شاءت الأقدار أن أقضي رمضان هذا في مدينة جديدة، بعيداً عن أسرتي؛ وذلك لارتباطي بتدريب عملي تابع للجامعة.
أتاح التدريب أن ألتقي ولو عَرَضاً بكثير من السوريين وذلك في سياق العمل البحثي والإحصاء الميداني. أمشي بعد نهاية الدوام عابراً الشوارع الهادئة، والبيوت الصامتة خلف نوافذها الزجاجية، حيث يبدو رمضان حدثاً داخلياً، يكاد يقتصر على ذاكرة الصائم وحده. لا مدفع إفطار، ولا صياح باعة الأقراص والناعم قبيل الإفطار، ولا أصوات المآذن المتقاطعة في المساء. ومع ذلك، كل يوم، قبيل المغرب بقليل أو بعده أصل لأجد صحناً مغلفاً أو علبة أنيقة مغلقة موضوعة على طرف باب الشقة. أحملها داخلاً؛ أفك رباط الكيس البلاستيكي لأجد طبقاً صغيراً يحمل رائحة بيتٍ سوري.
سوريا، بكل تناقضاتها وخصوماتها وانقساماتها، تقف للحظة خلف هذا الباب، ثم تدخل في صحن واحد.
هذا ليس حلم، وليست سكبة واحدة، بل وجوه متعددة لسوريا تتناوب على بابي. مرةً تأتي بنكهة دمشقية خفيفة، مرتّبة مثل أحياء دمشق القديمة، حيث الأناقة موزونة بعناية. ومرةً تحمل حدّة التوابل الحلبية، كما لو أن أزقة حلب قررت أن تسكن في قدر صغير. وفي يوم آخر، تتسلل بساطة الساحل، من اللاذقية أو طرطوس، برائحة ليمونٍ وملحٍ يُشبه البحر. أحياناً أميّز البرغل القادم من الجزيرة، من الحسكة أو الرقة، وطوراً أتعرف إلى ورق العنب الملفوف بصبرٍ حموي من حماة.
خلال أسبوع بدأت أتعلم قراءة النكهات كما تُقرأ اللهجات. لكل محافظة ولكل أسرة لغتها في الطهو، إيقاعها الخاص في التتبيل، طريقتها في قول "تفضل" من دون أن تنطقها. في هذه الأطباق الصغيرة، لا يصلني الطعام فقط، بل تصلني جغرافيا كاملة، ذاكرة ممتدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. تصلني تحيّات صغيرة موفورة الحب، تعبر شوارع المدينة الهادئة لتستقر على طاولتي الصغيرة.
الغريب والمفرح أن من يحملون هذه الأطباق ليسوا من دائرة أصدقائي الضيقة ولا حتى الواسعة. فأنا جديد ومؤقّت في هذه المدينة، عابر سبيل... أحياناً يأتيني الطبق من شخص التقيته مرة واحدة في جلسة استشارة، أو من شاب يسكن في الطرف الآخر من المدينة، تعارفنا وتسامرنا في جلسة الإحصاء وهو يجيب على الأسئلة، لننهي الجلسة بصداقة كأنّها منذ سنوات، فيقطع نصف ساعة بالباص ليصل قبل الأذان بدقائق، يبتسم ويقول بسرعة: "صحتين"، ثم يختفي في المساء الألماني البارد. كأن السكبة هنا لم تعد مجرد عادة، بل تحولت إلى جسر، إلى فعل مقاومة صغير ضد الوحدة.
في كل مرة أفتح فيها الباب، أشعر أن شيئاً من البُعد الجغرافي ينهار. سوريا، بكل تناقضاتها وخصوماتها وانقساماتها، تقف للحظة خلف هذا الباب، ثم تدخل في صحن واحد. لا أحد يسأل الآخر عن موقفه السياسي، ولا عن مدينته الأصلية بوصفها هوية صلبة. في لحظة السكبة، يتقدّم شيء أبسط وأكثر بداهة: أنك صائم، وأنا أيضاً، وهذا الطعام بيننا يكفي ليقول إننا ما زلنا، بطريقة ما، ننتمي إلى قصة واحدة.
