شهر واحد
الوقف العثماني في سوريا.. كيف يعيد القانون رسم إرثٍ تاريخي بعد سقوط النظام؟
الأحد، 19 أبريل 2026
في ظل النقاشات المتصاعدة حول مستقبل إدارة الأملاك الوقفية في سوريا بعد سقوط النظام المخلوع، عاد ملف “الوقف العثماني” إلى الواجهة بوصفه واحداً من أكثر الملفات حساسية وتشابكاً بين التاريخ والقانون والسياسة. ويأتي ذلك في وقت تعيد فيه السلطات الجديدة فتح ملفات الأرشيف والملكية وإعادة التدقيق في مصادر الأوقاف وأسس إدارتها، بما يشمل آلاف العقارات المنتشرة في دمشق وحلب وسائر المحافظات.
وقد أعاد هذا الجدل إلى الواجهة تداول تصريحات معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، خلال لقائه على قناة "الإخبارية السورية" في حزيران الماضي، والتي عادت للانتشار على نطاق واسع في الآونة الأخيرة.
هذه التصريحات أثارت نقاشاً عاماً حول ملف بالغ الحساسية، يتعلق بمصير ممتلكات وقفية شاسعة ارتبطت عبر عقود طويلة بذاكرة عمرانية وتاريخية واجتماعية ممتدة منذ العهد العثماني، وصولاً إلى تعقيدات إدارتها في العقود الأخيرة.
يشير مصطلح "الوقف العثماني" تحديداً إلى المرحلة التي بدأت عام 1516م مع دخول السلطان سليم الأول إلى دمشق، حيث أنشأت الدولة العثمانية نظاماً مركزياً متقدماً لإدارة الأوقاف، اعتمد على الدفاتر الرسمية (الوقفيات والطابو) التي وُثّقت بدقة ضمن أرشيف الدولة في إسطنبول.
وقد شملت هذه الوقفيات أسواقاً تاريخية كاملة أو أجزاء منها مثل نصف سوق الحميدية في دمشق وسوق مدحت باشا، إضافة إلى حمامات عامة وقنوات مياه وأراضٍ زراعية واسعة في غوطة دمشق وحلب، إلى جانب وقفيات السلاطين والوزراء مثل وقف السلطان سليم الأول ووقف السلطان عبد الحميد، والتي موّلت المدارس الشرعية والمستشفيات والخدمات الاجتماعية، لتشكّل بذلك عماد الاقتصاد العمراني في بلاد الشام لأكثر من أربعة قرون.
ومع انهيار الدولة العثمانية عام 1918، دخل نظام الأوقاف مرحلة معقدة؛ إذ خضعت خلال فترة الانتداب الفرنسي لسيطرة الدولة، وبدأت تتآكل استقلاليتها تدريجياً. وعلى الرغم من أن صك الانتداب الفرنسي عام 1923 نصّ صراحةً على احترام الأوقاف وفق الشرائع الدينية، فإن المادة السادسة منه أتاحت للسلطات الفرنسية التدخل في الشؤون الإدارية، لتتجه لاحقاً نحو إحكام قبضتها على الأوقاف باعتبارها أداة للسيطرة الاقتصادية والسياسية، مستندةً إلى حجج "التقدم وتحرير الأملاك" من القيود التقليدية، بحسب دراسة صادرة عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجي العام الماضي.
وبعد الاستقلال، استمرت الحكومات السورية في نهج تعزيز المركزية الإدارية في إدارة الشؤون الدينية من دون إلغاء بنيتها، في حين شكّل وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة عام 1963 نقطة تحوّل مفصلية، إذ أصبحت وزارة الأوقاف خاضعة بشكل مباشر للسلطة التنفيذية، وتحوّل جزء من العقارات الوقفية لاحقاً إلى أداة ذات أبعاد سياسية واقتصادية ضمن بنية الدولة المركزية.
تحولت وزارة الأوقاف في عهد حافظ وبشار الأسد من مؤسسة ذات طابع اجتماعي إلى أداة ضمن منظومة التمويل غير الرسمي للسلطة، عبر استثمارات وعقود طويلة الأمد مع رجال أعمال مرتبطين بالنظام، وبأسعار تقل كثيراً عن القيمة الحقيقية لعقارات في مواقع استراتيجية بدمشق وحلب وغيرها من المدن.
وفي هذا السياق، يشير معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف سامر بيرقدار في تصريح لموقع تلفزيون سوريا إلى أن "النظام المخلوع نفّذ أكبر عملية اغتصاب وتدمير للوقف خلال 60 عاماً"، موضحاً أنه جرى السماح ببيع أصول وقفية ببدل مالي، واستبدال أوقاف تقع في مواقع عقارية حيوية بأخرى في مناطق بعيدة أو جبلية ذات قيمة أقل بكثير.
كما تحدث عن أساليب متعددة شملت الاستيلاء على أراضٍ وقفية بقوة النفوذ، وعقود استثمار مباشرة لصالح مقربين، إضافة إلى استبدال أراضٍ متميزة الموقع بأخرى أقل قيمة خارج المدن، فضلاً عن نقل ملكيات وإعادة تسجيلها ضمن إجراءات “التحديد والتحرير” لصالح جهات مرتبطة بالسلطة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمط من الإدارة لم يكن معزولاً عن الإطار القانوني، إذ جرى ترسيخه عبر سلسلة من التشريعات التي منحت وزارة الأوقاف صلاحيات واسعة في التصرف بالعقارات الوقفية من دون رقابة قضائية فعّالة أو شفافية مالية كافية، أبرزها القانون رقم 31 لعام 2018 الذي وسّع صلاحيات التعاقد والاستثمار بشكل كبير، حيث اُعتبرت عقارات الأوقاف ذات طبيعة خاصة، أي أنها ليست أملاك دولة ولا أملاك أفراد، وإن كان معظمها في الأصل من أملاك الأفراد ـ الذين هُجِّر معظمهم بسبب ظروف الحرب أو الملاحقة الأمنيةـ إلا أنهم تبرعوا بها.
