ساعة واحدة
ترمب يصعّد ضد المسلمين.. هل يحجب خطاب الهوية الأزمات الاقتصادية؟
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026
على وقع السباق المحموم نحو انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يتجاذب المشهدَ السياسي في الولايات المتحدة تياران متوازيان، أحدهما أيديولوجي بامتياز يرفع راية السجال الثقافي وقضايا الهوية الوطنية، والآخر ميداني يتغذى على الإحباط اليومي للأسر التي ترزح تحت نير أزمات اقتصادية ومعيشية متفاقمة.
وفي قلب هذا المشهد المتوتر، تتصدر إستراتيجية الرئيس دونالد ترمب، ومن أبرز سماتها تلك النبرة التصعيدية التي تجعل المسلمين وبعض الشخصيات الأمريكية محط هجوم مباشر، ولا سيما في ولايات حيوية مثل ميشيغان، وذلك في مسعى يتجاوز مجرد المناكفة إلى محاولة واضحة لتعبئة القواعد الانتخابية المحافظة وحشد طاقاتها الحزبية.
غير أن القراءة المتأنية في التحليلات والاستطلاعات الصادرة عن كبريات الصحف الأمريكية تزيح الستار عن واقع معيشي ضاغط ينخر في الدوائر الانتخابية الأكثر تنافسية، حيث تلتهم موجات التضخم مكاسب الأجور، ويتحول الحلم الأمريكي لدى الكثيرين إلى صراع يومي لتأمين الاحتياجات الأساسية.
وإزاء هذا التباين في المشهد السياسي يفرض سؤال نفسه: هل يمثل التركيز على خطابات الهوية والتصعيد ضد المسلمين إستراتيجية انتصار واعية تهدف إلى رفع معدلات المشاركة الحزبية، أم أنه مجرد مناورة سياسية حذرة لحجب الأنظار عن التبعات الانتخابية الثقيلة للأزمات الاقتصادية المتراكمة؟
تتجلى أبعاد هذا الخطاب في التقرير التحليلي للصحفية جوزيفين ووكر ونشره موقع أكسيوس، حيث سلط الضوء على التجمع الانتخابي الحاشد الذي أقامه الرئيس ترمب في مدينة بورت هورون بولاية ميشيغان لدعم المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ مايك روجرز.
وخلال الفعالية، شن ترمب هجوما حادا ومباشرا على المرشح الديمقراطي عبد الرحمن محمد السيد المعروف باسم "عبدول" الذي يسعى لدخول التاريخ كأول سيناتور مسلم في الولايات المتحدة.
ووفقا للتحليل لم يتردد ترمب في التشكيك في الولاء الوطني لعبدول، محذرا جمهوره بقوله إنه سيكون السيناتور الوحيد الذي يتعين عليه المرور عبر جهاز كشف المعادن قبل السماح له بالدخول إلى القبة البرلمانية، مقرنا ذلك بوصفه بـ"الجهادي" ومرددا ادعاءات بلا أدلة حول سعيه لتطبيق الشريعة أو ارتباطه بجماعات مثل الإخوان المسلمين، وهي اتهامات ينفيها عبدول جملة وتفصيلا.
وتبرز أهمية هذه التصريحات في انتقال المنافسة من مناقشة برامج المرشحين إلى التشكيك في هوية أحدهم وولائه وأهليته السياسية. وينقل الموقع الإخباري عن هاريس تارين، نائب رئيس السياسات والبرامج في مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) اتهامه ترمب وبعض الجمهوريين باستخدام التعصب والعنصرية في حملاتهم الانتخابية، معتبرا أنهم اختاروا إشاعة الخوف بدلا من مناقشة السياسات.
وتوقع تارين أن تأتي هذه الهجمات بنتائج عكسية، سواء على المسلمين الأميركيين وعلى الأميركيين بوجه عام.
وفي المقابل، صرح متحدث باسم البيت الأبيض -لأكسيوس- أن الرئيس "يستهدف المتطرفين الذين يؤججون الانقسام والعنف" مؤكدا أن ترمب "سيواصل النضال بلا تردد من أجل رفعة أمريكا ومواجهة المتطرفين أمثال عبدول دون اعتذار".
لكن الأثر الانتخابي لهذا الخطاب ليس محسوما بعد، فبحسب استطلاع لجامعة ولاية ميشيغان، أشار 38% من الناخبين المرجح تصويتهم إلى أنهم سيكونون أقل ميلا لدعم مرشح مسلم، مقابل 58% قالوا إن ديانة المرشح لن تؤثر في موقفهم.
كما أفاد 52% بأن تزكية ترمب لمرشح بعينه لن تجعلهم على الأرجح يدعمونه، وينقل تقرير أكسيوس عن المستشار السياسي الجمهوري دينيس دارنوي أن خطاب ترمب "لن يُحدث في واقع الأمر تغييرا يذكر في أي من الاتجاهين" في ولاية ميشيغان، حيث سبق للناخبين أن سمعوا من الرئيس تصريحات مماثلة.
