Loading ads...
جاء رحيل محمد بكري (1953–2025) في سياق مسار اختاره لنفسه في سنواته الأخيرة، حين صرح في حوار تلفزيوني بأنه لن يقدم أفلامًا عن غزة، لأنها كما قال لا تحتاج إلى أفلام، فأهلها يعرفون على أيّ أرض يقفون، ويدركون ما الذي ينبغي عليهم فعله غدًا.لم يكن قرار محمد بكري التوقف عن صناعة أفلام عن غزة انسحابا من القضية الفلسطينية، بل كان تعبيرًا عن إيمانه بأن العالم يصور غزة بما يكفي، وأن ما يقع من وحشية صار أكبر من أن تختزله الكاميرا.في هذه اللحظة، يرى بكري أن الأهم هو أن تبقى الذاكرة حية، لا أن يضيف فيلما جديدا إلى سيل الصور، وأن يبتعد المخرج خطوة إلى الخلف ليفسح المجال للضحايا أنفسهم، وأن يكون صمته أحيانًا أصدق من أيّ صراخ.منذ اللحظات الأولى في فيلمه "جنين جنين" (2002) ،يغيب صوت المخرج لصالح وجوه الناس. الكاميرا ثابتة وبطيئة، والصمت يسبق الكلام ويتجاوزه، كأن بكري يعلن منذ البداية أن دوره ليس أن يتكلم نيابة عن أحد، بل أن يفسح المجال للشهادة كي تظهر كما هي. هنا تتحدد معركته الحقيقية: ليست معركة على لقطة أو مشهد، بل على السرد نفسه، وعلى الحق في أن يتكلم الفلسطيني عن جراحه بلسانه هو.لم يحاول تعريف المشاهد بالسياق، خشية الملل أو السقوط في مساحة عدم الفهم التي تقود إلى العزوف، بل وضعه داخل المشهد، داخل ما بقي من فوضى بعد ضربة وحشية. وبمونتاج ضاغط ولقطات سريعة، حاول أن يجعل الشكل يؤكد ما يقوله المحتوى: ما بعد الصدمة لا ينبغي أن يُرى من زاوية واحدة. وكان المشهد بلا تعليق صوتي؛ لأن الكلمات تفقد قيمتها أمام الصورة، ولأنه يرفض السرد الملون، لتبدو الكاميرا كأنها تتكلم وتشرح وتبكي وتصرخ وتشهد. هكذا أعلنها في المشهد الأول: إنها معركة السرد. إعلان ومن هذا الافتتاح نفهم الرحيل: لماذا عاد بكري إلى مساحته كشاهد لا كصانع صور. فالشهادة حين تُستوفى تترك مكانها للفعل، وحين تتكدس الصور حتى التخمة تصبح مسؤولية الشاهد أن يحفظ المعنى من الاستهلاك. لم يقل إن غزة لا تحتاج إلى أفلام ازدراءً للصورة، بل احترامًا لها؛ لأن الصورة إذا تكررت بلا حد فقدت قدرتها على الإزعاج، وفقدت الشهادة حدتها. رحل كما بدأ: من المكان إلى المعنى، ومن المعنى إلى صمت مليء، وترك درسًا لا يشيخ: أن تبدأ من الأثر، وأن تثق بأن الحقيقة ستجد طريقها ولو بعد حين.من القرية إلى خشبة المسرحولد محمد بكري عام 1953 في قرية البعنة في منطقة الجليل شمال فلسطين التاريخية، داخل واقع مركب يجمع بين الهوية الفلسطينية والقانون الإسرائيلي. لم تكن القرية مجرد خلفية خضراء على تلال، بل مكانا يرى فيه الطفل أن وطنه موجود في خرائط لا تسميه باسمه، وأن أهله يوصفون دائما بوصفهم "أقلية" على أرضهم.حين غادر قرية البعنة لدراسة المسرح، لم يقطع الصلة بالمكان، بل حمله معه إلى الخشبة. هناك تعلّم أنّ الجسد لغة كاملة، وأنّ الصمت قد يكون أبلغ من الخطب الطويلة، وأنّ الجمهور يلتقط الزيف بسرعة تفوق ما تلتقطه الكاميرا. على المسرح أدرك درسه الأول في السرد: من لا يحكي مكانه وقصته، سيحكى عنه بصوت آخر، وبشروط لا يملكها.