ويملك مصطلح "السيطرة على الفضاء" معنى محددا في قاموس القوة الفضائية الأمريكية، وهي الفرع العسكري الذي تأسس عام 2019 تحت إدارة ترمب الأولى، إذ يشمل وسائل مدمِّرة وأخرى غير مدمِّرة، تُستخدم لتعطيل قدرات الخصم في الفضاء أو إضعافها أو تدميرها، دفاعا وهجوما معا، بحسب ما تطلبه القيادات القتالية الأمريكية.
"هكذا يصل الخبر إلينا ناقصا نصفه، إذ يُعلن السلاح ولا يُعرف عنه شيء"
وهكذا يصل الخبر إلينا ناقصا نصفه، إذ يُعلن السلاح ولا يُعرف عنه شيء، لا شكله ولا عدده ولا موعد إطلاقه، ولا حتى ما إذا كان قد جُرّب مرة واحدة. وقبل هذه الجملة، لم تكن واشنطن قد أقرت بهذا القدر من الوضوح إلا بأسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية تعمل من الأرض، وهي أجهزة تشويش تعطل إشارات القمر الاصطناعي دون أن تلمسه.
يأتي الإعلان بينما يدرس الكونغرس الأمريكي طلب ميزانية للعام المالي الذي يبدأ في أكتوبر/تشرين الأول يضاعف تقريبا موارد القوة الفضائية لتصل إلى 71.2 مليار دولار، ويفرد منها 21.6 مليار دولار لأنظمة السيطرة على الفضاء وحدها. وهذا يجعلنا نطرح سؤالا محددا: هل هناك فعلا سلاح يدور حول الأرض قادر على أداء المهمة التي أُعلن عنها وهي حماية القوات الأمريكية من أقمار اصطناعية صينية صار عددها بالمئات، ومهمتها أن ترى تلك القوات وتتعقب تحركاتها؟
ولأن السلاح الأمريكي نفسه بعيد عن أي تحقق مستقل، فإن ما يمكن قياسه فعلا هو ما يفرضه المدار على أي سلاح يوضع فيه، من فيزياء لا تتغير بالإعلانات، ومن عقيدة عسكرية مكتوبة نشرها الأمريكيون بأنفسهم، ومن أرقام يعلنها الخصم الصيني ويزيدها كل عام. ولكن أولا علينا العودة ثلاث سنوات إلى الوراء، إلى الجلسة التي وُعد فيها الكونغرس بهذا السلاح قبل أن يصير خبرا مبهما.
في أبريل/نيسان 2023، جلس الجنرال تشانس سالتزمان، قائد العمليات الفضائية الأمريكية، أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ، وسأله السيناتور جون بوزمان عن العائد الذي جناه البنتاغون من الأموال التي أضافها الكونغرس إلى الميزانية السرية للقوة الفضائية في العام المالي 2023. لم يذكر سالتزمان اسم برنامج ولا رقما، لكنه قال إن السنوات القليلة المقبلة ستشهد "قدرة مدارية كبيرة" تتيح للقوة الفضائية أن تهاجم وتدافع في الفضاء بحلول عام 2026، وهو ما سماه "عمليات كاملة الطيف".
أكد سالتزمان الأمر نفسه بعد أيام في لقاء صحفي. وكانت القوة الفضائية قد طلبت في قائمة أولوياتها غير الممولة 327 مليون دولار لبرامج سرية، فوافق الكونغرس، ولم تكشف القوة الفضائية عن أي تفصيل إضافي عن تلك البرامج. بعد عامين، في أبريل/نيسان 2025، نشرت القوة الفضائية وثيقة من 22 صفحة بعنوان "الحرب في الفضاء: إطار للمخططين"، قسّمت فيها القتال في المدار إلى ثلاثة ميادين، هي الحرب المدارية والحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية. وأدرجت الوثيقة ضمن الخيارات الهجومية "الضربة المدارية"، أي مهاجمة أهداف في المدار نفسه، و"اعتراض الوصلة الفضائية"، أي قطع الإشارة بين القمر الصناعي ومحطته الأرضية.
