ثمة مسلمة يتجاوزها أغلب السوريين أو يغفلون أثرها في الثقافة والسياسة السورية وهي حرص نظام الأسد على منع ترخيص أي حزب إسلامي ولو كان صوفيا من فقهاء السلطان وتدجين الوعي السوري والذاكرة تجاه أي كتلة إسلام سياسي.
حتى بعد احتلال بغداد وتراخي النظام تحت ضغوط دولية وإبان موجة السماح بتشكيل الأحزاب؛ فقد منع ترخيص أي حزب إسلامي؛ ليبقي ذاكرة ووعي السوريين في تصور صنعه عن الإسلام والإسلام السياسي منحصرا بالصورة التي أبدع في تنميطها وتكريسها سابقا عبر كتاب "الإخوان المسملون نشأة مشبوهة وتاريخ أسود"؛ والتي تم توزيعها مجانا وربما إجبارا على أغلب المدراس والطلاب والمعلمين والموظفين، بالتوازي مع ذلك صار الشعار الصباحي الذي يتم ترديده في كل مدراس سوريا؛ قَسَمَا بالولاء للأسد ومحاربة تلك " العصابة" وفقا لوصفه.
إن أي سلطة مكرسة أو موجودة مستقرة لايمكن أن تسعى لتقويض حكمها، قبالة ذلك لايمكن لشخصية اجتماعية لا تحمل رصيدا سياسيا لازما لظهورها، وتضمر أو تبدي نزوعا إلى سلطة.
وللذهاب أبعد من ذلك نحو إجراءات أكثر عمقا حول أحداث الثمانينيات، وما خضعت له من تدويل وتأطير داخلي ضمن تنظيم الإخوان، فإنه بالرغم من تململ قوى سياسية واجتماعية من عسف نظام الأسد، وبروز الإخوان المسلمين كمتن واضح للحراك ضد الأسد، وانتقال الطليعة المقاتلة إلى إعلان الحرب على الأسد بخطاب طائفي تجاه البيئة الاجتماعية التي جيَّرها الأسد لمنظومته، بموازاة ذلك قام الأسد الأب بفعل يعرفه الكثير من أبناء الطائفة وهو استهداف النخب العلوية من أساتذة الجامعات، والنخب الاجتماعية والدينية بتفجيرات وعمليات اغتيال لضمان تحشيدهم للدفاع عن أنفسهم باعتبار انتفاضة الإخوان ضد الطائفة لا ضد الأسد ودكتاتوريته، وتخويفها من دولة يحكمها الأكثرية التي أمعن في تنميطها -تكفيرية وإقصائية- ودجن الثقافة السورية تجاه الإسلام السياسي ككل. وقد منع تشكل أي حراك سياسي ديني ولو كان صنيعا أو مهادنا، وأسرف في تمويل وإرسال جماعات مرتبطة به تحت مسمى جهادي ووهابي وسلفي للقيام بتفجيرات في العراق للإبقاء على صورة إسلام إرهابي.
يوم الثلاثاء تم استهداف باص يقل طلابا ومدنيين من دمشق إلى السويداء، وقد يبدو الأمر مختلطا تماما وغائما لولا ظهور التسجيلات الصوتية التي أفردها الصحفي أيمن حداد في قناته؛ لصوتيات تملكها القيادة السورية وثقت تسجيلات بين غرفة عمليات خاصة بالهجري وزمرته، وبين منفذي أو راصدي حركة الباصات على الطريق قبل دقائق من الحدث، تفضح تلك التسجيلات وبشكل لا لبس فيه تورط ميليشيا الهجري بالتفجير الإرهابي، خصوصا وأنها جاءت بالتزامن مع ما سمي بمؤتمر الأقليات الذي أقيم في الكيان برعاية المنظمة الصهيونية بأميركا كما هو واضح في التسمية المعلنة والمنشورة؛ وهو ما يتفق تماما وحزمة الموجات الإعلامية التي يخوضها ذباب إلكتروني منتشر في شتى أنحاء العالم، وأكثرها من الكيان الصهيوني وإيران؛ لتهيئة رأي عام دولي وإقليمي يقلق نهوض سوريا، ويشد الأنظار نحو القلاقل التي تحصل ويشتغل في تضخيمها، ولاستنفار وتخويف القواعد البشرية البسيطة من البنى الاجتماعية السورية التي لا تحمل ضغينة تجاه الحكم الجديد في سوريا ومؤسساته الوليدة.
لايمكن القفز فوق السياق الذي يأتي فيه هذا الحدث ولا يمكن تجاوز قراءته كجزء من سياقات التحشيد التي لعبها الأسد إبان أحداث الثمانينات لضمان عدم ثورة العلويين عليه، خصوصا بعد حمى التحشيدي التي لعبها الهجري لخطف الطائفة الدرزية واللعب على عقدة الخوف متسلحا بموجة الغضب تجاه الجرائم التي ارتكبتها بعض القوى التي اشتركت في الهجوم على السويداء بعد أن استدرج الهجري السلطة وغيرها لهذا العمل لتهيئة المجتمع المحلي؛ مُتلطّيا خلف عقدة الخوف والحرص على الجماعة؛ لإزاحة أي محاكمة عقلية تجاه الدولة الجديدة والشعب السوري؛ التي يحملها أبناء السويداء من الوطنيين الأحرار، ولضمان اصطفاف السويداء خلف تصورات نمطية تشبه تلك التي كرسها الأسد إبان حكمه.