وأضاف أن "هذه الإستراتيجية قد تثير حماس قاعدة ترمب الانتخابية وتحشدها" لكنها قد تثني أيضا الناخبين الديمقراطيين من اليهود والأمريكيين السود الذين دعموا هايلي ستيفنز (منافِسة عبدول السيد في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية) عن تأييده في انتخابات الكونغرس التكميلية بعد 5 أيام.
وتقدم ولاية ميشيغان اختبارا عمليا لهذه المفارقة، ففي تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، ترصد الكاتبة الورا بيفريدج مشاعر الأمريكيين العرب الذين صوت بعضهم لترمب بانتخابات 2024، قبل أن يتجهوا إلى مراجعة مواقفهم مع تصاعد الخطاب المعادي لهم.
وكان الجمهوريون قد بذلوا جهودا لاستمالة الناخبين العرب في الانتخابات السابقة، لكن تصريحات ترمب ووزير الصحة روبرت كينيدي جونيور -الذي ادعى "زورا" ودون سند أو دليل أن العرب لم تكن لهم إسهامات في العلوم والأدب- أثارت تساؤلات بشأن قدرة الحزب على الاحتفاظ بهذا التأييد.
وفي مدينة ديربورن التي يشكل العرب الأمريكيون غالبية سكانها، تصف بيفريدج بعض الناخبين الذين دعموا ترمب عام 2024 بأنهم يرون في عبدول مرشحا يضع المصالح الأمريكية أولا، بسبب معارضته المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل وتركيزه على الاقتصاد المحلي.
وينقل التقرير عن مصطفى الجارودي، الذي صوّت لترمب مرتين، وصفه الرئيس بأنه "محتال" لأنه خان شعاره الانتخابي الرافض لخوض حروب جديدة.
وتوضح هذه الشهادة أن التحول في المواقف لا يرتبط بالهوية وحدها، بل أيضا بتقييم الناخبين للسياسة الخارجية والوعود الانتخابية والمصالح المعيشية.
وفي مقال تحليلي -نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"- يفكك الكاتب جيسون رايلي الفرضية القائلة إن تراجع دعم الناخبين من أصول لاتينية أو الأقليات للحزب الجمهوري يعود بالأساس إلى سياسات الهجرة الحادة.
ويستند رايلي إلى بيانات استطلاع -أجرته صحيفة نيويورك تايمز بالاشتراك مع مؤسسة سيينا- أظهرت قفزة في دعم اللاتينيين للجمهوريين من 28% عام 2016 إلى 44% بانتخابات 2024، ليوضح أن هؤلاء الناخبين لم يكونوا مدفوعين بالحوافز العرقية بل بالنتائج الاقتصادية الملموسة التي تحققت في الولاية الأولى لترمب، حيث شهدت أجور العمالة اليدوية وذوي الدخل المتوسط نموا حقيقيا انخفضت معه معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية.
ويستشهد الكاتب باستطلاع حديث لمركز "بيو" للأبحاث، قائلا إن قضايا الهجرة جاءت في المرتبة الخامسة ضمن أولويات الناخبين اللاتينيين خلف الاقتصاد والرعاية الصحية والتعليم ومستقبل الديمقراطية، بينما حلت القضايا العرقية في أدنى قائمة اهتماماتهم.
وخلص إلى أن قطاعات من الطبقة العاملة لم تعد تثق بقدرة ترمب على تحقيق المكاسب الاقتصادية التي وعد بها، مشيرا إلى أن نمو الأجور المعدل وفق التضخم ظل محدودا منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، ضاربا مثالا بارتفاع الأجور الأسبوعية للعاملين بدوام كامل بنسبة 1.5% على أساس سنوي، مقابل زيادة مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 3.5% خلال الفترة التي يناقشها.
ووفق هذا التحليل، فإن الناخبين الذين انجذبوا إلى الجمهوريين بفعل الوعود الاقتصادية قد يعيدون النظر في خياراتهم عندما لا تواكب دخولهم ارتفاع الأسعار.
وتمنح بيانات "واشطن بوست" هذه الحجة بعدا أوسع، ففي تقرير تحليلي مطول أعده 3 من مرسليها، خلصت الصحيفة إل أن 6 من كل 10 أسر في الدوائر الانتخابية المتأرجحة -التي قد تحدد السيطرة على مجلس النواب- لا تملك دخلا يكفي لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية.
وأظهر التقرير أن تكاليف هذه الاحتياجات ارتفعت بنسبة 33% بين عامي 2019 و2024، مقابل زيادة الدخول الوسيطة بنسبة 28%، وأن الدخول لم تواكب التكاليف في 42 دائرة من أصل 46 دائرة تنافسية رئيسية، كما قدّرت الصحيفة أن الميزانية السنوية الأساسية للأسرة بهذه الدوائر تبلغ نحو 92 ألف دولار.
وتشير الصحيفة إلى استمرار الضغوط خلال عودة ترمب إلى الرئاسة، مع ارتفاع الأسعار بنسبة 3.7% على أساس سنوي في سبتمبر/أيلول، مقابل زيادة متوسط الأجور في الساعة بنسبة 3%.
