شهر واحد
الدراما السورية بين استعادة الريادة واستحقاقات العدالة الانتقالية
الأربعاء، 25 فبراير 2026
أسَّست الدراما السورية، ولا سيما في أعمال البيئة الشامية والملاحم التاريخية، لمكانة راسخة في وعي المشاهد العربي قبل سنوات الحرب، إذ نجحت في بناء تقليد إنتاجي متماسك يقوم على تكامل العناصر الفنية من كتابة وإخراج وأداء وتمثيل.
فقد جرى تقديم التجربة السردية السورية ضمن بنية درامية تجعلها قابلة للتلقي خارج سياقها الجغرافي، الأمر الذي منحها بعداً إنسانياً يتجاوز حدود المكان. ومن خلال هذا التراكم المهني والجمالي، تبوَّأت الدراما السورية موقعاً متقدِّماً في المشهد العربي بوصفها تجربة ذات تأثير ثقافي مستدام.
بعد تحرير سوريا، تصاعدت لدى المشاهد العربي حالة انتظار مشوبة بالتطلُّع إزاء عودة الدراما السورية، وانطلاقها نحو أفق موضوعي أكثر جرأة وعمقاً.
غير أنَّ هذا المسار التصاعدي تعرَّض لاهتزاز عميق مع اندلاع الحرب، إذ تأثَّرت البنية الإنتاجية والمؤسسات الداعمة للدراما بسلسلة من التحولات السياسية والاقتصادية الحادَّة. فقد تراجع حجم التمويل، وتقلَّصت فرص التصوير داخل البلاد، وتشتَّت عدد من الكفاءات الفنية بين الداخل والخارج، ممَّا انعكس على استقرار العملية الإنتاجية وجودتها. كما أفضت حالة الاستقطاب المجتمعي إلى انقسام داخل الوسط الفني، الأمر الذي ألقى بظلاله على طبيعة الموضوعات المطروحة وحدود الجرأة في تناولها. وفي ظلِّ هذه الظروف، فقدت الدراما السورية جزءاً من تألُّقها، ومن حضورها المنتظم، وتراجعت قدرتها على فرض إيقاعها في المواسم العربية، بعدما كانت تمثِّل أحد أعمدتها الأساسية.
بعد تحرير سوريا، تصاعدت لدى المشاهد العربي حالة انتظار مشوبة بالتطلُّع إزاء عودة الدراما السورية، وانطلاقها نحو أفق موضوعي أكثر جرأة وعمقاً. فقد ترسَّخ إدراك عام بأنَّ المرحلة الجديدة تتيح هامشاً أوسع لمقاربة قضايا كانت مؤجَّلة أو مقيَّدة بسياقات سابقة، سواء ما يتصل بالسلطة، أو بتجارب الحرب وتحولاتها الاجتماعية. فغدا هذا الانتظار مرتبطاً بتجديد وظيفة الدراما. فالمتلقي العربي، الذي تابع التحولات السورية عن قرب عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، بات أكثر وعياً بتعقيدات المشهد، وأكثر حساسية تجاه اختزال التجربة في ثنائيات مبسَّطة. ومن ثمَّ، بات يتوقَّع خطاباً درامياً قادراً على مساءلة البنى السياسية والاجتماعية من دون الوقوع في خطاب تعبوي أو انفعالي، لبناء رؤية نقدية تسهم في إعادة صياغة الوعي الجمعي ضمن أفق أكثر نضجاً واتساعاً.
تشكَّلت، خلال سنوات الحرب، سرديات كثيفة حول التعذيب والقصف والتدمير الذي مارسه النظام البائد ضدَّ شعبه، وانتشرت صور ومرويات حملت قدراً كبيراً من الشحنة العاطفية، حتى أصبحت جزءاً من المخيال الشعبي الجمعي السوري. بعض هذه الصور استند إلى شهادات وتجارب واقعية، وبعضها تضخَّم بفعل التداول الشفهي والإعلامي وتراكم الصدمة، فتداخل الواقعي بالمتخيَّل. في هذا السياق، برزت الحاجة إلى نقل تلك الصور من مستوى الإشاعة والتخييل إلى مستوى السرد المنظَّم عبر جهة تحظى بالانتشار، والقدرة على الوصول، وهو ما توفِّره الدراما بوصفها وسيطاً جماهيرياً واسع التأثير عربياً ودولياً. فالعالم يترقَّب رؤية ما جرى ضمن صياغة بصرية قادرة على تقديم الوقائع في إطار فني متماسك، يوازن بين الشهادة والتأويل، ويمنح الأحداث سياقاً إنسانياً يتجاوز التهويل ويقترب من الفهم.
وفي موسم رمضان الحالي برز جدل واسع في الأوساط الثقافية والإعلامية حول طبيعة المعالجات الدرامية لسنوات الصراع وحدود مشروعيتها الأخلاقية، ولا ترتبط الصدمة التي تعرَّضت لها الدراما بمجرد توظيف رموز الثورة أو استعادة ما تعرَّضت له من قمع وتنكيل، فهذه الموضوعات في ذاتها تدخل ضمن حقِّ السرد الفني وواجبه. غير أنَّ الإشكالية الأكثر إيلاماً تمثَّلت في تناول عدد من القصص والوقائع في ظلِّ غياب إطار مكتمل للعدالة الانتقالية، حيث لم تحسم بعد ملفات المساءلة والإنصاف وجبر الضرر. لذلك، بدا لبعض المتلقين، ومنهم أسر الضحايا، أنَّ السرد الدرامي يسبق المسار القانوني والأخلاقي، وأنَّ إعادة تمثيل الألم قبل تحقيق الاعتراف والمحاسبة يمكن أن تتحوَّل إلى نكء لجراح لا تزال مفتوحة. فحين تعرض المعاناة على الشاشة من دون أن تواكبها عملية عدالة واضحة، يتضاعف الإحساس بالفقد، وتتحول هذه المعاناة إلى تجربة استعادة مؤلمة للصدمة.
عندما تتجسَّد رموز الاحتجاج أو الضحايا عبر وجوه ارتبطت في وعي الجمهور بخطاب مغاير، ينشأ شعور بالتشويش السردي، ممَّا قد يحيل على استخفاف بالحقيقة أو إعادة صياغة للوقائع بصورة ملتبسة.
Loading ads...
وممَّا يزيد من تعقيد المشهد وقسوته أن يتولَّى تجسيد الشخصيات الثورية فنانون عرف عن بعضهم مواقف مساندة للنظام أو مواقف ملتبسة إزاء ما جرى. المسألة لا تتعلَّق بقدرة الممثِّل على الفصل بين شخصه ودوره فحسب، وإنَّما بمدى انسجام التمثيل مع الذاكرة الجمعية وحساسية المرحلة. فعندما تتجسَّد رموز الاحتجاج أو الضحايا عبر وجوه ارتبطت في وعي الجمهور بخطاب مغاير، ينشأ شعور بالتشويش السردي، ممَّا قد يحيل على استخفاف بالحقيقة أو إعادة صياغة للوقائع بصورة ملتبسة. وفي سياق لم تكتمل فيه مسارات العدالة الانتقالية، يصبح هذا الالتباس أكثر حساسية، إذ قد يصبح عائقاً إضافياً أمام ترسيخ سردية واضحة تقوم على الاعتراف والمسؤولية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



