أمازح صديقا لا تنقصه براعة تدبيج المقالات، لا سيما الأكاديمية المتعلقة بمهنة الصحافة والإعلام، فأنعته ومقالاته بالتعالي النخبوي والبرجوازي، وأكاد ألبسه عباءة "أدونيس" الذي طالما استشهد بمقولة أبي تمام ردا على "أبو العميْثَل" حين قال له: "لمَ لا تقول ما يُفهَم؟" فأجابه: "ولمَ لا تفهم ما يُقال؟".
ذلك ما أثار أيضا ذكريات المنطلقات النظرية لحزب القصيدة النزارية، حين أعلن الشاعر الدمشقي أهدافه بجعل الشعر خبزا يوميا للناس.
مع كل التأييد لصاحب قصائد السهل الممتنع أن يحلم بشعبية الشعر وجعله كالخبز، لكن لإعلامنا قصة أخرى تغلغل فيها الممتنع وامتنع عنها السهل!
فالإعلام السوري يكاد يتحول إلى خبز فعلا، لكن الخوف أن يصبح (خبز يابس ألمنيوم نحاس....للبيع)، وهذا مصطلح سوري محض لا يعرفه سوى من سمع موال جامعي الخردة في شوارع الأرياف!!
يتسلل السؤال، بين المزح والجد، لمن يكتب صديقنا مقالاته، في ظل تلاشي الطبقة الوسطى في بلاط "صاحبة الجلالة"؟ فالصحفيون في سوريا خلال وبعد الثورة صنفان: أكاديميون يتشبثون ببقايا نظريات إعلامية لم تلفظها الذاكرة بعد، بينهم أقلية محظوظة بعمل يحفظ ماء الوجه، وطبقة ناشطين غير ملمّين بأبجديات العمل الصحفي الأكاديمي لولا بعض مبادئ اكتسبوها بالخبرة الميدانية بعد أن فرضهم الخناق الذي هدد به نظام الأسد حياة أي إعلامي يحاول نقل الحقيقة.
لا بل كان يجبر صحفيي المؤسسات الحكومية على نقل أخبار جاهزة بعد تحريرها في غرف المخابرات! لدرجة أن تصنيفا شاع بيننا لتعريف الإعلامي فلان بأنه مراسل المخابرات العسكرية، والآخر يتبع المخابرات الجوية، وثالث للأمن السياسي ورابع لأمن الدولة، وهكذا كانت آلية عمل الإعلام الأسدي!
أذكر تماما حين حاولت كصحفي حكومي دخول حي "بابا عمرو" على تخوم حمص، محاولا في قرارة نفسي توثيق مجازر ودمار وتهجير بحق أهله أواخر فبراير/2012, فاستعنت بصديق (مدعوم) لندخل بحجة نقل ما فعل "الإرهابيون" بالحي، لكن جلافة وصلف وإرهاب عناصر حاجز النظام كان كفيلا بأن نكتفي من الغنيمة بالإياب، وحالت الاتصالات ودعوات الأمهات -ربما- دون أرشفة صورنا في ألبوم "قيصر"!
انتهت المغامرة الانتحارية بعودتنا سالمين، ولم أجد تفسيرا من أين أتتنا تلك الشجاعة، في حين دماء الصحفية الأميركية "ماري كولفن" والفرنسي "ريمي أورشليك" اللذين لم توفرهما آلة القتل الأسدية، لم تجفّ بين ركام الحي نفسه بعد!
في هذه الظروف، كان يكفي الناشطين من أبناء الأحياء والمدن الثائرة بطارية هاتف مشحونة ليصوروا المظاهرات والانتهاكات التي تتخللها قبل بثها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإرسالها إلى القنوات الخارجية، ليعلنوا اختراق الرواية الرسمية المثيرة للدجل بأبسط الإمكانات!
لا ينكر جهود هؤلاء الشبان إلا جاحد، وهم من حمل دمه على كفه، وقضى كثير منهم نحبه، ليعرف العالم حقيقة الظلم والألم والدمار التي مارسها المخلوع ضد السوريين.
ازدهرت ظاهرة "المواطن الصحفي"، وطور بعض الناشطين إمكاناتهم وأدواتهم بدعم من مؤسسات إعلامية محلية وخارجية.
