منذ أيام خطر ببالي سؤال شخصي يتعلق بذكرياتي السورية، وهو: لماذا فكرتُ يوماً ما بشراء مسدس؟ "كانت مجرّد فكرة"، وذلك عندما كنتُ أعيش في سوريا.
نبشتُ ذاكرتي المتعبة بالتفاصيل، واخترتُ أسهل الأجوبة، وهو: كنتُ أريد حماية نفسي وعائلتي.
الحقيقة أنّ الجواب العميق للسؤال السابق هو الخوف. نعم، الخوف العام من كل شيء. كنتُ، مثل الملايين، خائفاً من السلطات، كل السلطات، بمن فيها السلطة الاجتماعية، ففي بلد يمكن أن تحدث فيه مجزرة بسبب شجار جماعي، عليه أن يعيد على نفسه طرح كل الأسئلة دفعة واحدة.
والسلاح وشرعية امتلاكه وإمكانية استخدامه من قبل الدولة، هو من أهم الأسئلة الواجب طرحها. وأقصد ليس فقط جانب السلاح، إنما مفهوم الدولة. لنعترف جميعاً أنّ في سوريا لم تُبنَ دولة حقيقية، وبناء الدولة ليس لعبة نرد أو طرنيب يمكن أن تنهيها في ساعات، إنما هو إرادة مجتمعية يقوم بها نخب متخصصون، ولعلّ مرحلة التأسيس لبناء مفهوم الدولة هي الأصعب، وأقصد هنا التأسيس الدستوري والقانوني.
كم عدد الذين قتلوا في سوريا بسبب الرصاص الطائش في الأعراس؟ والحقيقة أنّه ليس هناك رصاص طائش، إنما عقل طائش يرى الفرح مقترناً بالرصاص وإطلاق الرصاص.
دعونا نبسّط المسألة والأفكار أكثر، وندخل إلى الحاضر السوري الحالي، ونتساءل: هل يمكن للسلطة الانتقالية الحالية أن تطلب من كل الفئات الاجتماعية تسليم سلاحها للسلطات المعنية، بمن فيهم العشائر والقبائل السورية؟ وأقصد هنا كل سلاح فردي أو متوسط غير مرخص.
الجواب واضح، ونعرفه جميعاً. ومن هنا تبدو اللعبة مخيفة أكثر، خاصة حين نعرف أن فكرة السلاح متغلغلة في الوجدان الجمعي السوري بطريقة يصعب حصرها أو حتى بحثها حالياً، ويكفي أن نراقب قليلاً قاموسنا اللغوي وقاموس اللهجات المحلية، ونحصي كمية المفردات والأمثال التي تشجع على حمل السلاح، لنعرف مدى وحجم هذا العنف الموجود في كل مكان.
فحتى تاريخه، يمكن لنا السؤال: كم عدد الذين قتلوا في سوريا بسبب الرصاص الطائش في الأعراس؟ والحقيقة أنّه ليس هناك رصاص طائش، إنما عقل طائش يرى الفرح مقترناً بالرصاص وإطلاق الرصاص.
في أحد جوانبها تبدو المسألة، أي السلاح وحصره بيد الدولة، معقدة وصعبة، لكن في جانب آخر يجب أن نراها عبارة عن طريق طويل يجب أن نسلكه من الآن، وخاصة في محتواه التعليمي. فيجب أن يتعلم الطفل، ومنذ مرحلة التعليم الأساسي الأولى، قيم احترام حقوق الإنسان ومبادئه، وقيم السلام الاجتماعي والفردي، ونبذ فكرة الانتقام الفردي، وتكريس قيم العدالة والمساواة. وفي موازاة مسار التعليم، يجب أن تكون قد بدأت مسارات أخرى تتعلق بتأسيس فكرة وقواعد الدولة الحديثة، وتطبيق القانون الوضعي.