وتنقل "واشنطن بوست" عن ديفيد باليوغوس، مدير مركز الأبحاث السياسية بجامعة سوفولك في مدينة بوسطن، قوله إن الناخب عندما يستشعر الألم المعيشي لا يتردد في محاسبة من يتولى السلطة، وهو ما أيده مارك زاندي كبير الاقتصاديين في شركة "موديز أناليتيكس" بملاحظته أن الضغط المالي أصبح يلقي بثقله على الحالة النفسية الجمعية لأغلبية السكان.
وتكمل هذا المعنى ديان سوونك كبيرة الاقتصاديين في شركة المحاسبة "كيه بي إم جي" (KPMG) بالإشارة إلى أن التضخم المزمن لا يكتفي بإنهاك الميزانيات بل يولد شعورا عميقا بظلم اجتماعي وسياسي ينعكس مباشرة على صناديق الاقتراع.
وتتبدى هذه المعاناة في قصص المواطنين الحية التي يرويها التقرير، كقصة كايلا فاندير فيلي في نيويورك التي اضطرت للعمل نادلة في وظيفة ثانية بأحد المقاهي لتغطية ديون البطاقات الائتمانية وشراء المستلزمات اليومية لأسرتها.
وأوردت الصحيفة أيضا قصة بريان نادون (35 عاما) في ولاية أريزونا الذي اضطر لبيع سيارته وتقاسم مصاريف منزله بعد فقدانه عمله، متسائلا عن الجدوى من استمرار النخب الحاكمة التي جعلت حياة المواطنين أكثر مشقة.
ومن جانبهم، يدافع الجمهوريون عن سجلهم، محمّلين إدارة الرئيس السابق جو بايدن مسؤولية الأزمة، ومشيرين إلى التخفيضات الضريبية وإيجاد الوظائف والاستثمارات بوصفها أدلة على جهودهم لتحسين الأوضاع الاقتصادية.
حملة ترمب التصعيدية ضد المسلمين تأتي ضمن سياق انتخابي تتداخل فيه اعتبارات الهوية مع الضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة في الوعود السياسية، وقد يساعد هذا الخطاب الجمهوريين على تعبئة جزء من مؤيديهم، لكنه قد يكلّفهم في المقابل أصواتا من ناخبين عرب ومسلمين ومن فئات أخرى
وأمام هذه المعطيات الاقتصادية المحبطة، تتوزع التفسيرات الحزبية بين رد واختلاف، فقد أكدت ناتالي بالداساري السكرتيرة الصحفية للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، في تصريح لواشنطن بوست، أن حزبها لم يعطَ الوقت الكافي لإصلاح التركة الاقتصادية الثقيلة التي خلفتها الإدارة الديمقراطية السابقة، مشددة على أن الوضع سيزداد سوءا إذا عاد الديمقراطيون للسلطة.
وقال مايك مارينلا المتحدث باسم اللجنة الوطنية الجمهورية لانتخابات الكونغرس إن الجمهوريين يواصلون العمل على تنظيف هذا الإرث عبر التخفيضات الضريبية وإيجاد الوظائف، مستشهدين بمبادرات مثل توزيع شيكات بقيمة 500 دولار لنحو مليون مواطن تعويضات عن الأقساط التي سددوها لبرنامج "أوباما كير" للرعاية الصحية، وتوفير الاستثمارات لتخفيف العبء عن كاهل الأسر العاملة.
وبدورهم، يصر الديمقراطيون على أن استمرار ارتفاع الأسعار وتآكل دخل المواطن هما النتيجة المباشرة لسياسات الإدارة الحالية، محذرين من أن محاولات تحويل الأنظار نحو صراعات الهوية لن تفلح في حجب الواقع المعيشي الضاغط.
وفي المجمل، تظهر تقارير الصحف الثلاث أن حملة ترمب التصعيدية ضد المسلمين تأتي ضمن سياق انتخابي تتداخل فيه اعتبارات الهوية مع الضغوط الاقتصادية وتراجع الثقة في الوعود السياسية التي قطعها للناخبين.
وقد يساعد هذا الخطاب الجمهوريين على تعبئة جزء من مؤيديهم، لكنه قد يكلّفهم في المقابل فقد أصوات ناخبين عرب ومسلمين ومن فئات أخرى سبق أن دعمت الحزب.
Loading ads...
وفي الوقت نفسه، تشير بيانات تكاليف المعيشة والأجور إلى أن القلق من الأحوال الاقتصادية يظل عاملا رئيسيا في حسابات الناخبين. وتبقى الانتخابات المقبلة، وما ستفرزه من نتائج، الاختبار الأوضح لمدى تأثير خطاب الهوية وما إذا كان سيمنح الجمهوريين مكاسب انتخابية أم أن الضغوط الاقتصادية ستحد من أثره.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

نتنياهو لم يهزم...من سيحكم إسرائيل؟
منذ 3 دقائق
0



