ساعة واحدة
من هرمز إلى المتوسط.. هل تتحول سوريا لممر آمن للطاقة والتجارة؟
الجمعة، 22 مايو 2026
دفعت أزمة إغلاق مضيق هرمز دول المنطقة والعالم لإعادة تقييم خياراتها وبدائلها لتأمين نقل الطاقة والتجارة، ومن هنا اتجهت الأنظار نحو سوريا وموانئها المطلة على البحر المتوسط.
فبينما كانت الأسواق العالمية تترقب تداعيات تعطّل مضيق هرمز، أحد أهم شرايين النفط في العالم، برز اسم سوريا فجأة كخيار بديل وممر محتمل لنقل النفط والبضائع نحو البحر المتوسط وأوروبا.
هذا التحول، الذي سلّطت صحيفة "نيويورك تايمز" عليه الضوء في تقرير موسع من دمشق، لم يأتِ من فراغ، بل من إدراك متزايد لدى دول الخليج والعراق وتركيا بأن المنطقة لا تستطيع البقاء رهينة لممر واحد قابل للإغلاق أو الاستهداف في أي لحظة.
وفي الخلفية تبدو دول خليجية مثل الإمارات والسعودية وقطر أكثر إدراكاً لقيمة الموقع السوري الجديدة، وهو ما يفسر الحضور الاقتصادي والاستثماري المتزايد في دمشق والساحل السوري، خلال العامين الأخيرين، سواء عبر الموانئ أو مشاريع النقل أو التطوير العقاري والبنية التحتية.
أثبتت الحرب الإيرانية الأخيرة أن مضيق هرمز أصبح أزمة اختناق عالمية قادرة على شل جزء كبير من الاقتصاد الدولي خلال أيام قليلة، ومع تصاعد التوترات وإغلاق المضيق فعلياً لفترات متقطعة، ارتفعت أسعار النفط، وتعطلت سلاسل الإمداد، وتكدست شحنات الخام في الخليج والعراق.
وبحسب تقرير "نيويورك تايمز"، فإن العراق كان من أكثر الدول تضرراً، بعدما واجه أزمة حقيقية في تصدير النفط عقب تعطل الملاحة الخليجية، ما دفع شركة "سومو" الحكومية إلى طلب نقل النفط العراقي براً عبر سوريا وصولاً إلى ميناء بانياس على المتوسط.
هذا التطور كشف حجم الحاجة الإقليمية لمسارات بديلة وأكثر أمناً، فدول الخليج أدركت أن أي حرب مستقبلية مع إيران قد تجعل اقتصاد المنطقة بالكامل تحت رحمة المضيق، خصوصاً مع استمرار التهديدات الإيرانية للملاحة والطاقة.
ومن هنا بدأت فكرة تنويع الممرات تتحول إلى أولوية جيوسياسية واقتصادية، ليس فقط عبر البحر الأحمر، بل أيضاً عبر الممرات البرية الممتدة من الخليج إلى المتوسط، وهذا ما أشار إليه الخبري الاقتصادي السوري كرم شعار الذي وصف المرحلة الحالية بأنها "مرحلة استثنائية بالنسبة لسوريا".
وقال شعار في حديثه لـ"نيويورك تايمز" إن الاهتمام الإقليمي بمشاريع النقل والطاقة عبر الأراضي السورية ازداد بصورة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب الأخيرة.
تمتلك سوريا ما لا يملكه كثير من دول المنطقة؛ موقعاً جغرافياً يربط الخليج والعراق وتركيا والأردن ولبنان بالبحر المتوسط وأوروبا، فإلى جانب موانئ اللاذقية وطرطوس وبانياس، تمتلك دمشق شبكة حدود برية واسعة تجعلها نقطة عبور طبيعية بين آسيا وأوروبا.
وهذا ما دفع الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقاءات مع مسؤولين أوروبيين في قبرص، الشهر الماضي، إلى طرح بلاده باعتبارها ممراً استراتيجياً آمناً للتجارة والطاقة.
وعلى الأرض بدأت سوريا فعلياً بإعادة تشغيل بعض المنافذ والمعابر التي تعطلت لسنوات بسبب الحرب، ومن بينها معبر التنف الحدودي، الذي يمثل حلقة رئيسية في الربط بين العراق وسوريا والأردن.
ويشير تقرير "نيويورك تايمز" إلى أن أكثر من 400 شاحنة نفط عراقية بدأت تعبر يومياً نحو سوريا، منذ أواخر مارس الماضي، في مؤشر عملي على بدء اختبار الدور السوري الجديد، وفي الوقت نفسه، تتزايد الطروحات المتعلقة بإحياء خط أنابيب "كركوك – بانياس" القديم، الذي كان ينقل النفط العراقي إلى المتوسط قبل تعطله بسبب الحروب والعقوبات.
وفي خضم هذا الاهتمام العالمي بسوريا، يبرز التحول الخليجي تجاه دمشق، الذي لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح اقتصادياً واستثمارياً بوضوح، خصوصاً من جانب الإمارات والسعودية وقطر.
الإمارات كانت الأكثر حضوراً، سواء عبر توقيع "موانئ دبي العالمية" عقد تشغيل ميناء طرطوس لمدة 30 عاماً مقابل 800 مليون دولار، في يوليو 2025، أو عبر التحركات الاستثمارية الضخمة التي يقودها رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار.
كما شهد أبريل الماضي تحميل أول شحنة سيارات إماراتية عبر مرفأ اللاذقية باتجاه أوروبا، في خطوة عكست عملياً بدء استخدام سوريا كممر لوجستي بين الخليج والمتوسط.
