ساعة واحدة
سراب “البحار الأربعة”.. ما واقعية الطرح السوري كبديل مضيق هرمز؟
الإثنين، 15 يونيو 2026
في كل مرة تتصاعد فيها التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتعود المخاوف من اضطراب الملاحة بمضيق هرمز، تتجدد الأطروحات حول البدائل المحتملة لهذا الشريان الذي يمر عبره ما يقارب خُمس استهلاك العالم من النفط وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، وفق بيانات “وكالة الطاقة الدولية” وإدارة معلومات الطاقة الأميركية.
وبعد اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى إلى واجهة الأحداث منذ شباط/فبراير الماضي، برزت مجدداً أطروحات تتحدث عن إمكانية استفادة سوريا من التحولات الجيوسياسية الجارية والتحول إلى ممر إقليمي بديل للطاقة والتجارة بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا.
تكتسب هذه الأطروحات زخماً إضافياً في ضوء ما يواجهه الاقتصاد العالمي من صدمة طاقة غير مسبوقة دفعت القوى الدولية والإقليمية للبحث بشكل محموم عن مسارات بديلة لتأمين تدفقات النفط.
وفي خضم الأزمة التي تواجهها الأسواق العالمية، سارعت حكومة الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع خاصة مع إعادة تموضع البلاد منذ رفع جزء من العقوبات الغربية واستعادة دمشق علاقاتها مع عدد من الدول الإقليمية، نحو تسويق دمشق كطوق نجاة استراتيجي وممر بري وبحري قادر على ربط الخليج العربي والعراق بالبحر الأبيض المتوسط.
في قبرص، خلال كلمته بقمة الاتحاد الأوروبي الطارئة، نيسان/أبريل الماضي، قدم الشرع طرحاً بدا للوهلة الأولى كأنه انتشال لحلم قديم من تحت أنقاض الحرب، حيث اقترح إحياء مشروع “البحار الأربعة” القديم، الذي يقوم على جعل سوريا نقطة وصل للتجارة والخدمات اللوجستية عبر السكك الحديدية والطرق وخطوط الأنابيب التي تربط بين المسارات البحرية في البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين والخليج، مما يمكن سوريا من أن تصبح مركزاً لإعادة توزيع الطاقة.
وخلال القمة العربية الأخيرة في المنامة، أيار/مايو الماضي، قال الشرع في تصريحات له تناقلتها وكالات الأنباء، إن “سوريا تمتلك من الموقع والبنية ما يؤهلها لتكون ممراً بديلاً آمناً لطاقة الخليج”، لتحمل كلماته في طياتها أكثر من مجرد دعوة استثمارية، بل محاولة لإعادة تعريف بلد مزقته الحرب على أنه حل لمشكلة عالمية وضامن لأمن الطاقة العالمي .
ومن المتوقع أن تقدم سوريا الطرح ذاته خلال مشاركة محتملة للشرع في قمة مجموعة السبع التي تستضيفها فرنسا وبدأت أعمالها صباح اليوم الاثنين، حيث صرح أحد المسؤولين السوريين بأن مشاركة بلاده في المحادثات ستركز على الأرجح على دور الدولة باعتبارها “مركزاً استراتيجياً محتملاً لسلاسل الإمداد” بعد إغلاق مضيق هرمز وتوقف حركة الملاحة عبره.
هذا الخطاب الطموح، حين يتم التدقيق فيه وفي واقع البنية التحتية السورية المنهارة، يكشف عن الفجوة الهائلة بين الطموح السياسي والقدرة التنفيذية، مما يجعله أقرب إلى محاولة هروب إلى الأمام لانتزاع شرعية دولية واستثمارات خارجية أكثر منه مشروعاً واقعياً قابلاً للتطبيق.
فبالنظر إلى أهمية مضيق هرمز، نجد أن بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية تشير إلى أن المضيق كان يعبره نحو 21 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات البترولية يومياً، وهو ما يمثل قرابة 21 بالمئة من استهلاك البترول العالمي.
لذا من الصعب أن يتحول هذا الحجم الهائل من تدفقات الطاقة ونقله خلال مسارات برية أو العبور من أراض أنهكتها الصراعات، وورثت بنية اقتصادية وفساداً مؤسسياً مدمراً منذ عهد نظام بشار الأسد، فتبدو الفجوة واسعة بين الطموح السياسي والواقع الاقتصادي.
وحتى مع بروز تقارير صحفية حديثة، مثل ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، حول تحول سوريا إلى ممر اضطراري لبعض الشاحنات والصهاريج القادمة من العراق باتجاه مصب بانياس السوري، فإن هذه الحركة تظل قطرة من الاحتياجات العالمية، إذ تشير البيانات إلى أن العبور اليومي لقرابة 400 شاحنة صهريج يصطدم مباشرة بـ “محدودية سعة خزانات التخزين” في ميناء بانياس، وهو عائق هيكلي يحول دون تحويل هذا المسار من ممر إغاثي طارئ ومحدود إلى بديل استراتيجي مستدام.
