يقول نابليون بونابرت في قول منسوب له: "كان الزهوُ سببًا رئيسًا للثورة الفرنسية، لا السعي إلى الحرية".
لا أريد أن أختبر صحة قول نابليون في الحالة السورية المعقدة، لكنني أريد أن أتوقف عند مفهوم "الزَّهْو" ذاته في سياقنا السوري. فالزهوُ ليس تميّزًا ولا اعتزازًا مشروعًا، وهو يختلف عن مشاعر الفخر، بل أرى أن الزهو مظهر من مظاهر الاحتفال العدواني بالتفوق على الآخرين، حتى ولو كان هذا التفوق هشًّا أو مزيفًا أو مؤقتًا أو من النوع الاستهلاكي والبخس.
لا تكمن مشكلة الزهو في أنه عيب أخلاقي فردي، بل في كونه وضمن سياقنا السوري الكارثي قد تحول إلى ثقافة عامة وبنية اجتماعية؛ فالزهو، وهو رديف للغرور في اللاهوت المسيحي أحد الخطايا السبع المميتة، ليس لأنه محض صفة سيئة، بل لأنه جذر تتفرع عنه بقية الشرور مثل الكراهية، والإقصاء، والاستعلاء، واحتقار الآخر؛ فالغرور أو الزهو، حينما يتحول إلى بنية، لا يعود انفعالًا فرديًّا، بل يصير نظامًا أخلاقيًّا مقلوبًا، وهو وصفة للحرب، وهنا تبدأ بعض فصول الحكاية السورية.
واحد من المشاهد الذي يتكرر دومًا في يوميات السوريين إبان حكم الأسدين، حافظ وبشار، هو استعراض رجال الأمن وعناصر المخابرات والمتنفذين في الحكومة للسلاح الفردي على الخاصرة..
أرى أن المجتمع السوري يعيش ظروفًا هي ما قبل ظروف مجتمع الدولة الحديثة، بوصفه مجتمعًا متخمًا بإرث الحروب القديمة. والحرب بهذا المعنى ليست اشتباكات عسكرية مسلحة وحسب، بل إنها نمط تفكير عدائي وسلوك يبحث عن انتصارات ولو وهمية، لأنها تقوم على أساس الصراع لا التنافس، والقوة الصرف لا العدل.
في مدننا وأريافنا تتكوّن الأحياء والقرى من تكتلات قادمة من نزاعات قديمة، مناطق تفتقر إلى التنمية، وإلى وسائل الرفاهية التي يجب أن تكون متاحة للجميع، وتعاني من ترهل في المباني والبنى التحتية، والقوة هي المرجع النهائي في أي نزاع، وبالتالي فإن العلاقات اليومية نفسها تتلوّن بلغة الحرب. ففي مجتمع الحرب لا يمكن تحصيل الحق إلا بانتزاعه، ولا تُحترم الكفاءة إلا إذا كانت مسنودة بقوة نافذة. ومن الصعب أن يتم تقييم الإنسان بما يعرف، بل بمن يعرف، ولأي فريق ينتمي وعلى أي ضفة يقف.
في ظل هذه الأجواء من الحرمان، والقلة أو الندرة، يتحول "الزهو" إلى أداة رمزية لإعلان التفوق على الآخرين، كما كان المنتصر في المعركة يطوف برأس خصمه قديمًا، وإن استبدلنا الرأس بأي شيء آخر، وكثيرًا ما حصلتْ في شوارع السوريين مشاهد استعراضيّة لا تقل وحشية عن هذا المشهد، بل انتقلتْ إلى عالم السوشيال ميديا وصارت مواقع التواصل مسرحًا لكل مشاهد الاستعراض والزهو العدمية.
واحد من المشاهد الذي يتكرر دومًا في يوميات السوريين إبان حكم الأسدين، حافظ وبشار، هو استعراض رجال الأمن وعناصر المخابرات والمتنفذين في الحكومة للسلاح الفردي على الخاصرة، كما كان استعراض البذخ ومظاهر الغنى والرفاهية لبطانة الحكم ولا سيّما أبناء المسؤولين –ورغم ما فيه من ابتذال– أثر ذلك في تأليب الناس وترسيخ مشاعر الحرمان والقلة. وانتقل هذا الاستعراض إلى بطانة الفصائل والميليشيات العسكرية وغيرها من أفراد المنظمات العاملة في الشأن السوري سواء سياسية أو غير سياسية. لقد وقعوا في سلة تين جميعًا، غير آبهين بمن جرفته شلالات الدم.