في بلد مثل سوريا، تتشابك فيه القضايا والتعقيدات، ويصبح فرز الأولويات من أصعب تحدّيات المرحلة، لا بدّ أن نبدأ من تكريس فكرة السلام المجتمعي، وتأسيس فكرة الهوية الوطنية السورية، وتدعيمها بمسارات ثقافية وقانونية وسرديات اجتماعية تقوم على فكرة السلام. وأن زراعة شجرة في حديقة عامة ضرورة حياتية.
وفي بلد تكرست فيه قيم الذكورة والأبوية وتهميش المرأة، ليس من السهل أن تبدأ بمناقشة قيم الحريات العامة والمساواة، خاصة أن التهديم العام لم يكن فقط عمرانياً، إنما كان تهديماً لكل قيمة حياتية ومعنوية كبرى. فمن براميل الأسد وسلاحه الكيماوي إلى جرار الغاز، كانت هناك بشر تموت وكأنّ كل شيء بلا معنى، وخاصة قيمة الإنسان.
فكلما علت قيمة الإنسان، أصبح السلاح في الظل، وبيد الدولة فقط، وأصبحت شروط استخدامه مسألة جداً معقدة ومحسوبة.
وقبل أن تعلّم البشر تفكيك وتركيب السلاح، يجب أن تعلّم الناس قيمة الحياة وضرورة الحفاظ عليها، فلا توجد حياة رخيصة وحياة غالية، إنما الحياة مقدسة عند الجميع.
في مقابل هذا الواقع الاجتماعي المعقد، تصبح فكرة مناقشة حصر السلاح وتسليمه لسلطات معنية مرهونة بتحولات حقيقية على الأرض على صعيد تأسيس بناء الدولة، فلا يمكن أن تطمئن خائفاً والقاتل ما زال حراً طليقاً..
توجد في الوجدان العام السوري صورة رمزية للسلاح، حيث يتماهى هذا الأخير مع صاحبه، ويكفي أن نراجع أغاني الثورة الفلسطينية مثلاً، وغيرها من ثورات في المنطقة، لنسمع عشرات الأغاني التي كانت تقدس السلاح. وجاء ما أُطلق عليه "المقاومة" وتكريس السلاح والإرهاب بيد ميليشيات طائفية، وفي مقابلها كانت ميليشيات ابن لادن تكرس الإرهاب عبر سلاحها. وهل يمكن أن ننسى تلك الصورة الشهيرة لابن لادن مع بارودته الروسية؟
في مقابل هذا الواقع الاجتماعي المعقد، تصبح فكرة مناقشة حصر السلاح وتسليمه لسلطات متخصصة مرهونة بتحولات حقيقية على الأرض على صعيد تأسيس بناء الدولة، فلا يمكن أن تطمئن خائفاً والقاتل ما زال حراً طليقاً، ولا يمكن أن تعمّر وطناً من ركام العنف والذكورة والانتقام العشوائي.
وفي اللحظة السورية التي لا نُحسد عليها، حيث انفلات السلاح والعنف والتعبير عنه سهل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يكفي أن تقرأ كمية التعليقات الطائفية والأخطاء النحوية واللغوية فيها، التي تشجع على قتل مكوّن اجتماعي كامل، لنعرف حجم الخراب الذي نحن فيه، فثمة قطعان من الجهلة تشترك ربما مع جيوش إلكترونية، لا يعرف أحد أين تعمل ولصالح من تعمل.
Loading ads...
الفكرة بديهية جداً: يجب أن نبني دولة، والدولة لا تُبنى بعقلية "نحن الدولة ولاك"، ولا بعقلية "نحن سنحكمكم إلى يوم القيامة"، ولا بعقلية "من يحرر يقرر". من يبني الدولة نخب قانونية وحقوقية وثقافية وسياسية وإعلامية سورية، وبمساعدة تقنية من منظمات عالمية أممية متخصصة، وما نعيشه الآن على الأرض، للأسف، لا ينتمي لمسار بناء الدولة. وحين نؤسس دولةً حقيقيةً، آنئذٍ يكون السلاح بيدها فقط. آنئذٍ ستصبح أعراسنا حقيقة، وغايتها الفرح، أي دون ضحايا ودون رصاص طائش.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

