تمثِّل الثورة السورية حدثاً إنسانياً وتاريخياً فاعلاً على مستوى الوعي الفردي والجمعي؛ لأنَّها تجربة حاضرة في وجدان المعتقَل الذي يحملها كأثرٍ جسدي ونفسي، وفي ذاكرة المنفي الذي يعيد تشكيلها عبر الحنين والاقتلاع، كما تتجسَّد في يوميات المقيم داخل البلاد حيث تختلط بتفاصيل الحياة اليومية وأعبائها.
فهي سردية مستمرة تتنازعها التأويلات، وتعيد إنتاج ذاتها في الخطاب العام والخاص. ومع حلول كلِّ موسم رمضاني، تعود الدراما السورية لتقترب من هذه المساحة الشائكة، بوصفها وسيطاً ثقافياً يتأرجح بين تمثيل الحدث كما وقع، وبين إعادة تأويله ضمن بنى سردية تبتعد عن المباشرة، لتستعيض عن الحدث بتشابكاته الاجتماعية والنفسية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا تصنع الشاشة بذاكرة لم تبرأ بعد؟ أتمكِّنها من فهم يعيد ترتيب شظاياها، أم تنكأ الجرح لترسِّخ الصدمة؟ ومن هذا المفترق يتحدَّد ما إذا كانت الدراما فعلَ وعيٍ وتأمُّل، أم مجرد إعادة تدوير للوجع السوري.
عندما تتناول الدراما الرمضانية السورية الثورة، فإنَّها تتعامل مع واقعة ما تزال نابضة في ذاكرة ملايين السوريين، لذلك قد تتحوَّل أيُّ معالجة سطحية أو منحازة أو مجتزأة إلى شكل من أشكال إعادة إنتاج الصدمة.
أولاً- إعادة إنتاج الصدمة… حين تصبح الشاشة امتداداً للجرح:
في علم النفس الحديث، تعدُّ الصدمة تجربة تتجاوز قدرة الفرد على الاستيعاب؛ لأنَّها تظلُّ عالقة في الذاكرة من دون أن تندمج في سردية متماسكة، وقد أشار سيغموند فرويد إلى ما سمَّاه "التكرار القهري"، حيث يعيد الفرد استحضار الحدث المؤلم من غير أن ينجح في تحويله إلى خبرة مفهومة أو قابلة للسيطرة. وعندما تتناول الدراما الرمضانية السورية الثورة، فإنَّها تتعامل مع واقعة ما تزال نابضة في ذاكرة ملايين السوريين، لذلك قد تتحوَّل أيُّ معالجة سطحية أو منحازة أو مجتزأة إلى شكل من أشكال إعادة إنتاج الصدمة.
ويحدث ذلك أولاً عبر التشويه أو الاختزال. فعندما يتمُّ ضغط سنوات من الحراك والقمع والآمال والانكسارات في مشاهد فوضى غير مؤطَّرة، أو في صراعات شخصية معزولة عن سياقها السياسي والاجتماعي، يشعر جزء من الجمهور بأنَّ تجربته جرى تبسيطها حتى حدود الإلغاء، وأنَّ الحدث صار من دون دلالة. وثانياً، عبر الاستهلاك العاطفي للمأساة. فقد يتمُّ استخدم مشاهد القتل أو الاعتقال أو النزوح لرفع التوتر الدرامي من دون بناء إنساني عميق للشخصيات، فتغدو المعاناة أداة تشويق، فيجد المشاهد الذي عاش تجربة مشابهة نفسه أمام إعادة تمثيل لجرحه من غير اعتراف فعلي به أو بكرامته. ثالثاً، من خلال إعادة صياغة الحدث داخل سردية تقصي أسبابه أو تعيد تأطيره أخلاقياً بمنظور أحادي. فالثورة لدى كثيرين كانت لحظة مطالبة بالحرية والكرامة، وأي تحوِّل جذري في تفسيرها يمسُّ تصوُّر الفرد لذاته ومكانته في العالم، إذ إنَّ الهويات الحديثة تتكوَّن في الغالب حول المنعطفات التاريخية الكبرى.