التمثيل كاختيار أخلاقيأدرك بكري أن الفلسطيني، في الداخل أو المهجر، لا يستطيع أن يكون شخصًا عاديًا. لذلك قرر ألا يكون ممثلًا عاديًا. نشأ داخل دولة تدير تمثيل الفلسطيني كملف أمني وهامش سردي، فتعامل مع التمثيل كقرار أخلاقي قبل أن يكون مسارًا مهنيًا. انتقى أدواره بوصفها مواقف لا فرصًا للظهور، ورفض المشاركة في أعمال تعيد إنتاج الصورة النمطية أو تفرّغ الفلسطيني من إنسانيته.فيلم"هانا ك" في قلب هوليودفي أدواره حرص على إعادة الفلسطيني إلى مركز الصورة بوصفه إنسانًا كاملًا. وفي مشاركته المبكرة في فيلم "هنا ك" (1983) للمخرج اليوناني الفرنسي "كوستا غافراس"، لم يكن حضوره محطة عابرة، بل اختيارًا واعيًا في لحظة كانت فيها الرواية الفلسطينية شبه غائبة عن السينما السياسية الغربية؛ فيلم يتناول قضية فلسطيني يسعى لاستعادة أرضه عبر مسار قانوني داخل النظام الإسرائيلي. كان ذلك إعلانًا مبكرًا عن مسار لن يحيد عنه.فيلم واجب..تصوير القضية الفلسطينية من نافذة سيارةفي فيلم "واجب" (2017) يظهر بكري في صورة الأب الذي يعيش تناقضات يومية صغيرة، يساوم نفسه وأولاده ويخوض صراعات عائلية عادية في ظل واقع غير عادي. هنا يبتعد بكري عن التمثيل النمطي للفلسطيني بوصفه أسطورة أو شعارا، ويقدمه كإنسان كامل التناقضات، لا كصورة جاهزة. هذا النوع من الأدوار كان ما يبحث عنه، أدوار تقاوم الاختزال ولا تكتفي بتجميل الرواية الرسمية أو "أنسنة" العنف من دون تسمية جذوره.على مستوى الحضور العربي والدولي، وsع بكري مساحة المناورة من غير أن يحول هويته إلى ورقة للمساومة. قبل العمل مع مخرجين عرب وأجانب، لكنه رفض أن يكون الثمن هو الصمت أو التخفيف من ثقل الحكاية الفلسطينية. هكذا تحول التمثيل عنده إلى استعادة للسرد، وصار الجسد على الشاشة امتدادا لموقف سياسي وأخلاقي، لا تفصيلا ثانويا في حكايات الآخرين.التحول من التمثيل إلى الإخراجبعد سنوات طويلة من الوقوف على الخشبة وأمام الكاميرا، اختار محمد بكري أن يحمل الكاميرا بنفسه. لم تعد المشكلة في كيفية أداء الدور، بل في طبيعة الرواية التي يطلب من هذا الدور أن يخدمها. في حوارات متفرقة، أشار إلى أنّ المشاركة في أعمال الآخرين تتيح حضورا مشروطا، بينما يمنح الإخراج قدرة على طرح السؤال من جذوره.في تصور بكري، الفيلم الوثائقي ليس مجموعة مشاهد تُجمع في غرفة المونتاج، بل عقد أخلاقي بين صانع الصورة والناس الذين يظهرون فيها. الثقة هنا أهم من أي تقنية، والإنصات أعمق من أي تعليق صوتي. لذلك غاب صوته في "جنين جنين" بوصفه راويا شارحا، ولم تغب بصمته بوصفه من رتّب هذه الشهادات ونسقها بحيث تظل كرامة أصحابها محفوظة، حتى وهم في أقصى لحظات الهشاشة. إعلان الفارق بين التمثيل والإخراج عنده لم يكن فارق "وظيفة" فقط، بل فارق موقع. الممثل جزء من حكاية يكتبها آخرون، أما المخرج الوثائقي المسؤول فهو الذي يقرر: من يتكلم؟ ومتى؟ وبأي صورة؟ هنا تصبح الأخلاق جزءا من بنية الفيلم، لا زينة تضاف إليه، لأنّ التقنية يمكن أن تتقن الكذب، بينما تبقى الحقيقة محتاجة إلى ضمير حيّ."جنين جنين": الفيلم المعركةجاء "جنين جنين" كاستجابة مباشرة لاجتياح مخيم جنين في الضفة الغربية عام 2002. اختار بكري ألا يقدم تحقيقا صحفيا أو تقريرا تلفزيونيا مطولا، بل أن يلتقط الأثر المباشر للدمار والغضب والحيرة على وجوه الناجين. لا خرائط ولا خطابات مطوّلة، بل نساء يروين ما رأين، ورجال يحاولون ترتيب الكلمات بعد الصدمة، وأطفال يلعبون فوق الأنقاض لأنّ اللعب هو الشيء الوحيد الذي لم يصادره أحد منهم.