ساعة واحدة
الأسواق السورية قبل “الأضحى”.. أسعار قياسية تُعمّق ركود حركة البيع والشراء
الأحد، 17 مايو 2026
مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، دخلت الأسواق السورية في حالة من الركود غير المسبوق، حيث طغى الحذر والصدمة السعرية على مظاهر الازدحام والبهجة التي طالما ميزت تلك المواسم.
فبينما تتزين الشوارع وتزدحم المحال تجهيزاً للعيد، تحولت جولات المواطنين إلى طقوس من الاستفسار والمشاهدة، إذ باتت قفزات الأسعار القياسية حاجزاً نفسياً ومادياً يحول دون إتمام أي عملية شراء، في مؤشر واضح على انهيار القدرة الشرائية للأغلبية السورية.
لم تقتصر موجة الغلاء على صنف دون آخر، بل طالت الألبسة والحلويات ومستلزمات الضيافة، وتكشف جولة سريعة في أشهر أسواق العاصمة أبعاد هذه الأزمة.
ففي سوق الشعلان، أحد أبرز أسواق دمشق الشعبية، تراوحت أسعار الأحذية الولادي بين 400 و600 ألف ليرة، بينما سجل البنطال الولادي أسعاراً تراوحت بين 300 و400 ألف ليرة، وبلغ سعر القميص الولادي نحو 300 إلى 400 ألف ليرة أيضاً.
وفي سوق الحميدية العريق، لم يكن المشهد أقل قسوة، حيث وصل سعر البنطال الجينز إلى ما بين 150 و200 ألف ليرة، بينما في أسواق شارع الحمرا، فقد تراوح سعر القميص النسائي بين 250 و350 ألف ليرة، والجينز بين 150 و250 ألف ليرة، بينما بلغ سعر البنطال القماشي بين 200 و300 ألف ليرة، والحذاء النسائي بين 200 و300 ألف ليرة.
يكمن السر الرئيسي لهذا الركود في الفجوة السعرية الهائلة التي أوجدتها السياسة النقدية في البلاد، فبينما أبقى مصرف سوريا المركزي سعر الصرف الرسمي عند مستويات غير واقعية بلغت 11,250 ليرة للشراء و11,350 ليرة للبيع للدولار الواحد، انفجرت السوق الموازية “السوداء” لتصل إلى مستويات قياسية.
وفقاً لآخر بيانات موقع “الليرة اليوم”، فقد سجل سعر الدولار في السوق السوداء نحو 13,760 ليرة للشراء و13,820 ليرة للبيع، مما يعني أن تحويل 100 دولار عبر المصارف يعادل نحو 1.135 مليون ليرة فقط، بينما تصل قيمته في السوق السوداء إلى نحو 1.376 مليون ليرة.
هذه الفجوة التي تتجاوز الـ 20 بالمئة بين السعرين الرسمي والموازي هي التي تفتك بشكل مباشر بحركة الأسواق، حيث يتم تسعير معظم البضائع المستوردة بناءً على سعر الصرف الحقيقي في السوق الموازية، بينما تتقاضى الأجور والرواتب بالسعر الرسمي، مما يخلق فجوة هائلة في القدرة الشرائية.
يشير هذا الركود إلى تحول نوعي في سلوك المستهلك السوري، حيث لم يعد المواطن قادراً على شراء احتياجات العيد الأساسية لجميع أفراد الأسرة، فمعاناة المواطن السوري تتجسد في عبارات استيائه ويأسه.
فقد صرّحت سيدة من سكان دمشق قائلة: “شراء ملابس لطفلين فقط قد يحتاج إلى أكثر من مليون ليرة، العيد كان مناسبة للفرح، أما اليوم فأصبح موسمًا للقلق والحسابات”، وفق ما نقل عنها موقع “الترا سوريا”.