ورغم التحسن النسبي الذي شهدته حركة الموانئ السورية مؤخراً، فإن الأرقام المتاحة ما تزال بعيدة عن مستوى الموانئ المنافسة في المنطقة، فقد أعلنت السلطات السورية أن مرفأي اللاذقية وطرطوس سجلا ارتفاعاً في حركة السفن والبضائع خلال الربع الأول من عام 2026، إلا أن أحجام التداول فيهما تبقى محدودة مقارنة بموانئ إقليمية مماثلة، كما أن غياب شبكات السكك الحديدية العابرة للحدود وتعطل أجزاء واسعة من البنية اللوجستية يجعل من الصعب تحويل هذه الموانئ إلى مراكز إقليمية خلال فترة قصيرة.
تتجلى معالم العجز اللوجستي، في تقارير “البنك الدولي” المعنية بتقييم أضرار البنية التحتية في سوريا، والتي تؤكد أن قطاع النقل وشبكات السكك الحديدية والطرق الدولية تعرضت لدمار يتجاوز 40 بالمئة من طاقتها التشغيلية، وأن تكلفة إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية للطاقة والنقل والمياه تحتاج وفقاً لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، إلى تمويل فلكي يتراوح بين 250 إلى 400 مليار دولار.
و في ظل هذه الأرقام الضخمة، يصبح الحديث عن تحويل سوريا إلى مركز لوجستي عالمي بديل لمضيق هرمز نوعاً من المبالغة الجيوسياسية التي تتجاوز المقومات المادية والمالية الراهنة للدولة.
بينما تعزز بعض التصورات الدولية هذا الطرح، إذ أشارت وثيقة أميركية نشرت مجلة “المجلة” مضمونها إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يؤهلها للعب دور محوري في مشاريع نقل الطاقة الإقليمية، مستفيدة من موانئها المطلة على البحر المتوسط وموقعها الرابط بين الخليج والعراق من جهة، وتركيا وأوروبا من جهة أخرى.
وتستند هذه الرؤية إلى عدة مشاريع مطروحة، أبرزها إعادة إحياء خط كركوك-بانياس لنقل النفط العراقي إلى المتوسط، ومشروع خط الغاز الواصل بين الخليج وتركيا عبر الأراضي السورية، إلى جانب خط غاز أذربيجان-كيليس-حلب الذي دخل الخدمة عام 2025، فضلاً عن مقترحات لتوسيع خط الغاز العربي وربطه بالأسواق الأوروبية عبر تركيا، بما يعزز من أهمية سوريا المحتملة كممر إقليمي للطاقة.
إن ما يطرح بشأن تحول سوريا إلى ممر بديل للطاقة يُقدم في كثير من الأحيان بوصفه فرصة قادرة على إحداث تحول جذري في الاقتصاد السوري، إلا أنه يتجاوز حدود التقييم الاقتصادي الواقعي ويمنح الموقع الجغرافي السوري قدرة أكبر مما يستطيع تحقيقه فعلياً على الأرض، بحسب ما يرى الباحث والأكاديمي الدكتور مسلم طالاس، في تصريح خاص لـ”الحل نت”.
وأوضح أن الموقع الاستراتيجي لسوريا يمنحها بلا شك أهمية جيوسياسية متزايدة في ظل سعي القوى الإقليمية والدولية إلى إيجاد مسارات بديلة لنقل الطاقة والتجارة وسط بيئة دولية تتسم بارتفاع المخاطر والتوترات، غير أن الأهمية الجغرافية لا تعني بالضرورة تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة أو انتشال الاقتصاد من أزماته البنيوية العميقة.
وأضاف أن التجارب الدولية تظهر أن الدول التي استفادت من موقعها الجغرافي لم تحقق الازدهار بسبب مرور خطوط النفط أو الغاز عبر أراضيها فحسب، وإنما لأنها امتلكت مؤسسات قوية واقتصادات منتجة وقدرة على توظيف هذه المزايا ضمن استراتيجيات تنموية متكاملة، مشيراً إلى أن العوائد المتوقعة من رسوم العبور والخدمات اللوجستية المرتبطة بمشاريع الطاقة والنقل، حتى في أفضل السيناريوهات، تبقى محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات الاقتصادية الهائلة التي تواجهها سوريا بعد أكثر من عقد من الصراع.
بيّن طالاس أن تقديرات صادرة عن منظمات دولية ومؤسسات مالية دولية تشير إلى أن كلفة إعادة الإعمار وإعادة تأهيل البنية التحتية السورية تقدر بمئات المليارات من الدولارات، وتشمل قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمياه والنقل والإسكان والصناعة والزراعة، الأمر الذي يجعل من مشاريع العبور والطاقة مصدراً إضافياً للدخل وليس رافعة اقتصادية قادرة بمفردها على تغيير المشهد الاقتصادي أو معالجة الاختلالات الهيكلية المتراكمة.
