6 أشهر
القضاء الفرنسي يلاحق منظمة "أنقذوا مسيحيي الشرق" وغياب التضامن السوري
الأربعاء، 12 نوفمبر 2025
تواصل السلطات القضائية في فرنسا، منذ العام 2020، تحقيقاتها في نشاط منظمة "أنقذوا مسيحيي الشرق SOS"، للاشتباه بتورطها في التواطؤ بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وشن هجمات متعمدة ضد مدنيين، وارتكاب انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب.
ومؤخراً في شهر أيلول الماضي، أعلنت النيابة العامة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا عن تنفيذ مداهمات لمكاتب المنظمة في باريس وضواحيها، جرى خلالها استجواب رئيسها شارل دي ماير، المعروف بانتمائه إلى التيار الملكي اليميني المتطرف، ومصادرة أجهزة إلكترونية ووثائق مرتبطة بملف التحقيق.
لكن خلف هذا التحقيق الرسمي، هناك قصة أخرى لا تقل أهمية، هي قصة سوريَين، خاضا معركة قانونية وأخلاقية ضد المنظمة، دون أي دعم يُذكر من المنظمات السورية في المنفى. الدكتور إلياس وردة من السقيلبية، وفراس قنطار من السويداء، ساعدا في إعداد التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع "ميديا بارت" الفرنسي وموقع "نيولاين" الأميركي، عام 2020.
على أساس هذا التحقيق فتحت النيابة العامة الفرنسية تحقيقاً أولياً حول نشاط المنظمة ومدى انسجامه مع قوانين الجمعيات الفرنسية، والذي كشف أن الغاية الفعلية للمنظمة هي دعم سردية النظام السوري داخل فرنسا..
وبعد نشر التحقيق نشر عدد من الناشطين، من بينهم إلياس وردة وفراس قنطار وصحفي فرنسي مستقل، وناشط فرنسي مؤيد للقضية السورية، وأستاذ بلجيكي، تغريدات على حساباتهم الشخصية في منصة "إكس"، تفضح نشاط المنظمة وممارساتها.
وعلى أساس هذا التحقيق فتحت النيابة العامة الفرنسية تحقيقاً أولياً حول نشاط المنظمة ومدى انسجامه مع قوانين الجمعيات الفرنسية، والذي كشف أن الغاية الفعلية للمنظمة هي دعم سردية النظام السوري داخل فرنسا، عبر الإيحاء بأن جميع معارضيه من الإسلاميين، وتسليط الضوء على معاناة المسيحيين.
وقد وثّق التحقيق علاقات مباشرة بين المنظمة وميليشيات موالية للنظام، منها مجموعات في محردة والسقيلبية، المتهمة بارتكاب جرائم حرب، كالقصف والنهب وتجنيد القاصرين.
وأظهرت صور فوتوغرافية لمسؤولي المنظمة وهم يحملون أسلحة، ويكرّمون قادة ميليشيات، ويوزعون مساعدات على "عائلات الشهداء" ومقاتلي الدفاع الوطني، في تجاوز واضح لمعايير العمل الإنساني والقانون الفرنسي، الذي يحظر التمييز الديني أو دعم حاملي السلاح، خصوصاً حين يُمنح المتبرعون امتيازات ضريبية.
ورداً على هذا النشاط والجهد، رفعت المنظمة دعويين قضائيتين: الأولى ضد الدكتور إلياس وردة، والثانية ضد السيد فراس قنطار، بتهمة التشهير بها، وقد أوضح الدكتور وردة أنه "تمكن من تحقيق انتصار قضائي في قضيته، وما زال النزاع القانوني بينه وبين المنظمة مستمراً".
وأضاف أنه "أسهم في مساعدة التحقيقات التي أجرتها النيابة العامة الفرنسية، من خلال الإدلاء بإفادته في التحقيق وتقديم العديد من الأدلة، وترجمة عشرات الوثائق المهمة التي تُدين المنظمة، كما زوّد النيابة بأسماء عدد من الشهود الذين أدلوا بإفاداتهم في التحقيق، وأنه تكلف كثيرا من المال والجهد في هذه القضية".
أمّا السيد فراس قنطار، فقد أكد أنه "أدلى بإفادته لدي النيابة العامة الفرنسية، كما اضطر إلى الانسحاب من المواجهة القضائية في الدعوى، التي رفعتها المنظمة ضده على خلفية تغريدات نشرها تفضح ممارساتها بدعم ميليشيات نظام الأسد، وذلك لعدم قدرته على تحمل مزيد من مصاريف التقاضي".