الشهود في مركز الكادرلغة الفيلم تعلن موقفها منذ اللقطة الأولى. غياب الراوي لا يعني حيادا مصنعا، بل إفساح المجال للشهود لكي يحتلوا مركز الصورة، من دون طبقة تفسيرية تحوّلهم إلى حاشية على خطاب سياسي. امتنع بكري عن الشرح، فازدادت اللغة وضوحا. لقطة امرأة تقف وسط الركام وتقول كلمات قليلة، وأخرى تغالب دموعها، وأجساد تتحرك في فضاء مدمّر؛ كل ذلك كان أكثر بلاغة من أي تعليق.من فيلم وثائقي إلى قضيّة في المحاكملم يُستقبل "جنين جنين" بوصفه فيلما وثائقيا عاديا، بل بوصفه اتهاما مباشرا للرواية العسكرية الإسرائيلية عن اجتياح المخيم. تقرر منعه في البداية، ثم انتقلت المعركة إلى أروقة القضاء المدني، حيث واجه بكري دعاوى تشهير وغرامات ثقيلة. ما كان يمكن أن يبقى نقاشا نقديا حول فيلم، تحوّل إلى قضية قانونية وسياسية عن حقّ الفلسطيني في أن يقدّم روايته للأحداث.أرشيف مضاد وذاكرة جيل كاملبالمفارقة، منحت هذه المطاردة القانونية الفيلم عمرا أطول وانتشارا أوسع. صار "جنين جنين" مرجعا بصريا في كل نقاش حول ما جرى في المخيم، وموضوعا للبحث في الجامعات ومحلا للأسئلة في المهرجانات. تجاوز حدود كونه عملا سينمائيا إلى أن أصبح "أرشيفا مضادا" للأرشيف الرسمي، وحجرة ثابتة في ذاكرة جيل كامل شاهد صور المخيم لأول مرة من خلاله.إرث فني وأخلاقي بعد الرحيللا يُقاس حضور مبدع بحجم محمد بكري بعدد الأفلام والأدوار فقط، بل بمقدار التحوّل الذي أحدثه في طريقة النظر إلى السينما الفلسطينية. مثّل بكري لحظة انتقال من التمثيل الرمزي للفلسطيني إلى الإنسان بكل تفاصيله اليومية وتناقضاته الصغيرة، ومن الوثائقي البارد إلى الوثائقي المنحاز بوضوح إلى الضحايا من دون أن يسقط في الشعارات الجوفاء.كاميرا تستعيد الحكاية لا تزيّنهاأثره لا يقتصر على "جنين جنين"، رغم أنّه ذروة مشروعه، بل يتجلى في الجيل الذي رأى في الكاميرا وسيلة لاستعادة الحكاية من أيدي القوى المهيمنة، لا مجرد وسيلة للانضمام إلى سوق الصور. كثير من السينمائيين الفلسطينيين والعرب تأثروا بسؤاله الأساسي: كيف نقول الحقيقة من دون ادعاء امتلاكها كاملة؟ وكيف نشتبك مع السياسة من دون اختزال الإنسان في شعار؟رفض الحياد الزائفربما تكمن القيمة الأهم في إرث محمد بكري في رفضه "الحياد الزائف". لم يدع الموضوعية الباردة في موضوع لا يحتمل الحياد، بل أعلن انحيازه للضحايا وللرواية الفلسطينية، مع حرص واضح على صدق الصورة واحترام كرامة من يظهرون فيها. لهذا بقي "جنين جنين" جزءا من النقاش العالمي حول أخلاقيات الفيلم الوثائقي، وبقي اسم صاحبه مرتبطا بفكرة الفن الذي يختار أن يكون شاهدا لا شريكا في الصمت.هكذا رحل محمد بكري، لكن الأسئلة التي تركها خلفه لم ترحل. من يملك حق السرد؟ من يقرر ماذا تبقيه الكاميرا وماذا تمحوه؟ وكيف يمكن لصورة واحدة صادقة أن تقاوم آلاف الصور المصنعة؟ هذه الأسئلة، أكثر من أي شيء آخر، هي ما يمنح إرثه قوته واستمراره في ذاكرة السينما الفلسطينية والعربية. إعلان
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





