36 دقائق
احتجاجات بلا قيادة.. هل يعيد الشارع الألباني رسم الخريطة السياسية؟
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026
لأيام عدة شهدت شوارع تيرانا موجة من المظاهرات المناهضة للحكومة، مع انخراط المتظاهرين في اشتباكات عنيفة مع قوات الأمن، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على الآلاف من المتظاهرين الشباب لمنعهم من تسلق الحواجز.
وشهدت الاحتجاجات تصاعدا كبيرا الأسبوع الماضي بعد أن انضم طلاب المدارس والجامعات إليها، بسبب رسوم التعليم الآخذة في الارتفاع والبنية التحتية المتدهورة.
وقد تحولت المظاهرات -التي بدأت في الأصل احتجاجا بيئيا ذا هدف محدد في مايو/أيار الماضي- سريعا إلى أحد أخطر التحديات السياسية التي تواجه رئيس الوزراء إدي راما في السلطة منذ أكثر من عقد.
ومع ذلك، وبينما تصل الاضطرابات إلى نقطة الغليان، يظل هناك سؤالان أساسيان: مَن يقف وراء هذه الحركة؟ وهل يمكنها فرض تغيير سياسي بنيوي؟
يتهم المسؤولون الحكوميون المعارضة السياسية وأطرافا خارجية بالوقوف وراء هذه الاضطرابات وتدبيرها، في حين يؤكد المحللون والصحفيون على الأرض أن الحركة لا مركزية إلى حد كبير ويقودها الشباب.
ويرى رئيس تحرير قناة "تي في كلان" (TV Klan) و"كلان نيوز" (Klan News)، فاتوس هاكورجا، أن المظاهرات تطورت بشكل طبيعي إلى تحالف واسع من طلاب المدارس الثانوية وطلاب الجامعات والناشطين البيئيين والمواطنين المتضررين.
وقال هاكورجا للجزيرة إن الاحتجاجات حتى الآن ينظّمها الشباب أنفسهم، فما بدأ باسم "ثورة الفلامنغو" تطور تدريجيا إلى احتجاج طلابي وشبابي أوسع نطاقا، مؤكدا أنه لا يوجد دليل واضح على وجود هيكل موحد يقف وراء الاحتجاجات، في إشارة إلى احتجاجات مايو ضد منتجع فاخر يهدد الساحل المحمي.
وأشار هاكورجا إلى أن التنسيق يكون بشكل ديناميكي عبر المنصات الرقمية مثل واتساب وتليغرام وسناب شات، بدلا من أن من التسلسلات الهرمية التنظيمية الرسمية.
ويتفق المحلل السياسي والكاتب الألباني بن أندوني مع هذا الرأي، واصفا الوضع بأنه ليس مجرد احتجاج عادي، بل "ثورة أفقية حقيقية".
وقال أندوني للجزيرة إن "الاحتجاج تحول إلى تمرد" خلال الأيام السبعة الماضية، لكنه لم يتخذ قط طابع حركة، ولو كان كذلك لكانت هناك قيادة وأهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل.
ويتفق المحللون على أن ما يجري في شوارع تيرانا هو حركة أفقية، إذ يُحشَد الناس من خلال مجموعات تيك توك وشبكات التواصل الاجتماعي، وليس من خلال منظمات ثقافية وسياسية حقيقية.
وهذا يشكل أيضا عائقا أو مصدرا للضغط على حكومة راما، التي تسعى للتفاوض، لكنها لا تجد أي طرف نظير يقابلها.
تمزج الاضطرابات الحالية بين مظالم محلية والإحباط العميق من الحكم والركود الاقتصادي، مما يضفي عليها طابعا متعدد الأوجه.
وأشعلت الشرارة الأولى -التي أطلق عليها اسم "ثورة الفلامنغو"- معارضة بيئية لمشاريع التطوير الفاخرة المثيرة للجدل، لا سيما في منطقة زفيرنيك المحمية واستثمار المنتجع المخطط له في جزيرة سازان من قبل شركة جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وسرعان ما أصبح طائر الفلامنغو، وهو طائر موطنه الأصلي تلك البحيرات الساحلية، رمزا للمقاومة ضد ما يعتبر تسليعا للأراضي العامة.
لكن سرعان ما تلاقت المخاوف البيئية مع غضب الطلاب من ارتفاع الرسوم الدراسية، وعدم ملاءمة ظروف السكن الجامعي، وضعف القدرة التنافسية التعليمية، وتكمن وراء هذه الأسباب المباشرة أزمة هيكلية أعمق بكثير.
وأوضح أندوني أن مشاكل الفساد والمحسوبية وانعدام الرؤية هي الأسباب الرئيسية التي دفعت الناس إلى الاحتجاج، إذ لخصت هذه الاحتجاجات مجموعة المشاكل التي تعاني منها ألبانيا بأكملها، ووضعتها على عتبة حكومة تجاوزت الخطوط الحمراء فيما يتعلق بالفساد وعدم المساواة، وخاصة انعدام التعاطف مع الشعب، على حد تعبيره.
وأضاف هاكورجا أن هناك أيضا بين بعض المتظاهرين، وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، من يتبنون رواية مفادها أن راما يضع مصالح البلاد في خدمة المصالح الخاصة، أو تمسكه الشخصي بالسلطة، أو المصالح الأجنبية، بما في ذلك المصالح الإسرائيلية.
ورغم أن هذه الرواية غير مثبتة، فيبدو أنها زادت غضب بعض الشباب وجزء من عامة السكان، وفق حديث هاكورجا للجزيرة.
