2 أيام
بين ضرب الأطفال و"تأنيث التعليم"... أي تعليم نريد لأطفال سوريا؟ - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

"كرأي شخصي أنا مع الضرب لأنه سنة نبوية تربوية"، لم تكن هذه الجملة في حديث عابر بين مجموعة أشخاص في الشارع أو المقهى، بل طرِح هذا الرأي العضو في مجلس الشعب السوري، النائب أحمد إسماعيل أبو الحارث، خلال جلسة انعقدت أخيراً للاستماع إلى وزير التربية والتعليم السوري محمد عبد الرحمن تركو.
وسرعان ما تم تداول المقطع بكثرة، لكونه يقارن بين النظريات الغربية التي تمنع الضرب والنظريات العربية والإسلامية التي تجيزه بتقنين، ويدّعي أنه إذا أصرت الوزارة على تطبيق النظريات الغربية سيكون لها آثار سلبية جداً.
ولاقى المقطع استهجاناً كبيراً بين السوريين، الذين أعادوا نشره والتعليق عليه بسخرية، واصفين الجلسة بأنها أشبه "بستاند آب" كوميدي.
بصراحة، لا يمكن أن نخفي استهجاننا، رغم خفض سقف توقعاتنا من مجلس الشعب الذي لم يكن منتخباً من الشعب بأي حال من الأحوال، لكن في بلد اقتصاده مدمر وغالبية مدارسه تحوّلت إلى ركام بفعل القصف والحرب، هل هذه الأولوية؟ وهل نعمل على "تأديب" الطالب وفرض السيطرة عليه بالضرب بدلاً من إيجاد طرق تربوية حديثة وتطويرها لتكون المدرسة بيئة رعاية حقيقية للطالب السوري؟
واللافت أن عضو المجلس الذي تقدم بالمقترح، ذكر أن لديه 7 مشكلات لكنه فضّل الحديث عن هذه النقطة بالذات، أي ارتأى أنها النقطة الأهم في الوقت الحالي.
وهنا أسأله: ألم يزعجك رؤية مشاهد الطلاب السوريين في بداية العام الدراسي وهم جالسون على الأرض لعدم توافر مقاعد؟
ألم يخطر ببالك أن قرار الارتفاع الكبير بأسعار المحروقات الذي صدر حديثاً سيحول دون تأمين تدفئة لطلاب المدارس في الشتاء، أو حتى وسائل نقل بأسعار معقولة تلائم جيوب أهاليهم؟ وماذا عن الكتب؟ هل تفقدت إذا كان الطالب قد حصل على كتب جديدة يستطيع أن يدرس فيها طوال العام؟
وهل المناهج السورية "ختمتها" بحيث أننا لا نحتاج إلى نقاش حول تطويرها لتلائم المعارف الجديدة والتطور السريع في العالم اليوم؟
هل كان من بين المشكلات السبع التي فضّلت عدم طرحها على الملأ إعادة بناء المدارس في المناطق المدمرة، أم أن كل هذه النقاط استثنيت للحديث عن فرض السيطرة على طفل صغير تعمل كل الاتفاقيات الدولية على حمايته، وتبحث كل الأطراف عن توفير الأمن والأمان والتعليم الجيد له، لكن إذا كان حظه أن وُلِد في هذه البقعة الجغرافية، فسيصطدم بمقترح يشجع على ضربه لتأديبه؟
هذا الأمر في الحقيقة قد لا يدعو إلى الاندهاش بشكل كبير، وذلك لأن المادة 185 من قانون العقوبات السوري، تُبيح الضرب من الأهل والأساتذة بغرض "التأديب".
فإذا كان القانون يتضمن هذا الأمر، ما الذي يمنع طرح مقترح كهذا؟ خصوصاً أنه طُرِح بهدف إعادة التفعيل.