وفي العام نفسه، قدّم سالتزمان صورة أوضح لما تملكه القوى الكبرى في هذا الميدان، إذ صنّف أسلحة مواجهة الأقمار الاصطناعية في ست فئات، هي أجهزة التشويش والأسلحة التدميرية وأسلحة الطاقة الموجهة، ولكل فئة منها نسخة تعمل من الأرض وأخرى تعمل من المدار. وقال إن الصين تستثمر في الفئات الست جميعا، وإن بلاده لا تستثمر فيها كلها، وإن القوة الفضائية تركّز في الوقت الحالي على الأسلحة الأرضية لأنها تحتاج إلى تقنيات جديدة أقل مما تحتاجه الأسلحة المدارية. وأضاف أن الأولوية عنده للتشويش والوسائل غير المدمِّرة، وأن تدمير قمر اصطناعي تدميرا ماديا هو الخيار الأخير حين لا يبقى غيره.
"ما كان يُقال في الغرف المغلقة صار مكتوبا في وثيقة عامة، وبقي المال في مكانه السري"
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أمرا تنفيذيا حمل عنوان "ضمان التفوق الأمريكي في الفضاء"، يوجّه الإدارة الأمريكية إلى بناء القدرة على رصد التهديدات ومواجهتها في نطاق يمتد من المدارات المنخفضة جدا إلى الفضاء المحيط بالقمر. وهكذا فإن ما كان يُقال في الغرف المغلقة صار مكتوبا في وثيقة عامة، وبقي المال في مكانه السري. ثم جاء أغسطس/آب الماضي ليشرح سبب رفع الصوت، فقد قال الجنرال ستيفن وايتنغ قائد قيادة الفضاء الأمريكية في مؤتمر للدفاع الصاروخي، إن الردع في الفضاء يحتاج إلى خيارات ذات مصداقية ومُعلنة في آن واحد، وهو منطق يقول إن السلاح الذي لا يعرف الخصم بوجوده لا يردعه. وبعد شهر واحد جاءت جملة مينك عن امتلاك الولايات المتحدة لهذا السلاح.
ولا سبيل إلى الجزم بأن ما أعلنه وزير القوات الجوية مؤخرا هو ذاته ما وعد به سالتزمان قبل ثلاث سنوات، فكلا الطرفين يقع داخل الحسابات السرية نفسها. لكن الخط الممتد من طلب تمويل في عام 2023، إلى عقيدة مكتوبة في عام 2025، إلى إقرار علني في عام 2026، يكفي للقول إن ما أُعلن لم يولد على تلك المنصة، وإن السؤال الذي يستحق البحث ليس عن وجود السلاح المداري من عدمه.
السؤال يبدأ من الجهة الأخرى، من الهدف الذي بُني هذا السلاح لمواجهته، وللأمريكيين إجابة محددة عن هذا السؤال، ومعها رقم لا يقل أهمية.
حين يتحدث الأمريكيون عن الخطر الذي بُني هذا السلاح لمواجهته، فإنهم يشيرون إلى شيء محدد، وهو أسطول الأقمار الاصطناعية الصينية المخصص للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، أي الأقمار التي تلتقط الصور وترصد الإشارات وتتابع ما يتحرك على سطح الأرض وفي بحارها.
تقول "ورقة التهديدات" الصادرة عن استخبارات القوة الفضائية الأمريكية، في نسختها العاشرة المؤرخة في 15 ديسمبر/كانون الأول 2025، إن جيش التحرير الشعبي الصيني يستفيد من أكثر من 510 أقمار اصطناعية من هذا النوع، وإن مجمل ما تملكه الصين في المدار نما بنحو 667% منذ نهاية عام 2015. وفي عام 2025 وحده وضعت الصين 319 حمولة جديدة في المدار.