لم يتم تفكيك هذه البنية في ظل حكم البعث ونظام الأسدين، ولا لاحقًا، بل على العكس من ذلك، تم ترسيخها وأُعيد إنتاجها، فالامتيازات تُمنح بالولاء، والمناصب من نصيب الأقارب، والخدمات العامة التي هي حقوق يتم الحصول عليها بالضغط. أمام أفران الخبز، وفي الدوائر الرسمية، وفي المؤسسة العسكرية، وفي الإعلام، وفي هياكل الحزب والمنظمات الشعبية، وبالتالي؛ فكلما أتقن المرء الاستعراض والزهو حصل على فوائد أكثر. فالزهو هنا ليس سلوكًا طارئًا، بل مهارة اجتماعية لازمة لاستعراض القوة وتحصيل الحقوق. والنتيجة أن من تعرّض للزهو تبنّاه لاحقًا؛ فالضحية حينما تُمنح موقعًا صغيرًا تُعيد تمثيل الدور نفسه الذي قُهرت به. هكذا صار الغرور عدوى جماعية. وهذا ما نراه الآن في عين الواقع.
الحرب لا تقتل فقط، بل تعمل على تضخيم الأنا، وفي الأجواء التي تكون فيها كل الأناة متضخمة تشتعل الصراعات والحروب التي تقتل، وهكذا هو الحال بينما نشهد الفوضى الحالية في وطننا وضمن هياكل مجتمعنا، في شوارعنا وساحاتنا حيث يندلع عراكٌ دمويٌّ وبالأسلحة لأسباب لا قيمة لها. فالسلاح يمنح شعورًا زائفًا بالأهمية والسطوة، والدعم من جهة نافذة يمنح شعورًا بالتميز والاستحقاق. والخطاب الأيديولوجي يمنح شعورًا بالاصطفاء. وفي لحظة الانتصار، ولو كان على شاب أعزل، تبدأ عملية الزهو.
نرى ذلك لدى فصائل وألوية عسكرية من جميع الجبهات، من المعارضين السابقين، والموالين للنظام كانوا يتباهون بقربهم من مركز السلطة والقوة، وميليشيات عابرة تزهو بقربها من الله، وفنانون طالما استعرضوا علاقاتهم مع السلطة وضباط الأمن.
ما يعني أن كلّ طرف يمارس نسخته الخاصة من الزهو، وهنا تتلاقى الفكرة اللاهوتية مع السيكولوجية بأن الغرور حينما يصبح بنية جمعية؛ يتحول إلى منظومة حرب وشر ودمار.
هل يمكن لمجتمع لم يحسم معاييره بعد أن يتجاوز مشكلة تبدو هامشية مثل استعراض مظاهر الزهو؟ هل يمكن تفكيك الغرور الجماعي الذي يريد أن يقول أنا أفضل من الآخرين ولي حقوق أكثر من الآخرين، من دون تفكيك ثقافة الحرب ذاتها؟
يبدو الزهو شكلًا من أشكال التعبير عن القوة، لكنه في جوهره تعبير عن الخواء والهشاشة، ودليل على نقص نفسي مزمن، فحين يغيب المعنى، وتغيب المهارات المهنية أو الأكاديمية، وينعدم الإنجاز الحقيقي، والسعي نحو هدف نبيل، وانعدام تعميق السلوك الجاد والرصين يتم اللجوء للتعويض من خلال الاستعراض، فغياب المعايير وثقافة الالتزام بها واحترام كرامات الآخرين، يُستعاض عنها بالزهو. إن الاستعراض العدائي لكثير من المسميات والألقاب، والممتلكات، وأدوات استعراض من سيارات ومواكب، وسلاح، وخطاب مرتفع، وقبيلة مختارة، ومدينة فاضلة، وطائفة متفوقة، وهي كلها أدوات لملء فراغ داخلي، بعد أن يتم تفريغها من قيمتها الطبيعية.
أرى أن هذه الظاهرة تعرقل عملية بناء مجتمع سليم ومعافى، فالشعور اللحظي بالتفوق، يهدم الثقة العامة ويضاعف من حدة الانقسام والتباينات ويستنزف طاقات الأفراد. إذا كانت الخطايا السبع المميتة تبدأ بالغرور، فإن نهايتها تكون في التفسخ والانقسام ثم السقوط والانهيار. وهذا ما نعيشه اليوم في سوريا.
Loading ads...
ربما يبدأ الأمر بالاعتراف بأن المشكلة ليست فقط في السلطة، ولا فقط في المعارضة، بل هي بنية نفسية واجتماعية عميقة تحتفي بالقوة أكثر من الحق، فيصبح الاستعراض من الفضائل عوضًا عن التواضع، وبالتالي تكون الحرب قدرًا والزهو حزمة حطب في نارها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

