حاجات السوريين كثيرة، ورغباتهم غير محدودة في سوريا ما بعد الأسد، وتعبر عن تناغم غريزي مع وعي متطلبات العيش وبناء المستقبل، وهي امتداد لواقع قديم أفرز تضحيات جسامًا قدمها المجتمع من أجل الفوز ببعض الحاجات المتصلة بكرامته، وبناء مواطنة تقوم على الديمقراطية والحرية والعدالة.
وتحقيق بعض الرغبات ليس بتلك السهولة التي يمكن أن يوفرها نظام الحكم؛ لما تتطلبه من عمل شاق ومضنٍ. لكن الحاجات الأساسية التي تشكل المعيار الحاسم للفوارق بين التخلص من الاستبداد والانتقال إلى نظام حكم غير مزين بجماليات الثورة وشعاراتها، أو اعتبار السلطة معصومة عن الخطأ والنقد، تمثل الإجابة الكاملة عن أحد الحاجات التي تعبّد الطريق نحو المستقبل المنشود، وتتغلب على تناقضات تتراكم وتتداخل مع تحديات شديدة التعقيد، ولا تجد لها حلًا منطقيًا يمنح قيمة كاملة للحقوق والحريات والسياسة، ويمنح المجتمع بارقة أمل.
هذا المحتوى الإجمالي للنصوص السياسية في سوريا الآن يتجلى على مستوى ردّة الفعل الشعبوية التي لاحظناها مؤخرًا في مظاهرات 17 نيسان الحالي، المطالِبة بحاجات السوريين الملحّة، والرد عليها بمظاهرة مضادة.
التحليل البنيوي والمفهومي، الذي يسمح بالتقاط تفاصيل سورية دقيقة ومتكررة منذ سقوط الأسد، يعبر مرة بعد مرة عن المدى البعيد الذي تهرب إليه السلطة الحالية في دمشق لتجاوز مطالب لا مهرب منها، تفرضها حقائق مجتمع منهك بكل شيء، ويائس من تلمس انفراجة عادلة في حاجاته الكثيرة. فالسلطة تتجنب الاقتراب من حدود تفعيل الحياة السياسية في البلاد، وكل الأمور مناطة بعملها «للمرحلة الانتقالية» التي تفتقر إلى السياسة بعد ثمانية عشر شهرًا من تبوء السلطة. فالبرنامج السياسي للدولة، والبحث عن الدستور، والتفعيل الحقيقي للعدالة الانتقالية، ولدور مجلس الشعب، مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، يُتعامل معها كنصوص نظرية لا فائدة منها، على اعتبار أن الشرعية «الثورية» تفعل فعلها في قيادة المجتمع والدولة حاليًا.
هذا المحتوى الإجمالي للنصوص السياسية في سوريا الآن يتجلى على مستوى ردّة الفعل الشعبوية التي لاحظناها مؤخرًا في مظاهرات 17 نيسان الحالي، المطالِبة بحاجات السوريين الملحّة، والرد عليها بمظاهرة مضادة. كما تجلّى في تنميط صورة المتظاهرين بين «فلول» النظام الهارب ومؤيدي السلطة الحالية، وكذلك في التعاطي مع الأحداث السابقة في كل من الساحل والجنوب السوري، وتحديات التدخل الإسرائيلي المباشر فيها.
أضف إلى ذلك العدوان الإسرائيلي المستمر واليومي على السيادة السورية، واحتلال أراضٍ جديدة في الجولان ورسمها بالخط الأصفر كحدود جديدة للتوسع الإسرائيلي. وكلها متناقضات لم يُجرِ التصدي لها كما ينبغي. وهذه ثغرة لا يمكن تجاوزها من دون شك إلا بالعودة إلى نقاط ضرورية للعمل الحاضر، مفادها أن مخلفات النظام السابق في إنهاك المجتمع وتفتيته وتحطيمه يمكن إزالتها عبر تلبية الرغبات الأساسية الضائعة والمهملة. فلا تستطيع أي سلطة مواجهة هذه التحديات من دون مشاركة مجتمع يتمتع بقسط وافر من الحريات السياسية المتنوعة، وبالمواطنة والعدالة والديمقراطية التي تسمح له بانتقاد السلطة وتوبيخها وإسقاطها إن تطلب الأمر.
وعليه، تبدو أي عملية انتقاد للسلطة أو رفع مطالب تتعلق بالإشارة المطلوبة للعافية التي يتطلع إليها السوريون، تواجه غالبًا بحملات تخوين وتهميش وشيطنة، وغوص في مديح السلطة إلى أبعد حدود التيه بينها وبين الدولة والمجتمع، وتحويل هذا التيه إلى سلطة وجدت نفسها وريثة «شرعية وثورية».