هذه الأرقام وحدها لا توضح شيئا عن طبيعة الخطر، فالقمر الذي يصوّر حاملة طائرات لا يغرقها. يبدأ الخطر حين ترتبط هذه الأقمار بما يسميه العسكريون "سلسلة القتل"، وهي المسار الممتد من لحظة رصد الهدف إلى لحظة إصابته. القمر الاصطناعي في هذه السلسلة هو العين، والصاروخ هو اليد، وبينهما شبكة اتصالات تنقل ما تراه العين.
"يبدأ الخطر حين ترتبط الأقمار بما يسميه العسكريون سلسلة القتل، وهي المسار الممتد من لحظة رصد الهدف إلى لحظة إصابته"
وتقول ورقة التهديد الأمريكية إن هذه الأقمار تتيح للجيش الصيني رصد حاملات الطائرات الأمريكية والقوات المنتشرة وأسراب الطائرات وتعقّبها. ويضيف مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، في تقرير نشره في مايو/أيار الماضي، أن بكين تعمل على إغلاق سلاسل القتل هذه، وأنها تتدرب على استهداف السفن والقواعد الجوية والموانئ الأمريكية.
إلى هنا، الرواية الأمريكية متماسكة ومفهومة. لكن السؤال الذي يلي هذه الرواية مباشرة هو ما إذا كان تعطيل هذه الشبكة يمر عبر إسقاط أقمارها.
يقدّم ج. مايكل دام، الباحث البارز في معهد ميتشل للدراسات الفضائية، إجابة مختلفة. ففي شهادة أمام لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية، وهي هيئة يكلّفها الكونغرس بمتابعة الملف الصيني، وصف دام منظومة القيادة والاستطلاع الصينية بأنها متينة ومكرَّرة وقادرة على الصمود، أي أنها مصمَّمة أصلا لتواصل العمل وهي تتعرض للضرر، ولا تنهار بفقدان عنصر واحد منها.
وهذه صفة لها ثمن على الطرف المقابل، فالشبكة التي بُنيت لتحتمل الفقد لا يعطّلها فقدان قمر أو قمرين، والأقمار التي تتكاثر بمعدل 319 حمولة في عام واحد تعوّض ما يُفقد منها أسرع مما يستطيع أي سلاح أن يصل إليه. وتبقى في السلسلة نقاط أخرى، هي وصلات البيانات والمحطات الأرضية وأجهزة الاستقبال، وعليها يركّز دام حين يتحدث عن الحرب الإلكترونية ومنازعة الخصم على المعلومة نفسها.
ولهذه السلسلة إيقاع يحكمها، فالصورة الواحدة لا تكفي لتوجيه صاروخ نحو سفينة تتحرك في البحر، إذ تكون الحاملة قد غادرت المربع الذي صُوّرت فيه قبل أن تصل الإحداثيات إلى منصة الإطلاق. وقيمة القمر الواحد في هذه المنظومة تقاس باستمرار ما يرسله وسرعة وصوله، وهو ما يفسر لماذا يقاس الخطر بعدد الأقمار وكثافة مرورها فوق المنطقة نفسها، قبل أن يقاس بقدرات القمر الواحد.
"يقاس الخطر بعدد الأقمار وكثافة مرورها فوق المنطقة نفسها، قبل أن يقاس بقدرات القمر الواحد"
والشبكة التي تعمل بهذا المنطق تُبنى بالتكرار، أي بوجود أكثر من عين تغطي المساحة نفسها في أوقات متقاربة. وعلى الأرجح فإن معنى ذلك عمليا أن إعماء المنظومة الصينية يحتاج إلى الوصول إلى عدد كبير من أقمارها في وقت واحد، وأن دولة زاد ما تملكه في المدار بنحو 667% في عشر سنوات، ووضعت 319 حمولة في مدارها خلال عام واحد، تملك قدرة على تعويض ما تفقده.
ويبقى تحفظ ضروري على كل ما سبق من أرقام، فمصدرها الأول هو استخبارات القوة الفضائية الأمريكية، أي الجهة التي تطلب تمويلا لمواجهة ما تصفه، وهذا لا يلغي الأرقام، لكنه يضعها في سياقها. فإذا كان الهدف شبكة بُنيت كي لا تُعمى، فما الذي تملكه واشنطن اليوم لإعمائها؟ الإجابة موجودة، وهي تعمل من الأرض منذ سنوات.
