39 دقائق
من البرتغال إلى إيطاليا وإسبانيا.. ماذا وراء ملاحقة النقاب في أوروبا الآن؟
السبت، 26 سبتمبر 2026
في غضون أسابيع قليلة، عاد النقاب والبرقع إلى أجندة النقاش السياسي والقانوني في عدد من الدول الأوروبية، مع توالي إجراءات وقرارات تستهدف تغطية الوجه في الأماكن العامة أو في المؤسسات التعليمية.
وكان أحدث هذه القرارات في إسبانيا، حيث أقر مجلس مدينة لاردة، شرقي البلاد، الجمعة، تعديلا على لائحة السلوك والتعايش المدني يحظر ارتداء أي ملابس أو عناصر تخفي الوجه بالكامل في الأماكن العامة، وهو ما يشمل البرقع والنقاب.
وتنص القاعدة الجديدة على غرامات تتراوح بين 400 و750 يورو، مع استثناءات تشمل أماكن العبادة وبعض الحالات المرتبطة بممارسة الحقوق الأساسية أو الأعراف الاجتماعية المقبولة.
وأُقرت اللائحة بأصوات الحزب الاشتراكي الحاكم في المدينة، وحزب "معا من أجل كتالونيا" (يونتس)، وحزب فوكس، فيما صوت حزب الشعب وأحزاب أخرى ضدها.
وعلى عكس جاراتها الأوروبيات مثل فرنسا والبرتغال وبلجيكا، لا تملك إسبانيا تشريعا وطنيا يحظر أو يقيد ارتداء النقاب والبرقع.
وتأتي الخطوة الإسبانية بعدما أقر البرلمان البرتغالي في يوليو/تموز قانونا يحظر تغطية الوجه في الأماكن العامة، قبل أن يوقعه الرئيس في أغسطس/آب، لتصبح المخالفات عرضة لغرامات تتراوح بين 150 و3000 يورو، مع استثناءات لأسباب صحية ومهنية وفنية وأخرى مرتبطة بالطقس وأماكن العبادة.
وفي إيطاليا، أعلنت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني أن حكومتها ستحظر ارتداء البرقع والنقاب في المدارس، قبل أن يقر مجلس الوزراء المرسوم في 24 سبتمبر/أيلول الجاري.
وقدمت الحكومة الإيطالية القرار باعتباره جزءا من سياسة تهدف إلى تعزيز الاندماج داخل النظام التعليمي، إلى جانب إجراءات أخرى تتعلق بتعلم اللغة الإيطالية وتركيبة الفصول الدراسية.
تختلف حجج المؤيدين للحظر من دولة إلى أخرى، لكنها تدور عموما حول 3 أفكار رئيسية: القدرة على التعرف إلى هوية الأشخاص، والاندماج والتواصل داخل المجتمع، وحماية النساء من الإكراه أو التمييز.
وفي إيطاليا، قدمت ميلوني قرار حكومتها باعتباره جزءا من سياسة "الاندماج" داخل المدارس، وقالت إن القواعد الجديدة تهدف إلى منع تشكل بيئات تعليمية معزولة وتعزيز تكافؤ الفرص.
وفي لاردة الإسبانية، تقول السلطات المحلية إن اللائحة تتعلق بالسلوك المدني وحقوق النساء، بينما يرى منتقدوها أنها تقيد حرية دينية.
ويقول موراد البوذاوي، من جمعية "وطني للحرية والعدالة" في لاردة، إن من الأفضل التعامل مع النساء اللواتي يرتدين النقاب من خلال الحوار والتعليم والمساعدة على دخول سوق العمل، بدلا من الحظر.
في المقابل، تنتقد منظمات حقوقية هذا النوع من الحظر، معتبرة أن تقييد ارتداء النقاب قد يؤدي إلى عزل النساء اللواتي يخترن تغطية وجوههن.
وقالت منظمة العفو الدولية، عقب إقرار البرلمان البرتغالي للقانون، إن الحظر "تهديد لحقوق الإنسان"، معتبرة أنه يمس حرية التعبير والحرية الدينية، وقد يؤدي إلى مزيد من العزلة الاجتماعية وصعوبات في الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات العامة.