وبعد إجبار الثورة على التسلح واصل هؤلاء الشبان عملهم مع الفصائل المسلحة، ونقلوا أخبار المعارك والقصف والمجازر، وبثت كبرى المحطات التلفزيونية العربية رسائلهم المصورة.
انتصرت الثورة وسقط نظام الأسد إيذانا بشروع مرحلة بناء الدولة، كما صرح الرئيس "أحمد الشرع" بنفسه، لكن ما تشهده الساحة الإعلامية لا يوحي ببناء سليم للقوة الناعمة كي تكون ذراعا داعما للدولة الجديدة.
تحت ذريعة "من يحرر يقرر" أُسندت معظم المؤسسات الإعلامية إلى غير أهلها، فالإعلام الميداني لا يكفي لبناء إعلام دولة.
فكرة احتكار التحرير تنغص فرحة سوريين يعتبرون أنفسهم شركاء في النصر، ومنهم الإعلاميون المنشقون الذين أخذوا موقفهم ومواقعهم في وسائل إعلام محلية وعربية، وواصلوا دعم ثورة شعبهم في غرف التحرير، لكنهم لم يلاقوا من السلطة الجديدة سوى التجاهل حتى كتابة هذه السطور!
علما أن هناك صحفيين تخلوا عن إقامتهم في دول أوروبية، للمشاركة في إعلام يليق بسوريا الجديدة، لكن الأبواب كانت مواربة بداية قبل أن تغلق نهائيا فيما بعد! لينطبق عليهم المثل "من لا يعرف الصقر يشويه"!
وفي حين اكتفى إعلاميون في زمن المخلوع بالسلة من دون عنب، فإن قسما آخر منهم كان عاجزا عن الانشقاق رغم الضغط النفسي والاقتصادي المتحكم بمصيره، لكنه لم ينل ثقة المحررين الجدد، فخسر بلح اليمن ولم يربح عنب الشام!
لذلك فإن بناء إعلام مهنيّ يتطلب دمج خبرات الإعلاميين المخضرمين ولا سيما المنشقين، مع جيل ناشطي الثورة، فالشرعية الأخلاقية والثورية لا تعفي من الحاجة إلى قواعد مهنية.
وذلك لا يعني بحال من الأحوال إهمال الناشط، أو "المواطن الصحفي"، وإنما توجيهه ووضعه على الطريق الصحيح.
حسب المتابعات، فإن الغالبية العظمى من الناشطين لا تجيد سوى التعامل مع الكاميرا وآلة التسجيل، في حين يجدون أن الصحافة المكتوبة ليست ملعبهم، لأسباب كثيرة.
وهذا ما قد يفسر اعتماد إحدى المؤسسات الإعلامية الحكومية نحو 80 ناشطا كمراسلين لها مهمتهم فقط التصوير والتسجيل، في حين يلقون على عاتق الصحفيين القدامى تفريغ تسجيلاتهم وصياغتها داخل مكاتبهم، والمفارقة أنهم (القدامى) يستلمون رواتب ضئيلة بالليرة السورية، في حين تتضاعف رواتب الناشطين بالدولار الأميركي!
رغم ذلك يبقى عدد الناشطين أكبر من أن تستوعبه مؤسسات الحكومة، لتضطر الأخيرة إلى فتح نوافذ مناصب ومسميات وظيفية اخترعتها، لعلها تستوعبهم وتغلق النافذة التي تأتي منها رياح مطالبهم بوظيفة يعتبرونها حقا مكتسبا!
وهكذا يمكن اختصار إصلاح البيئة الإعلامية بوضع لافتات لوظائف حديثة على باب قديم!
Loading ads...
قد تفسر ندرة الناشطين المعنيين بالصحافة المكتوبة أيضا قلة تجارب الصحف المطبوعة في أثناء الثورة السورية، التي لم تتجاوز عدد أصابع اليد. في حين كانت الغلبة للمرئي والمسموع والإعلام البديل، الذي اكتسح الفضاء، وقلب موازين المهنة رأسا على عقب، وانطلقت قوافل التكتوك واليوتيوب، لتعيد قاعدة "الجمهور عاوز كدة" إلى المشهد الإعلامي!.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