الإجابة اسمها التشويش، وهي ليست جديدة على الجيش الأمريكي، فـ"منظومة مواجهة الاتصالات" (Counter Communications System) تعمل منذ عام 2004، وهي أول منظومة هجومية مضادة للأقمار الاصطناعية يُعترف بها علنا. مهمتها بسيطة في وصفها، معقدة في تنفيذها، وهي إغراق الوصلة اللاسلكية بين القمر الاصطناعي ومستخدمه بضجيج يمنع الإشارة من الوصول.
وفي 8 يونيو/حزيران الماضي، قبِلت قيادة القوات القتالية في القوة الفضائية النسخة الأحدث من هذه العائلة، "ميدولاندز" (Meadowlands)، وهي منظومة متنقلة تنتجها شركة "إل 3 هاريس" (L3Harris) الدفاعية الأمريكية بمعدل وحدة كل شهر، وطلبت لها القوة الفضائية 450 مليون دولار في ميزانية عام 2027، مع 605 ملايين إضافية بين عامي 2028 و2031.
ولهذا السلاح سجل ميداني معلن، ففي عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو/حزيران 2025، حين قصفت الولايات المتحدة ثلاثة مواقع نووية إيرانية، قالت القوة الفضائية في بيان لها إن عناصر الحرب الإلكترونية أقاموا منطقة صمت عطّلت اتصالات الخصم لتأمين دخول القاذفات وخروجها. وقال الجنرال ديفيد ميلر، قائد قيادة العمليات الفضائية آنذاك، إنها المرة الأولى التي تستطيع فيها القوة الفضائية أن تعلن مشاركة قوات حرب إلكترونية في مهمة قتالية، جرى تنظيمها وتدريبها وتجهيزها خصيصا لتأمين دخول القاذفات وخروجها.
وحين اندلعت الحرب الأمريكية على إيران مطلع العام الجاري، وصف الجنرال دوغلاس شيس، قائد العمليات الفضائية الأمريكية، ما جرى في يومها الأول، إذ نفّذت وحدة للحرب الإلكترونية ضرباتها "غير الحركية" خلال ساعات من بدء العملية، من موقع داخل نطاق القيادة المركزية الأمريكية، وهي القيادة العسكرية المسؤولة عن منطقة الشرق الأوسط، بينما كانت الصواريخ الإيرانية تتجه نحو الموقع نفسه. وأضاف شيس أن هذه الوحدات تضطر أحيانا إلى العمل "داخل بصمة أو مجال القمر الاصطناعي".
"القمر الاصطناعي يتبادل إشارتين، إشارة تصعد إليه من محطته الأرضية وتحمل أوامر التشغيل، وإشارة تهبط منه إلى المستخدمين وتحمل ما يبثه"
وفي تلك العبارة الأخيرة يكمن القيد بوضوح، فالقمر الاصطناعي يتبادل إشارتين، إشارة تصعد إليه من محطته الأرضية وتحمل أوامر التشغيل، وإشارة تهبط منه إلى المستخدمين وتحمل ما يبثه. ولتعطيل الإشارة الصاعدة، على جهاز التشويش أن يقف داخل مجال رؤية هوائي القمر، أي قرب المحطة التي تتحكم به على الأرض، بحسب دليل مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية لأسلحة مواجهة الفضاء. أما تعطيل الإشارة الهابطة فيحتاج جهدا أقل، لكنه لا يصيب إلا من يقف قرب جهاز التشويش. وفي الحالتين، الأثر قابل للعكس بالكامل، إذ ينتهي بمجرد إطفاء الجهاز.