إن قيادة السياسة والمجتمع والاقتصاد، وإدارة صراع الملفات المتراكمة والضخمة في سوريا، لا تتم بتجاهل الحقائق السياسية والمعايير الاجتماعية المرتبطة بها، بل من خلال حسم مسألة الحريات والمشاركة السياسية على أسس المواطنة والديمقراطية والعدالة والشفافية، والمحاسبة عن مجمل التجاوزات والأخطاء التي وقعت وتقع فيها السلطة وخصومها.
خصوصية السلطة في سوريا، من وجهة نظر بعض مريديها، أنها تتمتع بشرعية «ثورية» في إسقاط الأسد، وهي وحدها أدخلت تعابير جديدة عن مستقبل ونهضة وعمران وخطط ومشاريع وبناء… إلخ، في سوريا ما بعد الأسد. وتتذرع السلطة بحاجتها إلى وقت لترتيب أولوياتها المتعلقة بملفات العدالة الانتقالية والدستور وحرية العمل السياسي وغيرها، عبر إعطاء أولوية لخطاب الاستقرار وضبط الأمن، والبحث عن مخرجات اقتصادية تنقذ البلاد من هلاك حقبة الأسدين. غير أن اتخاذ شعار «الاستقرار والأمن أولًا»، على أهميته وضرورته، وتقديمه على بقية الأولويات، ثبت أن تجاوزه وإهماله عملية فاشلة، ونتائجها قدمت درسًا يُفترض أن تتعلم منه السلطة القائمة، لا بالاكتفاء بموجة عارمة من المشاعر والآمال التي سببها سقوط الطاغية الهارب فقط، بل أيضًا بالتمسك بما حملته ثورة الشعب السوري وتضحياته من قيم ومثل، وما ناضل من أجله لتحقيق أهداف وأمانٍ لم تعد من علم الغيب، أو رهن التنبؤ بما ستأتي به جهود السلطة والدولة، من دون تنشيط أمور لا غنى عنها لتوطيد التحول الديمقراطي المنتج لمأسسة تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.
مجمل الأوضاع في سوريا تحتاج إلى عناصر مختلفة يكون نطاق جهدها إرساء مناخ ملائم ومريح بين المجتمع والدولة، ويكون عاملًا محوريًا في ميلاد تغيير سياسي يمنح الدولة القدرة على إدارة البلاد ضمن مبادئ وآليات ديمقراطية، تنهي للأبد احتكار السلطة وتأليهها..
سوريا في حقيقتها الراهنة تسير في درب شائك، والاعتراف بثقل المسؤوليات ووعورة الطريق السوري لخصه أصلًا الشعب السوري في ثورته قبل 14 عامًا. وتحقيق كل الأهداف، أو الجزء الذي يمكن البناء عليه في مسير طويل، يتطلب تفعيل الأدوات الملائمة لسلوكه، عبر تعبئة الموارد الضرورية المتاحة. فمكسب السلطة للتأييد الخارجي على حساب مفاعيل سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية داخلية، ومن دون توافر حريات سياسية تعبر عنها أحزاب بانتخابات ديمقراطية تشريعية ونقابية وسياسية ورئاسية، وتأجيل التعامل مع هذه الحقائق، له أثر سلبي على الاستقرار السياسي. كما أن غياب عملية سياسية دستورية تتيح ترسيخ مبادئ المشاركة السياسية يُظهر لنا بشكل جلي كيف يمكن لكوارث الاستبداد الماضي أن تضيء على حاضر مفترض أنه بديل ثوري ويحمل نزعة تحررية من كل ما لحق به من ظلم وجور وفساد وقهر ودمار، سببه الإمعان في تزوير حقائق ومعاناة وحاجات الشعب.
Loading ads...
مجمل الأوضاع في سوريا تحتاج إلى عناصر مختلفة يكون نطاق جهدها إرساء مناخ ملائم ومريح بين المجتمع والدولة، ويكون عاملًا محوريًا في ميلاد تغيير سياسي يمنح الدولة القدرة على إدارة البلاد ضمن مبادئ وآليات ديمقراطية، تنهي للأبد احتكار السلطة وتأليهها، بالإيمان فعلًا بمواطنة وحرية وعدالة السوريين جميعًا، وقدرتهم على المشاركة في صناعة مستقبل بلادهم. وتبدأ هذه العملية بكسر قوالب العزل السياسي لمجتمع يواجه تحديات كثيرة، ومفاتيح المواجهة: كرامة، ومواطنة، وديمقراطية، وحرية وعدالة، تسمح بالتعبير علانية عن مبدأ تعدد الأفكار وحق التعبير عنها بحرية وشفافية، ضمن دستور يصون ويضمن أبرز حاجات الدفاع عن الإنسان ويحميه، ليصون بلاده ضد أطماع المحتل، ومن التفتت والانقسام.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