كما أن المفوض السابق لحقوق الإنسان في مجلس أوروبا حذر في موقف سابق من أن الحظر العام للنقاب قد يؤدي إلى مزيد من عزل النساء بدلا من تحريرهن، حسب تعبيره، مشيرا إلى ارتباط المسألة بحقوق الخصوصية والحرية الدينية المنصوص عليها في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وتشير الأمم المتحدة، في تقرير بشأن حقوق النساء اللواتي يرتدين النقاب، إلى أن لجنة حقوق الإنسان التابعة لها خلصت في قضيتين ضد فرنسا عام 2018 إلى أن الحظر الشامل لتغطية الوجه فرض أثرا غير متناسب على نساء مسلمات، واعتبرت في الحالتين أن الحظر شكل تمييزا على أساس الجنس والدين.
كما خلص الباحث بابلو زالدبيا لوينغو من جامعة إقليم الباسك الإسبانية -في دراسة قانونية متخصصة حول النقاب في إسبانيا- إلى أن تقييد ارتداء النقاب الكامل لا يمكن تبريره من منظور حقوق الإنسان والتناسب، إلا عندما يكون مرتبطا بمتطلبات السلامة العامة والتحقق من هوية الشخص.
لا تشير المعطيات المتاحة، حتى الآن، إلى وجود قرار أوروبي موحد أو تنسيق مباشر بين البلدان الثلاث بشأن الحظر والتقييد.
غير أن النقاب بات جزءا من نقاش أوسع حول الهجرة والاندماج والهوية الوطنية في أوروبا، ورغم محدودية عدد النساء اللواتي يرتدينه في معظم هذه الدول، فإنه يحمل قيمة رمزية كبيرة في الجدل الأوروبي حول حدود حضور الدين في المجال العام.
كما تأتي هذه الإجراءات في وقت تشهد فيه أوروبا استقطابا سياسيا حادا بين اليمين واليسار، بالتزامن مع صعود قوى يمينية وقومية جعلت قضايا الهجرة والهوية الوطنية والاندماج في صدارة المنافسة السياسية.
وفي هذا السياق، يصعب فصل إعادة طرح قضايا النقاب والحجاب والرموز الإسلامية عن المناخ الانتخابي والسياسي الراهن، إذ باتت هذه الملفات، من القضايا التي توظفها قوى اليمين في مخاطبة قواعدها الانتخابية وحشد التأييد الشعبي.
ويتزامن هذا النقاش أيضا مع تصاعد مظاهر العداء والتمييز ضد المسلمين في عدد من الدول الأوروبية.
ووفق وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية، ارتفعت مستويات العنصرية والتمييز التي يواجهها المسلمون مقارنة بالسنوات السابقة، إذ قال 47% من المسلمين الذين شملهم مسح الوكالة في 13 دولة أوروبية إنهم تعرضوا لتمييز عنصري خلال السنوات الخمس السابقة للمسح، فيما أفاد 27% بتعرضهم لمضايقات عنصرية خلال الفترة نفسها.
ووفق مسح الوكالة، كانت النساء اللواتي يرتدين "ملابس دينية" من الفئات الأكثر عرضة للتمييز. كذلك لفتت الوكالة إلى وجود مظاهر عداء للمسلمين في الخطاب السياسي.
وفي هذا السياق، يرى حقوقيون أن الخطر لا يكمن فقط في الإجراءات القانونية ذاتها، وإنما في أن تتحول الرموز الدينية إلى وسيلة لتمييز المسلمين أو تصويرهم باعتبارهم "الآخر" داخل المجتمع الأوروبي، وهو ما قد يعمق الإقصاء بدلا من تحقيق الاندماج.
ولا تمثل الإجراءات الأخيرة في إسبانيا وإيطاليا والبرتغال بداية القيود الأوروبية على النقاب، إذ سبقتها سلسلة من القوانين في دول أوروبية أخرى.
وكانت فرنسا أول دولة أوروبية تفرض حظرا عاما على تغطية الوجه في الأماكن العامة عام 2010، وتبعتها بلجيكا عام 2011، ثم بلغاريا في 2016 والدانمارك والنمسا في 2017 و2018 على التوالي.
كما فرضت هولندا ولوكسمبورغ والنرويج وألمانيا قيودا جزئية تختلف من دولة إلى أخرى، وتشمل أماكن مثل المدارس والمستشفيات ووسائل النقل والمؤسسات الحكومية.
وفي سويسرا، أقر الناخبون في استفتاء عام 2021 حظرا وطنيا على تغطية الوجه في الأماكن العامة دخل حيز التنفيذ عام 2025.
Loading ads...
ولا يتوقف الجدل عند النقاب، إذ يطرح توالي القيود على تغطية الوجه سؤالا أوسع حول ما إذا كانت بعض الدول الأوروبية قد تتجه مستقبلا إلى توسيع نطاق تلك الإجراءات لتشمل الحجاب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