بعبارة أخرى، السلاح الأرضي يحتاج إلى جغرافيا، إذ يتطلب أن يكون قريبا من إشارة الخصم، ومعنى ذلك أن يوضع على أرض دولة ما، وأن تصبح تلك الأرض جزءا من الحرب. وهذا الوضع سياسة معلنة، فالأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس الأمريكي في ديسمبر/كانون الأول 2025 يوجّه الإدارة إلى السعي لاتفاقيات تمركز مع الحلفاء والشركاء ضمن ملف التفوق الفضائي.
وللجغرافيا فاتورة يدفعها من يسكنها، ففي الأربع والعشرين ساعة الأولى من الحرب على إيران، تعرضت أكثر من 1100 سفينة تجارية في مياه دول المنطقة لتشويش وخداع في إشارات الملاحة، حتى ظهرت على الشاشات وكأنها ترسو في مطارات أو تسير على اليابسة، وهو ما تتبعناه بالتفصيل في تقرير سابق عن الحرب الإلكترونية في تلك المعركة بطرفيها الأمريكي والإيراني. وهذه طبيعة السلاح نفسه، فهو يُطلق في اتجاه منطقة كاملة، ومن يقف داخلها يتلقى الأثر سواء كان طرفا في الحرب أو ناقلة تنتظر دورها في التحميل.
يبقى أن التشويش، على فاعليته، لا يلمس القمر الاصطناعي نفسه. الكاميرا تظل تعمل، والمدار يظل محفوظا، والأثر ينتهي حين يُطفأ الجهاز، وهنا تحديدا يبدأ سؤال السلاح في المدار.
للمدار ميزة لا تملكها الأرض، وهي إمكانية الوصول. فجهاز التشويش الأرضي مقيد بما يمر فوقه أو بما يقترب من حدوده، أما القمر المسلح فيتحرك في الفضاء نفسه الذي يتحرك فيه هدفه، ويستطيع بلوغ مدارات لا تمر فوق أراضي الولايات المتحدة ولا فوق أراضي حلفائها.
وللفيزياء كلمة هنا في مصلحة المدار، فالإشارة التي تُطلق من الأرض نحو قمر اصطناعي تفقد جزءا كبيرا من قوتها في الغلاف الجوي، بينما الهجوم الذي يجري بين قمرين في الفضاء لا يدفع هذه الضريبة عند المسافة نفسها، بحسب دراسة أعدها الباحثان ريبيكا ريزمان وجيمس ويلسون في مؤسسة إيروسبيس الأمريكية عن فيزياء الاشتباك في الفضاء. ويضيف الباحثان أن القمر المهاجم يستطيع ملاحقة هدف يناور، وهو ما لا يجيده الصاروخ المنطلق من الأرض في مسار واحد.
"القمر المهاجم يستطيع ملاحقة هدف يناور، وهو ما لا يجيده الصاروخ المنطلق من الأرض في مسار واحد"
وهذه الميزة ليست نظرية عند الخصوم أيضا، فورقة التهديد الصادرة عن استخبارات القوة الفضائية تنقل عن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية، وهي جهاز الاستخبارات التابع لوزارة الدفاع، أن الجيش الصيني يسعى على الأرجح إلى امتلاك أسلحة مضادة للأقمار تصل إلى المدار الثابت للأرض، وهو المدار الذي تدور فيه أقمار الاتصالات والإنذار على ارتفاع نحو 36 ألف كيلومتر، بعيدا عن متناول معظم ما يُطلق من الأرض.
هذا ما يشتريه المدار، أما ثمنه فمكتوب في الدراسة نفسها، وهو ثمن الزمن والوقود.
القمر الاصطناعي يسير في مسار معروف ومحسوب سلفا، ولا يستطيع أن يغيّر موقعه كما تغيّر الطائرة اتجاهها. فتحريك قمر ليصل إلى قمر آخر يقع في مستوى مداري مختلف يستهلك من وقوده قدرا كبيرا، والوقود على متنه محدود ولا يُملأ مرة أخرى. ولهذا يقول الباحثان إن الاشتباك بين قمرين عملية بطيئة ومتدرجة، قد يحتاج التموضع لها إلى أيام، وربما إلى أسابيع أو أشهر.