وزير التربية قابل المقترح بجملة: "أرفض الضرب بكل المدارس"، لكن هذا التصريح غير كافٍ، فما يجب فعله جدياً هو إعادة النظر بمادة القانون التي تُبيح الضرب وتُشرّعه والعمل على إلغائها، لأن هامش التأديب يختلف بين بيئة وأخرى، ما يعطي المجال لبعض الأهالي كي يعنفوا أطفالهم بطرق تتماشى مع رؤيتهم للتأديب وبحماية قانونية.
لا نريد أن نستيقظ يوماً على فاجعة خبر فقدان طفل سوري أثناء "تأديبه" بعد كل مآسي الفقدان التي عانينا منها على صعيد الحرب ومخلّفاتها التي تحصد روح طفل يلعب هنا وآخر هناك.
لم تحمل الجلسة هذا المقترح "المعيب" وحده فحسب، بل تقدم عضو آخر باقتراح يقضي بضرورة زيادة الذكور في الكادر التدريسي حتى ممن تجاوز سنهم 60 عاماً، زاعماً أن وجود الإناث كمعلمات وموجّهات ومديرات يجعل شخصية الطالب "ضعيفة"، وقد وصف الظاهرة ب"تأنيث التعليم"، مرفقاً حديثه بجملة: "أنا لا أنتقص من حق النساء".
لن أطرح تساؤل حول الأولويات هنا، بل سأكتفي بطرح مشهد لتخيّله: أن تتوقف المرأة عن الاستيقاظ في الصباح الباكر لإيقاظ الأبناء، وأن تتوقف عن إعداد الطعام لهم، وأن تنام دافئة مطمئنة في سريرها، ألا تتابع تدريسهم في المنزل، ألا تنصح أو توجّه أو تعلّق، وأن تترك الطفل ليربى في كنف الذكور والرجال، واتباع ما اقترح أحدهم في جلسة لمجلس الشعب السوري: تفعيل الضرب بحجة "التأديب".
هل سيكون في ذلك خلاصاً لشخصية الطفل من "الضعف"؟
هل سيكون هناك شخصية للطفل أصلاً إذا غابت الأم التي لا يقتصر دورها في أي مكان على الحمل والولادة فقط، بل على رعاية طفلها بكل حواسها وعواطفها النبيلة، وتوجيهه بعقلانيتها؟
من المبكي أن نرى في سوريا الجديدة هذا المشهد، رغم كونها مقترحات فقط، لكنها تُناقش في مكان يُفترض أن يحمل جالسوه من الوعي ما يكفيهم لاتخاذ قرارات تخص بلداً بأكمله خرج منهكاً بعد حرب طويلة استنزفت الكبير والصغير، وتركت علاماتها ومآسيها وندوبها في الشوارع والوجوه والقلوب.
المقترحات هذه ليست كلاماً والسلام، بل تدعو بجدية إلى دق ناقوس الخطر لإيقافها، فلا هذه سوريا التي نريد ولا هذه المعاملة التي نرغب فيها لأطفالنا ومعلماتنا.
كفى بنا انتقاصاً من حق المرأة السورية التي حملت خلال سنوات الحرب العبء الأكبر لإعالة عائلتها والحفاظ عليها بعد فقدان الرجال بين شهيد ومعتقل ومفقود.
فكيف أصبحنا نشك فجأة في قدرتها على بناء شخصية قوية للطفل؟
ربما خلاصنا الوحيد يكمن في بعض الأصوات العقلانية التي تبرز كبقعة ضوء وسط العتمة، كحال عضو مجلس الشعب، الدكتور عبدلله العبدلله والذي طالب برفع رواتب المعلمين في سوريا، مذكراً بأن الفضل بما وصل إليه اليوم هو وكل الأعضاء تحت قبة المجلس، يعود إلى المعلم الذي قام بتعليمه منذ المراحل الأولى.
Loading ads...
وهنا نستقرئ التوازن والعقلانية والمطالب المحقة والأولويات السليمة التي يجب أن نتبعها، لعلّ وعسى تستطيع سوريا أن تنهض من تحت الركام وتعيد بناء نفسها حجراً بحجر بيد كل طفل وامرأة ورجل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