أجلس إلى طاولتي، أرتّب الأطباق، وأحاول أن أؤخر الأذان قليلاً، فقط لأتأمل هذا المشهد الصغير: طبق هنا من درعا، وآخر من إدلب، وثالث من حمص، ورابع من الشام. كأن الطاولة تحوّلت إلى خريطة مصغّرة لسوريا، لكن بلا حدود مرسومة، بلا خطوط تماس، بلا حواجز. فقط ألوان وروائح تتجاور بسلام وشغف!
مع توالي الأيام، لم أعد أميّز فقط بين النكهات، بل بين المشاعر التي تحملها كل سكبة. هناك سكبة خجولة، موضوعة بعناية في علبة بسيطة، كأن صاحبها يقول: "هذا ما استطعت". وهناك سكبة واثقة، ممتلئة، مزينة بالصنوبر واللوز، كأنها إعلان عن فائض محبة. وهناك سكبة سريعة، أُحضرت على عجل قبل الإفطار بدقائق، لكنها دافئة على نحوٍ لا يخطئه القلب.
ربما هذا هو المعنى الأعمق للسكبة: أن نطبخ لبعضنا البعض ما يحمينا من القسوة، وأن نتقاسم، ولو لساعة في اليوم، حقيقة أننا ما زلنا عائلة واحدة، حتى لو كنا موزعين على مدن العالم.
في هذه التفاصيل الصغيرة أكتشف أن السكبة ليست طعاماً بقدر ما هي لغة. لغة لا تحتاج إلى قواعد ولا إلى ترجمة، يفهمها كل من عرف معنى أن يمدّ يده لغيره في لحظة حاجة أو وحدة أو أُنس... هي رسالة يومية تقول: حتى لو تفرّقنا في المدن والبلدان، حتى لو اختلفنا وتخاصمنا، ما زال في داخلنا مكان صغير يتسع لطبقٍ إضافي، ولقلبٍ آخر.
أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، فينكسر قلبي؛ أنّى للسوريين كل تلك الكراهية. البارحة ـ وهذا ما دفعني لتدوين تلك الكلمات ـ جاءت السكبة عفرينية. عائلة كردية بلهجة حلبية ولكنة كردية واضحة، قال الأب لي إنني لست وحيداً هنا. قال: نحن عائلتك. فأتأكّد أن الفيس بوك يكذب، وأن الواقع يحكي قصة أُخرى. وأن الشهر الفضيل يلمّ شمل ما تفرّق، ويجلو القلوب حقاً.
لم أكن وحيداً في شهر رمضان هذا العام في المدينة الجديدة كما توقعت. صحيح أنني أعيش في شقة صغيرة، بعيداً عن العائلة وعن صخب وحياة المدينة الكبيرة التي اعتدنا عليها، لكن بابي لم يبقَ مغلقاً. يُفتح كل يوم على صديق جديد، على قصة، على يدٍ تمتد، على رائحة تعبر المسافات. ومع كل سكبة، أشعر أن المسافة بيني وبين بلدي تقصر قليلاً، وأن سوريا، التي تبدو أحياناً بعيدة وممزقة، ما زالت قادرة على أن تحتضن أولادها من جديد، تجمعهم في قدر صغير، على نار هادئة من المحبة.
Loading ads...
ربما هذا هو المعنى الأعمق للسكبة: أن نطبخ لبعضنا البعض ما يحمينا من القسوة، وأن نتقاسم، ولو لساعة في اليوم، حقيقة أننا ما زلنا عائلة واحدة، حتى لو كنا موزعين على مدن العالم. في طبقٍ يصل متأخراً بدقائق إلى باب شقة صغيرة، بقلب كبير، تكتب حكاية كاملة عن شعبٍ يحاول، بكل الطرق الممكنة، أن يبقى إنسانياً، ودوداً ومحبّاً، خلافاً لما يدّعيه الفيس بوك وإنستغرام وتويتر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