وحتى داخل المستوى المداري نفسه، للحساب حدوده. ففي المدارات المنخفضة، لا يستطيع القمر أن يدفع نفسه إلى الأمام بأكثر من نحو 115 مترا في الثانية قبل أن يهبط مساره إلى الغلاف الجوي، ولا أن يتباطأ بأكثر من نحو 350 مترا في الثانية قبل أن يدخل أحزمة الإشعاع المحيطة بالأرض. وللحاق بقمر يبعد عنه نصف دورة كاملة، يحتاج إلى نحو أربع ساعات إن أنفق وقودا كثيرا، أو إلى نحو 18 ساعة إن سلك الطريق الاقتصادي. وفي المدار الثابت تصبح الأزمنة أطول، إذ يستغرق نقل قمر إلى الجهة المقابلة من المدار أياما أو أسابيع، ومن يتحرك أسرع يصبح مرئيا لكل من يراقب.
ومن هذه القيود يخرج الحكم الذي يهمنا، فالدراسة تصف الهجوم المداري المباشر بأنه أقرب إلى بندقية قنص منه إلى رشاش، أي أنه يشتبك مع هدف واحد في المرة الواحدة، بينما توصف الحرب الإلكترونية والطاقة الموجهة والهجوم السيبراني بأنها أقرب إلى الرشاش، تصل إلى أهداف أكثر في وقت أقصر.
ثم تمضي الدراسة إلى نتيجة تستحق التأمل، فتذكر أن هذه القيود تعطي المهاجم حافزا قويا للنظر في أسلحة بديلة، من صواريخ أرضية مضادة للأقمار إلى الحرب الإلكترونية والطاقة الموجهة والأسلحة السيبرانية، لأنها تختصر زمن الهجوم وتزيد عدد الأهداف التي يمكن ضربها في مدة قصيرة. ومصدر هذا الحكم مؤسسة بحثية تعمل للحكومة الأمريكية وتكتب لمخططيها العسكريين، وقد نُشرت الدراسة عام 2020، أي قبل الجيل الحالي من الأنظمة، لكن ما تصفه قوانين حركة لا تتقادم.
وخلف هذا كله جهة تقرر، فالجهة التي اختارت شراء قدرة مدارية بأموال سرية هي نفسها التي تموّل هذه المؤسسة البحثية وتتلقى تقاريرها. ومع ذلك، فإن الطلب على الوجود في المدار يتسع. إذ يرصد التقرير السنوي لمؤسسة "سكيور وورلد" (Secure World Foundation) لعام 2026 اتجاها متزايدا لدى عدد من الدول نحو أقمار حراسة ترافق أقمارها الخاصة، ونحو مركبات فضائية قابلة للعودة، وكلا النوعين يملك قدرة على المناورة قرب أقمار أخرى. والقدرة التي تحرس بها قمرك هي نفسها القدرة التي تقترب بها من قمر خصمك، وهو ما يجعل التمييز بين الحارس والمهاجم مسألة نية معلنة أكثر منها مسألة عتاد.
"القدرة التي تحرس بها قمرك هي نفسها القدرة التي تقترب بها من قمر خصمك"
يبقى للمدار امتياز أخير تسجله الدراسة، وهو المفاجأة، فالقمر المهاجم الذي يسير في المسار نفسه الذي يسير فيه هدفه يصبح جاره الدائم، ويختار بنفسه متى يضربه وأين. وهناك طريق آخر، إذ يستطيع قمر أن يقطع مسار هدفه في نقطة تقاطع، فيبدو تحركه عاديا إلى أن يقع الاصطدام. المدار إذن يمنح صاحبه ثلاثة أشياء، الوصول إلى ما لا تبلغه الأرض، واختيار التوقيت، والمباغتة، وما لا يمنحه هو العدد.
وهنا يصبح السؤال حسابيا بحتا، سلاح يشتبك مع هدف واحد في المرة، في مواجهة أسطول يضيف مئات الأقمار كل عام.
هذه المعادلة ليست خافية على من يكتبون للجيش الأمريكي، ففي تعليق نشرته مؤسسة راند، وهي مركز أبحاث أمريكي يعمل لصالح القوات المسلحة منذ عقود، يرى الباحثون أن مهاجمة أسراب الأقمار الاصطناعية الكبيرة عملية بطيئة، وأنها على الأرجح غير مجدية من حيث الكلفة، وأن ما تخلّفه من حطام في المدار يهدد أقمار المهاجم نفسه، لأن الحطام لا يعرف صاحبه.