وشدّد كل من فراس قنطار والدكتور إلياس وردة، على أنهما لم يتلقيا أي دعم مادي أو معنوي من أي جهة سورية، رغم أنهما تواصلا مباشرة مع شخصيات ومنظمات تعمل في مجال ملاحقة مرتكبي الجرائم بحق الشعب وتدعم الضحايا، من بينها المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير في باريس، وطلبا مساعدتهما في اتخاذ إجراءات قانونية ضد المنظمة المذكورة لدعمها الموثق لنظام الأسد فلم يتلقيا أي تجاوب، لا من المركز المذكور ولا من شخصيات حقوقية أخرى، رغم أن القضية تمسّ جوهر العدالة، وتكشف عن تواطؤ مؤسسي مع نظام ارتكب جرائم موثقة.
ورغم هذا الغياب شبه الكامل، برز استثناء وحيد: المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، ليس في تقديم الدعم لقنطار ووردة، بل في دعم التحقيقات الجارية بحق المنظمة المذكورة، من خلال تقديم عدد من الشهود، هذه المبادرة، رغم محدوديتها، تمثّل نموذجاً لما كان يمكن أن يكون عليه موقف المنظمات السورية في أوروبا، لو توفر التنسيق القانوني بينهم.
هذا الغياب للمنظمات السورية في دول اللجوء يكشف عن خلل بنيوي في عملها لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للفوضى المؤسسية التي تحكم أداء تلك المنظمات، حيث تُختزل العدالة في الشعارات، وتُدار القضايا الكبرى بمنطق العلاقات الشخصية أو الحسابات السياسية.
كذلك، يكشف عن خلل أعمق في بنية عمل المنظمات السورية في المنفى يتمثل في غياب آليات الدعم القانوني، وضعف التنسيق أو حتى انعدامه في بعض الأحيان، فالقضية لا تتعلق فقط بمنظمة أجنبية، بل بمسؤولية أخلاقية تجاه من يخوضون معارك قانونية نيابة عن ذاكرة الضحايا، وعن سردية الثورة.
ما تحتاجه القضية السورية اليوم ليس فقط فضح جرائم نظام المخلوع بشار الأسد، بل فضح من تواطأ معه، ومن اختبأ خلف شعارات الإغاثة ليبرر التمويل السياسي..
فحين يُترك قنطار ووردة من دون أي دعم ممّن يدّعي الدفاع عن الضحايا، تصبح القضية أكبر من المنظمة، وأعمق من التحقيق، وتصبح سؤالاً عن معنى الانتماء، وعن حدود التضامن، وعن قدرة السوريين في المنفى على بناء عمل جماعي منتج، لا انتقائي، ولا انتهازي.
إن ما فعله إلياس وردة وفراس قنطار لا يُقاس فقط بنتائج التحقيقات والمحاكم، بل بما كشفه من ثغرات في خطابنا، ومن هشاشة في شبكاتنا، ومن غياب في التضامن حين يكون الثمن باهظاً.
وإذا كانت العدالة تبدأ من مساءلة الجريمة، فإنها لا تكتمل إلا بمساءلة الصمت، وإذا كانت الثورة ضد الاستبداد، فإنها لا تُختزل في معارضة نظام الأسد، بل تشمل أيضاً مواجهة من يبيّض جرائمه تحت غطاء الإنسانية.
ما تحتاجه القضية السورية اليوم ليس فقط فضح جرائم نظام المخلوع بشار الأسد، بل فضح من تواطأ معه، ومن اختبأ خلف شعارات الإغاثة ليبرر التمويل السياسي، وما تحتاجه المنظمات السورية في المنفى ليس فقط بيانات، بل آليات مراجعة عميقة لدورها ووظيفته، فإما أن تكون صوتاً للضحايا، أو شريكاً في إسكاتهم.
Loading ads...
إن شهادة إلياس وفراس، ليست مجرد سرد لتجربة شخصية، بل دعوة إلى إعادة تعريف معنى "سوري"، ومعنى العمل الجماعي، ومعنى المسؤولية الأخلاقية، وإذا كان الصوتان استطاعا في مساعدة فتح هذا التحقيق، فكم من الأبواب يمكن أن تُفتح لو اجتمع الصوت الفردي مع جهد جماعي صادق، لا انتقائي، ولا انتهازي؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