وتتنوع الأوقاف في سوريا من حيث طبيعتها وآليات الاستفادة من عائداتها، حيث تقسم على ثلاثة أقسام رئيسية:
وفي ما يتعلق بحجم هذه الأصول، تشير التقديرات التي كشف عنها معاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار، إلى أن عدد العقارات الوقفية في سوريا بلغ حتى الآن نحو 37 ألف عقار، تتوزع بشكل رئيسي في حلب بحوالي 19 ألف عقار، تليها دمشق بنحو 8500 عقار، ثم إدلب بما يقارب 3000 عقار، في حين تتوزع بقية العقارات على محافظات أخرى.
ويؤكد بيرقدار أن هذه الأرقام لا تزال قيد المراجعة، في ظل استمرار التدقيق في سجلات الطابو والوثائق العقارية، حيث يتم الكشف تباعاً عن عقارات وقفية جرى طمسها أو تجاهلها في مراحل سابقة. كما يشير إلى أن ملف الأوقاف حظي باهتمام متزايد بعد سقوط النظام، مع توجهات لإعادة حصر هذه الممتلكات وتنظيمها ضمن إطار أكثر وضوحاً.
في موازاة إعادة فتح ملف الأوقاف، تتجه وزارة الأوقاف إلى تبني مسار تنظيمي جديد يهدف إلى معالجة الاختلالات المتراكمة، واستعادة الدور الحقيقي للمؤسسة الوقفية بعد سنوات من الفساد وسوء الإدارة، عبر خطوات عملية تستند إلى إعادة الضبط القانوني والمالي لهذا القطاع.
وفي هذا الإطار حددت الوزارة ثلاث مهام رئيسية بحسب معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف سامر بيرقدار: أولها حصر الأملاك الوقفية واستخراجها من السجلات التي طُمست فيها، واستعادتها من الجهات التي استولت عليها، عبر تثبيتها في السجلات الرسمية للدولة.
وثانيها: تعديل القيم الإيجارية بما يتناسب مع السعر الحقيقي في السوق، لضمان تحقيق عائد عادل للأوقاف.
أما المهمة الثالثة: فتتمثل في سنّ تشريعات جديدة تعيد ثقة المجتمع بمنظومة الوقف، وتشجع على إعادة إحياء ثقافة التبرع والوقف كصدقة جارية.
وفي السياق ذاته، أوضح بيرقدار، أنه تمت استعادة عدد من العقارات البارزة، من بينها مجمع يلبغا ومدينة الألعاب في دمشق، إضافة إلى "وقف القطط" شمال الجامع الأموي، والذي كان مؤجّراً بعقود رمزية منذ عهد النظام المخلوع.
كما أعلنت الوزارة عن تأسيس صندوق مستقل لإدارة الاستثمارات الوقفية، منفصل عن خزينة الدولة، بهدف تعزيز الشفافية والحوكمة في إدارة العائدات، بعيداً عن التدخلات السياسية.
وأشار بيرقدار إلى تفاعل ملحوظ من قبل التجار والصناعيين، لا سيما في دمشق وحلب، حيث بادر العديد منهم إلى تسديد الذمم المالية المترتبة عليهم طوعاً، ما يعكس – وفق تعبيره – رغبة مجتمعية في تصحيح المسار، ورد الحقوق إلى الأوقاف، وإحياء البعد الأخلاقي والديني لهذا القطاع.
مع إعادة تداول تصريحات سابقة لمعاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، بشأن طلب الوزارة نسخة من هذا الأرشيف، عاد موضوع الأرشيف العثماني إلى واجهة النقاش خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع انتشار شائعات عن نية الحكومة منح تركيا آلاف العقارات الوقفية في دمشق. وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول حقيقة هذه الخطوة وأبعادها القانونية والسيادية.
وفي توضيح لهذه المسألة، أكد بيرقدار لموقع تلفزيون سوريا أن الوقف في سوريا هو "ملكية سورية خالصة" ولا علاقة لتركيا به، نافياً بشكل قاطع أي حديث عن استعادة أنقرة لأوقاف عثمانية داخل البلاد.
وبيّن أن الاستعانة بالأرشيف العثماني – الموجود حالياً في تركيا – تقتصر على هدف فني وقانوني يتمثل في معرفة الأملاك التي كانت مسجلة تاريخياً كأوقاف، وذلك في إطار عملية حصر وتدقيق الملكيات.
وأشار إلى أن وزارة الأوقاف تعمل على تتبع هذه الأملاك في دمشق وسائر المحافظات عبر العودة إلى الوثائق العثمانية، بالتعاون مع رئاسة الشؤون الدينية التركية، خاصة في ظل غياب أرشيف منظم داخل الوزارة، حيث لا تتوفر سوى وثائق قديمة مبعثرة.
Loading ads...
كما لفت إلى أن هذه العملية تهدف أيضاً إلى توثيق الانتهاكات التي طالت الأوقاف خلال العقود الماضية، وأكد بيرقدار أن الأحكام الشرعية تبين أن "الشاري حسن النية" لاتصادر ملكيته ولا يبطل عقده، وإنما يتم البحث عن البائع المغتصب، والبائع من اتباع النظام المخلوع الذي زور الطابو ليتم التعويض منه، مع التشديد على أن الملكيات المسجلة في الطابو لا يمكن تعديلها أو تغييرها خارج الأطر القانونية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