ولا تقف الصورة عند هذا الحد، فتحذث موظف حكومي، بدوره مؤكداً أن راتبه الشهري “لا يكفي لشراء حذاء وقطعة لباس واحدة”، الأمر الذي يدفع كثيراً من العائلات إلى تأجيل الشراء أو الاستغناء عن بعض الاحتياجات، في مشهد يعيد تعريف مفهوم “التسوق المبكر”، الذي لم يعد دليلاً على التخطيط السليم كما كان في السابق، بل أصبح وسيلة للهروب المؤقت من صدمة الأسعار في اللحظات الأخيرة.
لكن الصورة التي رسمها التجار والصناعيون تؤكد أن العوامل الهيكلية أعمق من مجرد ارتفاع سعر الصرف، فأكد عدد من أصحاب المحال التجارية في دمشق أن حركة الأسواق ما تزال ضعيفة، حيث يكتفي الزبائن بالسؤال ثم المغادرة.
قال أحد أصحاب محال الألبسة في سوق الحميدية: “الإقبال هذا العام أقل بكثير من السنوات الماضية، وحتى مقارنة بعيد الفطر السابق، فالناس تدخل المحل وتتفاجأ بالأسعار ثم تخرج مباشرة”.
ويضيف آخر من منطقة الشعلان أن “المبيعات تراجعت بشكل واضح، وبعض العائلات باتت تشتري قطعة أو قطعتين فقط للأطفال بعد أن كانت تشتري كامل احتياجات العيد”.
من جهته، يذهب رئيس القطاع النسيجي وعضو غرفة صناعة دمشق وريفها، مهند دعدوش، في تفسيره إلى عمق الإشكالية، موضحاً أن هناك أسباباً بنيوية تتعلق بموسمية البضائع وارتفاع تكاليف الإنتاج، إذ أن بضائع عيد الفطر كانت شتوية وخاضعة للتنزيلات، بينما يمثل عيد الأضحى بداية الموسم الصيفي، ما ينعكس سلباً على الأسعار.
ويضيف دعدوش أن تكاليف الإنتاج الصناعي في سوريا ترتفع بشكل مستمر، ولا سيما مع ارتفاع أسعار الطاقة، الأمر الذي يرفع تكلفة المنتج المحلي، ليجد نفسه في منافسة غير متكافئة مع البضائع المستوردة التي هي غالباً “ستوكات” أو بضائع متبقية تباع بأسعار منخفضة تؤثر سلباً على الصناعة المحلية.
وتؤكد غرفة صناعة دمشق وريفها نفس المشكلة في بيان رسمي سابق، حيث جددت مطالبها بضرورة تبسيط الإجراءات الإدارية وتخفيض تكاليف مدخلات الإنتاج كالكهرباء والمحروقات، مشيرة إلى معاناة الصناعي السوري من منافسة غير متكافئة مع نظيره المستورد
لم تكن شهادة أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أقل قسوة، حيث فضح واقعاً مزدوجاً من حيث الجودة والسعر، فقد أكد أن أسعار ملابس الأطفال ارتفعت بنسبة تتراوح بين 20 و25 بالمئة مقارنة بالعيد الماضي.
أشار حبزة إلى تراجع جودة بعض المنتجات المحلية رغم ارتفاع أسعارها، نتيجة استخدام أقمشة أقل جودة لا تتناسب مع الأسعار المطروحة في الأسواق، وهو ما يضاعف معاناة المستهلك الذي يدفع ثمناً باهظاً مقابل منتج رديء، موضحاً أن خياطة الملابس، التي كانت في السابق خياراً أقل تكلفة للعديد من العائلات، تحولت اليوم إلى عبء إضافي بسبب ارتفاع أسعار الأقمشة والطاقة وأجور الخياطة، ما جعل حتى هذا الخيار خارج قدرة كثير من الأسر السورية.
Loading ads...
مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، يدخل السوريون موسم عيد الأضحى وسط مخاوف متزايدة من اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، في وقت باتت فيه مستلزمات العيد عبئاً إضافياً على كثير من العائلات التي تكتفي بالمشاهدة أو تقليص احتياجاتها إلى الحد الأدنى، وهو ما يحول العيد من مناسبة للفرح والتبادل الاجتماعي إلى مجرد عبء مالي آخر يضاف إلى سلسلة طويلة من الأعباء.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