من الزاوية النفسية، يتطلَّب التعافي من الصدمة رواية قادرة على دمج الحدث في سيرة الشخص من غير إنكار أو تزييف، وإذا قدَّمت الدراما رواية تناقض خبرة شريحة واسعة من الجمهور، يتعمَّق الانقسام الداخلي. ولا تقتصر إعادة إنتاج الصدمة على عرض العنف مباشرة؛ فقد تتحقَّق عبر الصمت الانتقائي، كتجاهل الضحايا أو القفز فوق الأسئلة الأخلاقية أو تقديم مصالحة درامية سريعة. من هنا يصبح تناول الثورة درامياً فعلاً محفوفاً بالمخاطر، لأنَّها ما تزال مفتوحة نفسياً، وأي معالجة لا تراعي هذا الانفتاح قد تنتهي إلى إعادة تمثيل الانكسار بدلاً من تجاوزه.
تتحرك الدراما الرمضانية السورية بين احتمالين، أن تعيد تدوير الجرح، أو أن تسهم في تنظيمه داخل معنى قابل للفهم، فهي تتعامل مع ذاكرة حيَّة، ممَّا يجعل مسؤوليتها أخلاقية بقدر ما هي فنية.
ثانياً- إمكان التطهير… حين يتحوَّل الألم إلى معنى:
يمكن للدراما أن تنتقل من إعادة استحضار الصدمة إلى فتح أفق للتطهير، وفي تحليله للمأساة، رأى أرسطو أنَّ العمل الدرامي يثير الخوف والشفقة، ثمَّ يقود إلى تنقية هذه الانفعالات عبر اختبارها جمالياً، والتطهير هنا يعني إعادة تنظيم التجربة؛ إذ يتمُّ إعادة تأطير الألم ضمن نسق قابل للاستيعاب. فإذا تمَّت معالجة الثورة بصدق وعمق، تستطيع الدراما السورية أن تؤدِّي هذا الدور، فالمشاهد المثقل بالخسارات قد يجد في العمل المتقن اعترافاً بتجربته، والاعتراف خطوة علاجية بحدِّ ذاته؛ لأنَّ رؤية الألم ممثَّلاً بكرامة، بعيداً عن الابتذال، تمنح صاحبه إحساساً بأنَّ تجربته ما تزال حاضرة في المجال العام.
ويتحقَّق التطهير حين يتمُّ تقديم الشخصيات بوصفها كائنات بشرية معقدة، ، فالثائر إنسان يتأرجح بين الخوف والشجاعة، بين الحلم والتعثر، وينطبق الأمر ذاته على بقية الشخصيات. هذا التعقيد الأخلاقي يفتح باب التعاطف من غير فرض موقف أحادي، ويجسد الشفقة بوصفها وعياً بهشاشتنا المشتركة أمام تقلبات التاريخ. كما يتطلَّب التطهير جرأة في طرح الأسئلة المؤجَّلة: ماذا جرى؟ لماذا انكسرت الآمال؟ أين تداخل الخطأ مع الإكراه؟ والدراما التي تفتح هذه الأسئلة من دون ادِّعاء امتلاك أجوبة نهائية تمنح الجمهور مساحة للتأمُّل، وتتيح تعدُّد القراءات بدلاً من إغلاق السرد على معنى واحد.
من الناحية النفسية، يسهم السرد المتماسك في إدماج الحدث الصادم ضمن السيرة الذاتية للفرد، فعندما يتمُّ بناء الحبكة بعناية ويمنح كل تطور سياقه، يشعر المشاهد بأنَّ الفوضى التي عاشها يمكن استيعابها ضمن تسلسل مفهوم. هذا الاستيعاب لا يمحو الألم، لكنَّه يخفِّف حدَّته ويمنع تحوله إلى طاقة غير مضبوطة. وهنا يتضح الفرق بين إعادة العرض وإعادة البناء، فالأولى تستحضر الجرح، أمَّا الثانية فترتبه داخل إطار قابل للتأمل.
Loading ads...
ختاماً، تتحرك الدراما الرمضانية السورية بين احتمالين، أن تعيد تدوير الجرح، أو أن تسهم في تنظيمه داخل معنى قابل للفهم، فهي تتعامل مع ذاكرة حيَّة، ممَّا يجعل مسؤوليتها أخلاقية بقدر ما هي فنية. وحين تختزل التجربة أو تستهلكها عاطفياً، تعمِّق الصدمة والانقسام، أمَّا حين تحترم تعقيد الحدث وتفسح مجالاً للاعتراف، فإنَّها تفتح باباً لتخفيف الألم وإعادة بناء الثقة بالسرد الدرامي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