إن أي سلطة مكرسة أو موجودة مستقرة لايمكن أن تسعى لتقويض حكمها، قبالة ذلك لايمكن لشخصية اجتماعية لا تحمل رصيدا سياسيا لازما لظهورها، وتضمر أو تبدي نزوعا إلى سلطة؛ إلا أن تسعى لجمع الأدوات اللازمة لبناء سلطتها خلف تحزبات محلية عرقية أو دينية أو طائفية؛ في محاولة احتكار الجماعة وتأطيرها وتجييرها خلف تلك الشخصية وتشكيل خطاب ال" نحن قبالة هم" الذي يضمن مفاصلة الآخر ومفارقة كل المشتركات الوطنية والاجتماعية التي تكرست تاريخيا، والحيدان بالجماعة نحو توجه وخطاب انعزالي يدين الآخر ويجرمه.
بتحليل الخطاب المكرس في الوسط المحلي نجد أنه لا يخرج عما بحثت فيه دراسات كثيرة حول العالم في دراسة خطاب التبرير والتحشيد الجماعاتي ، والتي عرَّفتها وحدَّدتها بتقنيات التحييد الخمس التي درسها العالمان "سكايز وماتزا "، والتي تتضمن تقنيات تقوم بها الجماعة الراغبة بالانسلاخ من محطيها الاجتماعي والوطني؛ بشكل منتظم ومرسوم للوصول إلى هدفها في عزل مجتمعها المحلي وبيئتها الداخلية، وتسويق مظلوميتها.
التقنية الأولى هي إنكار المسؤولية؛ حيث يتم تبرير أي خطأ بإحالته إلى خطأ الآخر فتستبيح كل فعل تحت حجة الرد، ليتم تغييب أخطاء أو جرائم فاعلي الجماعة عبر جعلها رد فعل طبيعي على آخر يتم إلباسه ثوب العدو، وتتمثل التقنية الثانية بإنكار الضرر الذي يتسبب به الفعل الحشدي باعتباره ضرورة كانت ستحصل فيما لو يتم الفعل نفسه، التقنية الثالثة هي إنكار الضحية لدى الآخر، وسرقة هذا الدور منه؛ أي التهوين من مظلمة السوريين عبر سني الثورة؛ وتجريدهم من حقهم في التعبير عن ظلمهم وحقهم في حكم البلاد، أما التقنية الرابعة فتتمثل بـــ مهاجمة المنتقدين وإدانتهم؛ عبر إحالة موقفهم إلى فساد أخلاقي أو خروج عن الجماعة السورية، أو الجماعة الطائفية نفسها ضمن الطائفة من أضداد الهجري، وتتمثل التقنية الخمسة بالاستناد إلى ولاءات أعلى، أو إعلاء ولاءات مادون الدولة على الولاء للدولة والتاريخ المشترك، وهذه لم تكن لتحصل لولا حمى التحشيد التي تحاول قراءة وتصنيف السوريين وإلباسهم موقفا طائفيا تجاه الجماعة لتمتين عقدة التعاضد وشد عصب الجماعة، وقد حصل ذلك في خطاب الهجري ومؤيديه رغم تهافت هذا الخطاب وفقدانه دلالته لمجرد أن هناك الكثير ممن يدين فعل الهجري من باقي بيئات المجتمع السوري على اختلاف أطيافها وانتماءاتها الدينية.
يحتاج الدورز اليوم أكثر من أي يوم مضى قراءة الواقع بصورة تمس تاريخهم من جهة، وتمس سلامة أهلهم وذويهم لأنهم سيكونون وقود حرب داخلية يخوضها الهجري كلما شعر بتهلهل برنامجه.
Loading ads...
غير بعيد عنا تلك الصوتيات المسربة لتهديدات الهجري وزمرته لكل من يخالف أوامر الشيخ قبل أحداث السويداء، وشتى عمليات الاغتيال التي حصلت وخطاب التبرؤ من كل من يخالفه، لاشك أن ذلك شكل ضغطا على الجماعة وأبنائها، وأوقعهم في ضرورة الاستجابة لتحشيدها، أو السكوت عن الحيدان الذي حصل لخطف المدينة وأهلها، واحتكار قرارهم وتمثيلهم سياسيا، ورغم اعتبار الثورة على الهجري وزبانيته في السويداء ضرورة وطنية ومحلية تمس تاريخ الجماعة -باعتباره رفع علم إسرائيل وتلقى منها تمويلا في أقل تقدير-، يبدو الأمر بعد استهداف باص يقل مواطنين مدنيين؛ حدثا مهما بقياسه بما فعله الأسد كجزء من آليات التحشيد، لذا يحتاج الدورز اليوم أكثر من أي يوم مضى قراءة الواقع بصورة تمس تاريخهم من جهة، وتمس سلامة أهلهم وذويهم لأنهم سيكونون وقود حرب داخلية يخوضها الهجري كلما شعر بتهلهل برنامجه، وتهافت رؤيته ولن يتورع عن ارتكاب أي جريمة لاستمطار اللعنة على السطلات السورية واستجلاب تدخل دولي، مايحيل إلى ضرورة تفكر أبناء السويداء بأنفسهم ومصيرهم لأنهم لن يكونوا وقود حرب حقيقية تشن عليهم بل وقود وضحايا مظلوميات تتم صناعتها عبر دمائهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


