44 دقائق
أساطير البطولات الزائفة.. "الدحيح" يفكك الخدعة الكبرى لتجار الحروب
السبت، 26 سبتمبر 2026
هل تتخيل أن تقطع دولة رأس امرأة بالمقصلة، لا لشيء سوى أن شقيقها كتب رواية؟ هذا ما حدث تماما بسبب الرواية الألمانية “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” للكاتب إريك ماريا ريمارك.
لم تكن هذه الرواية الممنوعة من النشر مجرد أدب حروب تقليدي، بل مثلت ثورة سياسية زلزلت أروقة السلطة لدرجة إعدام شقيقة كاتبها انتقاما لمحتواها الملحمي.
ومن هذه النقطة الدموية، ينطلق أحمد الغندور في حلقة جديدة من برنامج "الدحيح"، الذي تنتجه AJ+، للإجابة عن تساؤلات شائكة بشأن "أدب مناهضة الحروب". وتكشف الحلقة كيف تقوم هذه الروايات بتعرية الهالة البطولية التي تصنعها "البروباغندا" الحكومية لغسل أدمغة الشباب، لتنتهي إلى خلاصة صادمة وموجعة، وهي أن الحروب في عالمنا المعاصر ليست سوى "بيزنس" دموي وصناعة تجارية بحتة للتربح.
ويسرد مقدم البرنامج أحمد الغندور في الحلقة -التي يمكنكم مشاهدتها بالضغط هنا– تفاصيل تلك الرواية، حيث يجد الشباب الألمان -الذين لم تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة- أنفسهم في مواجهة حقيقة قاسية ومغايرة تماما للخطب الحماسية التي ألقاها عليهم معلمهم في المدرسة ليقنعهم بالتطوع.
وفي خنادق الحرب العالمية الأولى، تبخرت شعارات المجد والوطنية، وحل محلها الطين والجوع وأشلاء الأصدقاء والرعب اليومي، وقد جعلت هذه التعرية القاسية لواقع المعارك الرواية خطرا أمنيا في نظر السلطة.
فمع صعود الحزب النازي في ألمانيا، صدرت الأوامر بحرق آلاف النسخ من الرواية في الميادين العامة بتهمة "إضعاف الروح المعنوية للأمة". ولأن الكاتب ريمارك أدرك خطورة الموقف وهرب إلى سويسرا ثم أمريكا، قررت الآلة النازية الانتقام بطريقتها؛ فاعتقلت شقيقته "إلفريدي"، وحاكمتها محاكمة صورية انتهت بقطع رأسها بالمقصلة، في رسالة دموية تؤكد أن الأنظمة الشمولية ترتعد من قلم الكاتب أكثر من رصاص الأعداء.
تنتقل الحلقة إلى محطة دموية أخرى في الحرب العالمية الثانية، لتسلط الضوء على رواية "المسلخ رقم 5" للكاتب الأمريكي كيرت فونيغت، إذ لم يكتب روايته من وحي الخيال، بل كان شاهدا وأسيرا للجيش الأمريكي في مدينة دريسدن الألمانية.
هناك، عاش الكاتب تفاصيل واحدة من أبشع الجرائم العسكرية، إذ قامت طائرات الحلفاء بقصف المدينة بقنابل حارقة وفوسفورية، متسببة في عاصفة نارية أذابت أجساد عشرات الآلاف من المدنيين (أطفال ونساء وشيوخ) داخل الملاجئ.
حين أراد فونيغت كتابة روايته، اصطدم بغضب زوجة صديقه التي صرخت في وجهه قائلة "لقد كنتم مجرد أطفال في الحرب، لا تكتب رواية تصوركم أبطالا يشبهون نجوم السينما لتدفعوا أطفالا آخرين إلى الموت مستقبلا".
واستجاب فونيغت لطلبها؛ فرفض إضفاء أي طابع ملحمي على الحرب، بل وضع عنوانا فرعيا لروايته هو "حملة الأطفال الصليبية"، ليؤكد أن الحروب لا يخوضها رجال خارقون، بل أطفال خائفون يُدفع بهم إلى المحرقة.