في المقابل، رفض راما هذه الرواية، ووصفها بنظريات المؤامرة، واعتبرها معلومات مضللة تم التلاعب بها ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل "أيدٍ أجنبية"، بهدف زعزعة استقرار الحكومة وتقويض المؤسسات العامة في البلاد.
ومن أبرز سمات هذه الاحتجاجات رفض المتظاهرين الصريح للحزب الاشتراكي الحاكم ولأحزاب المعارضة التقليدية على حد سواء، بما فيها الحزب الديمقراطي بقيادة سالي بيريشا.
وفي حين اتهم رئيس الوزراء راما المعارضة بالسيطرة على الحركة، وانضم أنصار المعارضة إلى الحشود على أرض الواقع، يؤكد الخبراء أن قادة المعارضة لا يمارسون سيطرة مباشرة على المتظاهرين، بل إن العديد من نواب المعارضة الذين حاولوا مخاطبة الحشود واجهوا عداءً ورفضا صريحين.
ويرى هاكورجا أن عددا كبيرا من الشباب يشعرون بأنهم غير ممثلين من قبل الطبقة السياسية بأكملها، إذ يرون النظام السياسي منفصلا عن واقعهم، ونظاما يحمي مصالح الأقلية أكثر من معالجته لمشاكل أغلبية المواطنين.
وقد أدى هذا التشاؤم الواسع النطاق إلى موقف متشدد، وطالب المتظاهرون بالاستقالة الفورية لرئيس الوزراء راما وتشكيل حكومة فنية، رافضين العروض الرسمية للحوار بسبب انهيار الثقة التام في مؤسسات الدولة.
ينبع التشاؤم العميق تجاه الطبقة السياسية في ألبانيا من شعور واسع النطاق بأن القادة غير مبالين تماما بمعاناة المواطنين اليومية، ويواجه الشباب فسادا مستشريا، وبطالة مرتفعة، واقتصادا يؤدي إلى هجرة جماعية للكفاءات، وفقا لمحللين.
ويتفاقم هذا الانفصال بسبب سنوات من اللامبالاة الحكومية تجاه تدهور التعليم العام، وارتفاع الرسوم الدراسية، وسوء ظروف السكن الجامعي.
علاوة على ذلك، فإن المشاريع التطويرية المثيرة للجدل التي تدعمها الدولة -مثل المنتجع الفاخر المخطط له من قبل شركة كوشنر- تُعد أمثلة رئيسية للمواطنين الذين يعتقدون أن المؤسسة السياسية تتاجر باستمرار بالموارد الوطنية والسلع العامة من أجل المصالح الخاصة والأجنبية.
ولمواجهة "حركة بلا قيادة ترفض التفاوض"، اعتمدت الحكومة الألبانية بشكل متزايد على قوات الأمن.
وقد وُجهت اتهامات للشرطة باستخدام العنف المفرط، حيث استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي لتفريق المتظاهرين، واعتقلت ما لا يقل عن 167 شخصا، بينهم قاصرون.
في خطوة تسلط الضوء على اعتماد الحكومة على إنفاذ القانون، أعلن رئيس الوزراء راما عن مكافأة قدرها 2500 يورو (2800 دولار) لضباط الشرطة في الخطوط الأمامية، إلى جانب زيادات كبيرة في الرواتب مقررة لعام 2027.
وأشار هاكورجا إلى أن الحكومة تتعامل مع الأزمة في المقام الأول على أنها مسألة تتعلق بالنظام العام والأمن.
كما سلّط الضوء على حوادث مقلقة، مثل ظهور مدنيين مجهولين مسلحين بعصي خشبية داخل مقر الحزب الاشتراكي. وبينما بقي هؤلاء الأفراد في الداخل لحماية المبنى من المتظاهرين الذين رشقوا الحجارة وهاجموا المدخل، أثار وجودهم -بمن فيهم أفراد يشغلون مناصب عامة- مخاوف من أن جهات أمنية غير رسمية وغير حكومية تعمل مع قوات الشرطة الرسمية أو خارجها.
تكتنف المشهد حالة من الغموض بالتزامن مع استعداد الجانبين لمزيد من التصعيد، ويهدد عدم وجود قيادة واضحة للتفاوض على الشروط، أو تدخل من شركاء دوليين كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بإطالة أمد عدم الاستقرار السياسي.
ويرى أندوني أن إدارة راما استخدمت القوة أداةً رئيسية لها، لأنها عانت من خسارة شديدة في السلطة الأخلاقية والشرعية، وفي المشهد المقابل "لا يزال المتظاهرون مثابرين وعدوانيين"، بينما يلعب راما ورقة القوة من خلال الشرطة، مضيفا أن "الإرهاق" قد يؤثر مع الوقت في المتظاهرين الشباب.
وعن توقعاته يقول إن الشباب قد ينفذون انسحابا تكتيكيا أولا من خلال التراجع مؤقتا عن الشوارع بسبب الإرهاق، تاركين العبء على راما، مما يضع المسؤولية النهائية على رئيس الوزراء لإثبات أن حكومته تتمتع بالشرعية والقدرة والنية الصادقة لإجراء إصلاحات عميقة وحل أزمة لم تفعل قوات الشرطة شيئا سوى تصعيدها.
Loading ads...
وفي النهاية، سواء أكانت "هذه الثورة" التي يقودها الشباب تمثل بداية حقبة سياسية جديدة في ألبانيا أم أنها ستنتهي تحت وطأة المراقبة الأمنية والإرهاق، يرى مراقبون أنها كشفت بشكل لا رجعة فيه عن الصدع العميق بين شباب ألبانيا والمؤسسة السياسية الحاكمة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