وأكد أن التنمية الاقتصادية الحقيقية لا تأتي من الخارج عبر الموقع الجغرافي أو الاهتمام الدولي فقط، بل تبدأ من الداخل عبر بناء مؤسسات مستقرة وتعزيز الحوكمة الرشيدة وخلق بيئة قانونية وإدارية جاذبة للاستثمار، لافتاً إلى أن البيئة الاستثمارية السورية ما تزال تواجه تحديات جوهرية تتعلق بالشفافية وآليات اتخاذ القرار وتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات، فضلاً عن استمرار وجود مراكز نفوذ اقتصادية وسياسية متداخلة، إضافة إلى تفاوت مستويات الاستقرار الأمني بين المناطق.
وأشار إلى أن المؤشرات الاقتصادية الحالية لا تعكس اقتراب الاقتصاد السوري من طفرة تنموية واسعة، إذ ما تزال تحديات التضخم وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وضعف الاستثمار الإنتاجي قائمة، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى دورة استثمارية حقيقية قادرة على خلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة.
وختم بالقول إن معيار النجاح في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقاس بعدد خطوط الأنابيب أو المشاريع العابرة للحدود، بل بمدى التقدم في بناء دولة المؤسسات والقانون، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوحيد المرجعيات الاقتصادية والإدارية، مؤكداً أن أي ميزة جغرافية أو مشروع طاقة لن يتحول إلى قيمة اقتصادية مستدامة ما لم تتوافر هذه الشروط الأساسية، وإلا فإن الرهان على ممرات الطاقة سيبقى أقرب إلى خطاب سياسي متفائل منه إلى رؤية اقتصادية تستند إلى معطيات الواقع ومؤشراته الفعلية.
في موازاة ذلك تشير بيانات حديثة إلى أن الإنتاج السوري المحلي من النفط لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات الداخلية، في حين تستمر البلاد في الاعتماد على الواردات الخارجية لتلبية الطلب المحلي على المشتقات النفطية، كما أن البنية التحتية الخاصة بالنفط والغاز تعرضت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، الأمر الذي يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها قبل التفكير في تحويلها إلى ممرات تصدير إقليمية.
علاوة على ذلك تبرز المعضلة الأمنية باعتبارها العقبة الأكثر حساسية أمام طموحات حكومة الشرع التي تقدم صورة تفيد بأن دمشق باتت “جسراً للأمان”، في وقت يستمر فيه التوتر بين سوريا وإسرائيل، فضلاً عن هشاشة البيئة الأمنية في عدد من المناطق الحدودية، فضلاً الاحتقان الطائفي بين السوريين أنفسهم، إلى جانب التهديدات الأمنية التي يحدثها خلايا تنظيم “داعش” الإرهابي بين الحين والآخر.
وتكشف تصريحات الشرع التي وضع فيها المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه انتهاكات إسرائيل للسيادة السورية عن عجز الحكومة عن حماية هذا “الممر البديل المفترض”، في وقت يبحث فيه العالم عن بدائل آمنة ومستقرة، خاصة وأن الممرات الدولية للطاقة تحتاج إلى استقرار طويل الأمد يمتد لعقود، بينما ما تزال البيئة الإقليمية المحيطة بسوريا عرضة لتقلبات سياسية وأمنية يصعب التنبؤ بمسارها.
وتزداد صعوبة الرهان على سوريا عند مقارنتها بالبدائل الإقليمية القائمة بالفعل، والتي سبقتها بسنوات طويلة من التخطيط والاستثمار، فالسعودية تمتلك خط الأنابيب الممتد بين شرق المملكة وغربها بطاقة تصل إلى ملايين البراميل يومياً، ما يسمح بتجاوز مضيق هرمز عند الحاجة، كما تمتلك الإمارات خط حبشان-الفجيرة الذي ينقل النفط مباشرة إلى بحر العرب خارج نطاق المضيق، وفي المقابل، تتقدم مشاريع النقل والطاقة في تركيا والعراق بوتيرة أسرع مدعومة باستثمارات ضخمة وشبكات بنية تحتية أكثر تطوراً.
وبالتالي، وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الحديث عن دور سوري محتمل في نقل الطاقة كبديل عن مضيق هرمز، وبعيداً عن أنه بات سيُفتتح تدريجياً وسط الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، لا يزال في إطار التصورات المستقبلية أكثر منه مشروعاً قابلاً للتنفيذ في المدى القريب. وبناءً على تقديرات المراقبين، يبدو أن الاهتمام الدولي المتزايد بالموقع الجغرافي لسوريا يأتي في سياق البحث عن مسارات إضافية وآمنة للطاقة في ظل التوترات التي تشهدها الممرات البحرية في المنطقة.
Loading ads...
كما أن الطروحات المتداولة لا تتحدث عن استبدال مضيق هرمز بشكل كامل، بل عن إمكانية الاستفادة من الأراضي السورية كجزء من شبكة أوسع لخطوط النقل والتصدير، وذلك في حال لم تتوافر بدائل أفضل وذات بيئة أمنية وبنية تحتية أكثر استقراراً.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