وتعرض الحلقة كيف ركزت رواية "المسلخ رقم 5" على تقديم الموت في الحروب بوصفه "موتا بلا معنى"، ولترسيخ هذه العبثية، استخدم فونيغت لازمة لغوية تكررت عقب كل مشهد وفاة في الرواية، سواء كانت لجندي يُقتل في خندق أو لمدني يحترق في ملجأ، وهي جملة "وهكذا تمضي الأمور".
وكانت هذه العبارة الباردة والمستسلمة سخرية سوداء ومؤلمة توضح إلى أي مدى أصبحت الحياة البشرية رخيصة وهامشية وسط آلة الحرب الطاحنة.
ولأن العقل البشري يعجز عن استيعاب مشهد مدينة تُشوى بمن فيها، يوضح الغندور كيف هرب فونيغت ببطله بيلي بيلجريم نحو الفانتازيا والخيال العلمي بوصفهما وسيلة وحيدة للتعافي من الصدمة (التروما). فقد جعل بطله "عالقا خارج الزمن" ومختطفا على يد كائنات فضائية قادمة من كوكب "ترالفامادور".
هذا التداخل الغرائبي لم يكن مجرد خيال أدبي، بل "حيلة دفاعية نفسية"، فهذه الكائنات لا تؤمن بنهاية الحياة، بل ترى الزمن لوحة مكتملة، وتَعُد الموت مجرد "حالة سيئة" يمر بها الإنسان في لحظة معيَّنة، بينما يظل حيا وبخير في لحظات أخرى من الماضي. كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي مكنت عقل الكاتب من تحمل ذكرى الجثث المتفحمة في دريسدن.
وبهذا الأسلوب الذي يمزج بين الكوميديا السوداء والمأساة، تمكنت الرواية من هدم السردية الرسمية التي لطالما روجت لها "البروباغندا" الغربية التي قسمت العالم بخط مستقيم إلى "أخيار وأشرار". فقد وضعت قوات الحلفاء "المحررة" في قفص الاتهام التاريخي، لتثبت أن المنتصرين ارتكبوا فظائع وحشية لا تقل بشاعة عن أعدائهم، وأن الحرب في جوهرها ليست انتصارا لطرف على آخر، بل هي إفلاس أخلاقي وهزيمة ساحقة للإنسانية جمعاء.
وتعرض الحلقة نموذجا آخر، إذ استمرت هذه التعرية الأدبية مع حرب فيتنام، حيث استعرض الغندور مذكرات الضابط الأمريكي فيليب كابوتو في كتابه "شائعة حرب"، الذي لم يركز فيه على التكتيكات العسكرية، بل على الانهيار النفسي والأخلاقي للجنود.
وتبيّن الحلقة كيف تحول شبان عاديون ومسالمون إلى آلات قتل مفرغة من المشاعر، يرتكبون فظائع لا يتخيلونها، فقط لأن الآلة العسكرية صُممت لانتزاع إنسانيتهم.
وتصل الحلقة في النهاية إلى استنتاج مرعب يطرحه أدب مناهضة الحروب؛ لقد جرى تفريغ الحروب الحديثة من أي دافع إنساني أو أخلاقي وتحولت إلى "بيزنس" صريح، على حد قول الدحيح. فالحكومات وشركات السلاح تدير المذابح لتحقيق أرباح وتوازنات جيوسياسية، بينما تقاس الانتصارات بعدد الجثث أو ما يُعرف بمصطلح "حصيلة الجثث" (Body count).
Loading ads...
وفي هذا النظام العبثي، يُختزل الإنسان إلى مجرد رقم في نشرة أخبار مسائية، وما يفعله الأدب المناهض للحرب هو أنه يعيد إلى هذه الأرقام أسماءها وأحلامها وأمهاتها اللاتي يبكينها، ليفضح في النهاية سماسرة الموت الذين يجلسون في مكاتبهم المكيفة، بينما يحترق الشباب في ساحات القتال.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