أما السعودية فتتحرك بصورة أكثر هدوءاً، لكنها تدعم بقوة مشاريع الربط البري والسككي مع سوريا، ضمن رؤية أوسع لتنويع طرق التجارة والطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.
في المقابل تواصل قطر تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في الملف السوري، خصوصاً في مشاريع الطاقة وإعادة الإعمار، ضمن مقاربة خليجية جديدة ترى في استقرار سوريا مصلحة إقليمية مباشرة.
في أبريل 2026، وقعت تركيا وسوريا والأردن مذكرة تفاهم في عمّان لتطوير شبكات النقل والسكك الحديدية، بهدف إنشاء ممر يربط جنوب أوروبا بالخليج العربي عبر سوريا والأردن.
ووفق وكالة "بلومبيرغ" فإن المشروع يمثل خطوة أولى نحو شبكة نقل إقليمية جديدة، تشمل الطرق البرية والسكك الحديدية والموانئ والخدمات اللوجستي، في حين تحدثت السعودية عن دراسات لربط المملكة بتركيا عبر سوريا والأردن، في إطار مشروع إقليمي أوسع لإعادة تشكيل طرق التجارة.
هذه التحركات تأتي بالتوازي مع مشاريع دولية أخرى مثل "ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا"، وممر التنمية عبر العراق، ما يضع سوريا مجدداً داخل خرائط التنافس على الممرات التجارية والطاقة.
ورغم كل هذا الزخم، لا تزال الطريق أمام سوريا طويلة ومعقدة، إذ إن البنية التحتية السورية تعرضت لدمار هائل خلال الحرب، فيما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة الإعمار قد تتجاوز 200 مليار دولار.
كما لا تزال البلاد تعاني من أزمات الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات، إلى جانب استمرار بعض القيود الغربية والعقوبات المالية، وبقاء سوريا خارج نظام "سويفت" للتحويلات الدولية.
وتواجه مشاريع الممرات تحديات أمنية وسياسية، خصوصاً في الجنوب السوري، حيث لا تزال المنطقة عرضة للتوترات والحسابات الإقليمية المعقدة.
ومع ذلك تبدو الحقيقة الأبرز اليوم أن الحرب الإيرانية، التي هزّت الخليج وهددت الاقتصاد العالمي عبر هرمز، منحت سوريا فرصة نادرة للعودة إلى قلب الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، لا كساحة حرب هذه المرة، بل كطريق عبور وممر محتمل لمستقبل التجارة والطاقة في الشرق الأوسط.
ويرى الباحث في قضايا الاقتصاد عبد العظيم المغربل أن سوريا قد تستفيد من أزمة مضيق هرمز عبر تقديم نفسها ممراً مكملاً لحركة التجارة والطاقة، وليس بديلاً كاملاً للمضيق، نظراً إلى أن حجم التجارة العالمية وإمدادات الطاقة العابرة عبر هرمز لا يمكن تعويضه سريعاً.
وأوضح المغربل في حديثه لـ"الخليج أونلاين" أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها فرصة مهمة لاستقبال جزء من حركة الترانزيت والطاقة المتجهة غرباً، في ظل تموضعها بين العراق وتركيا والأردن ولبنان، إضافة إلى إطلالتها المباشرة على البحر المتوسط.
وأشار إلى أن الفوائد الاقتصادية المحتملة قد تظهر عبر تنشيط المرافئ، ورسوم العبور، وحركة الشحن البري، وعمليات التخزين والخدمات اللوجستية، لكنه شدد على أن تحويل هذه الفرصة إلى مكسب اقتصادي مستدام يتطلب إدارة سريعة وفعالة للمعابر والموانئ، إلى جانب توفير مسار آمن وواضح التكاليف أمام الشركات والمستثمرين.
وأضاف أن سوريا تمتلك "الفرصة الجغرافية" لكنها لا تملك حتى الآن "الجاهزية الكاملة"، موضحاً أن البنية التحتية السورية ما تزال بحاجة إلى تحديث واسع يشمل المرافئ، والسكك الحديدية، والطرق، والمعابر، ومنشآت التخزين والطاقة، وهو ما يجعل دورها الحالي أقرب إلى "مسار طوارئ أو عبور محدود" أكثر من كونه ممراً تجارياً عالمياً متكاملاً.
ولفت المغربل إلى أن البيئة القانونية شهدت تحسناً نسبياً بعد تخفيف بعض العقوبات وعودة اهتمام شركات إقليمية ودولية بالسوق السورية، إلا أن المستثمرين ما زالوا بحاجة إلى ضمانات أوضح تتعلق بالتحكيم، والرسوم الجمركية، وحماية العقود، إضافة إلى عامل الاستقرار الأمني على طول خطوط النقل والتجارة.
وأكد أن التجارة العالمية لا تبحث فقط عن أقصر الطرق، بل عن المسارات الأكثر أمناً واستقراراً، مشيراً إلى وجود مؤشرات بدأت تتبلور بشأن إمكانية تحول سوريا إلى عقدة لوجستية إقليمية، من بينها مشاريع الربط السككي بين تركيا وسوريا والأردن وصولاً إلى الخليج، إضافة إلى عودة الاهتمام بالمرافئ السورية.
Loading ads...
وأشار كذلك إلى تنامي الدور الإماراتي في هذا الملف، خصوصاً عبر "موانئ دبي العالمية" ومشاريع تطوير ميناء طرطوس والمناطق اللوجستية المرتبطة به، إلى جانب تغير النظرة الأوروبية والدولية تجاه سوريا، التي لم تعد تُطرح فقط كملف سياسي أو إنساني، بل أيضاً كمسار محتمل لإعادة الربط التجاري والطاقة في المنطقة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