ويقول بحث نُشر في دورية "إنترناشونال سيكيوريتي" (International Security) الأكاديمية الأمريكية إن قياس صمود القدرات الفضائية ينبغي أن يجري على مستوى السرب كله، لا على مستوى القمر الواحد. وفي الاتجاه ذاته، خلص بحث نُشر في "الدورية الأوروبية للأمن الدولي" (European Journal of International Security) مطلع عام 2026 إلى أن تعطيل سرب ضخم يتطلب ترسانة من الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية يصعب امتلاكها عمليا، إضافة إلى شبكة رصد قادرة على توجيهها.
ويبدو أن القيادة الأمريكية المسؤولة عن العمليات في الفضاء وصلت إلى خلاصة قريبة بطريقتها، ففي أغسطس/آب الماضي، وضع الجنرال ستيفن وايتنغ في صدارة أولوياته للسنوات من عام 2029 إلى عام 2033 بندين، أولهما دمج النيران الفضائية، أي تنسيق وسائل التأثير في أقمار الخصم داخل خطة العمليات، وثانيهما مواجهة الأسراب في المدارات المنخفضة، مع تصريحه بأن المطلوب هو التأثير في السرب بوصفه منظومة واحدة، لا ملاحقة أقماره واحدا تلو الآخر.
وبين هذه الخيارات كلها، اختارت وزارة القوات الجوية الأمريكية أن تنفق ثلاث سنوات على قدرة مدارية داخل حسابات سرية، ثم أن تعلن عنها في جملة واحدة.
وقد يخطر ببال أحدهم أن الحل هو نقل التشويش نفسه إلى المدار، لكن المسافة تفسد الحساب، فكلما ابتعد جهاز التشويش عن هدفه ضعفت إشارته. فبحسب تحليل نشره موقع "ساتلايت أوبزرفيشن" (Satellite Observation) المتخصص في رصد الأقمار الاصطناعية وتحليل قدراتها، يحتاج جهاز التشويش الموجود في المدار المنخفض، مع افتراض الهوائي نفسه، إلى قدرة إرسال أكبر بنحو 100 مرة كي يترك الأثر التشويشي نفسه الذي يتركه جهاز محمول على طائرة أقرب إلى الهدف.
ويستثني التحليل نفسه حالة واحدة، هي وصلات القيادة التي تتلقى بها الأقمار أوامرها من محطاتها الأرضية، إذ يمكن التشويش عليها من مدار مرتفع بإغراق أقمار سرب كامل وهي تمر فوق تلك المحطات، كما يمكن لقمر صغير أن يقترب من قمر بعينه ويشوّش على وصلة قيادته مباشرة. غير أن الأسراب الحديثة باتت تنقل أوامرها عبر وصلات بين الأقمار نفسها وعبر ترددات أعلى وأكثر توجيها، وهو ما يضعف الطريق الأول، بينما يعيدنا الطريق الثاني إلى معادلة قمر واحد لهدف واحد.
"حين يضيق الطريق المداري، تبقى الطرق الأرخص"
ويبقى خيار ثالث يخطر بالبال، وهو الصاروخ الذي يُطلق من الأرض ليدمّر القمر الاصطناعي. لكن هذا الطريق مغلق بقرار أمريكي، إذ تلتزم واشنطن بعدم اختبار هذا النوع من الأسلحة لأنه يخلّف حطاما يبقى في المدار سنوات ويهدد أقمارها هي أيضا، وقد أكد وايتنغ في الحديث نفسه أن هذا الالتزام ما زال قائما وأن قيادته ستعمل ضمنه.
وحين يضيق الطريق المداري، تبقى الطرق الأرخص، فالسرب الذي يضم مئات الأقمار لا يملك مئات المحطات الأرضية، وغالبا ما تتشارك أقماره البرمجيات نفسها ووصلات البيانات نفسها. وقد جُرّب هذا المسار عمليا في 24 فبراير/شباط 2022، قبل ساعة من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، حين توقفت خدمة الإنترنت الفضائي الأوروبية "كي إيه-سات" (KA-SAT) التابعة لشركة فياسات (Viasat).
وقتها لم يُمس القمر الاصطناعي نفسه، فقد نفذ المهاجم اختراقا أرضيا عبر ثغرة في إعداد جهاز شبكة خاصة افتراضية، ثم أرسل أوامر تشغيل مشروعة إلى عدد كبير من أجهزة المودم المنزلية فمسحت ذاكرتها وأخرجتها من الخدمة، بحسب تقرير الشركة عن الحادث. وامتد الأثر إلى 5800 توربين رياح في ألمانيا فقدت الاتصال بمراكز مراقبتها، وقد نسبت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ودول حليفة الهجوم إلى روسيا.
لهذه الطرق ميزة إضافية يصعب على السلاح المداري منافستها، وهي الغموض. فالتشويش والهجوم السيبراني يصعب إسنادهما إلى فاعل بعينه، بحسب تصنيف مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية لأسلحة مواجهة الفضاء، وقد يمر الأثر على أنه عطل تقني أو تداخل عارض. أما القمر الذي يغادر مساره ويقترب من قمر آخر فيظهر في سجلات كل جهة ترصد المدارات، هواة ومؤسسات، ويصبح تحركه حدثا موثقا بالتاريخ والساعة. والدولة التي تريد أثرا بلا عنوان تجده على الأرض أيسر مما تجده في المدار.
هكذا تكتمل الصورة، سلاح في المدار يصل إلى ما لا تصل إليه الأرض، ويشتبك مع هدف واحد في المرة، ويحتاج أياما ليصل إلى موقعه، في مواجهة خصم يضيف مئات الأقمار كل عام، ويوزع مهامه عليها، ويعوّض ما يفقده. وفي الجهة المقابلة، وسائل أرخص وأسرع تعمل من الأرض، تعطّل مؤقتا ولا تدمّر، وقد جُرّبت في حرب حقيقية.
Loading ads...
يبقى في المشهد ما هو أبعد من السلاح نفسه، فواشنطن قدّمت للعالم قدرة لا دليل عليها سوى الجملة التي أعلنتها، وطلبت أن تُصدَّق، لأن التصديق نفسه، على ما يبدو، هو المقصود من الإعلان، وهي معادلة تعمل مرة واحدة، فالقاعدة التي أرستها هذه الجملة أن الإقرار وحده يكفي، والجملة متاحة لغير قائلها. وحين تقول موسكو أو بكين غدا إن لديها في المدار ما يماثل هذا السلاح، وترفض بالمنطق ذاته أن تكشف عنه، فبأي ميزان ستزن واشنطن كلامها؟ وبأي ميزان نزنه نحن، ونحن الذين تمر فوق رؤوسنا هذه الأقمار كلها، ولا نكاد نراها؟

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


اقرأ أيضاً


"البيع أولا".. شرط يقيد برشلونة في سوق الانتقالات الشتوية

"البيع أولا".. شرط يقيد برشلونة في سوق الانتقالات الشتوية

الجزيرة اقتصاد

منذ ثانية واحدة

0
خطوات التصويت في انتخابات المغرب البرلمانية وموعد النتائج

خطوات التصويت في انتخابات المغرب البرلمانية وموعد النتائج

الجزيرة اقتصاد

منذ ثانية واحدة

0
إضراب عمال نقل المحروقات في تونس احتجاجا على أوضاعهم

إضراب عمال نقل المحروقات في تونس احتجاجا على أوضاعهم

الجزيرة اقتصاد

منذ ثانية واحدة

0
تصعيد عسكري في تيغراي يزيد المخاوف من عودة شبح الحرب لأثيوبيا

تصعيد عسكري في تيغراي يزيد المخاوف من عودة شبح الحرب لأثيوبيا

الجزيرة اقتصاد

منذ ثانية واحدة

0
0:00 / 0:00