في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحوّلًا جذريًا وتاريخيًا في إعادة صياغة التحالفات الدولية والإقليمية، ورسم الأدوار والحدود، تبدو إيران في أشد مراحلها عزلة، بل تهميشًا في التأثير على مسارات التغييرات الجارية، وتحديدًا في غزة وسوريا ولبنان.
في غزة، أُخرجت إيران تمامًا من المشهد، وهي التي استثمرت طويلًا في حركة «حماس» من أجل الحفاظ على القضية الفلسطينية كورقة رابحة على طاولة مفاوضاتها. لكن مسارات الأمور، وعلى الرغم من كونها ما تزال متعثرة بسبب التعنّت والاحتيال الإسرائيلي، فإنها تسير وفق ترتيبات أميركية – عربية، لا تملك إيران حيالها سوى التمنّيات والمناشدات.
قادت مصر وقطر، بتنسيق واضح مع تركيا، ودعم من السعودية، وتناغم أردني، جهود إفشال المخططات الإسرائيلية ومشاريع التهجير الكامل لسكان غزة وتحويلها إلى «ريفييرا»، ونجح هذا الإطار الإقليمي – ولا أقول «محورًا» حتى الآن – في إقناع «حماس» بوقف القتال والقبول بشروط لطالما رفضتها.
شكّلت سوريا المقبرة للمشروع الإيراني، لأن انخراط طهران في حلف جهنمي مع بشار الأسد ضد الشعب السوري أدّى، ليس فقط إلى استنزاف مالي لنظام غير قادر على تأمين احتياجات شعبه الأساسية..
لم يعنِ ذلك اتفاقًا مثاليًا، أو قبولًا إسرائيليًا بما تم التوصّل إليه، لكنه شكّل بداية الطريق الشاق لوقف هذه المجازر بحق أهل القطاع والإبادة بحقهم. فجميع اجتماعات ما قبل التسوية، بل ومتابعة تنفيذ خطة «العشرين نقطة» الترمبية التي تحوّلت إلى قرار صادر عن مجلس الأمن، تمت بمعزل عن إيران ومن دون أي تنسيق معها.
لعبت الدوحة والقاهرة دورين محوريين، وكانت أنقرة – أو إسطنبول تحديدًا – السند الأقوى لإيصال الأمور إلى خواتيمها.
أما في سوريا، فهناك كانت الضربة الكبرى لـ«الهلال الإيراني» وحلم السيطرة على العواصم العربية. فقد أدّى انتصار الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وإسقاط الأسد، إلى تدمير استثمارات مالية وعسكرية وسياسية هائلة لنظام خامنئي. إذ شكّلت سوريا المقبرة للمشروع الإيراني، لأن انخراط طهران في حلف جهنمي مع بشار الأسد ضد الشعب السوري أدّى، ليس فقط إلى استنزاف مالي لنظام غير قادر على تأمين احتياجات شعبه الأساسية، بل إلى انكشاف أمني للحرس الثوري و«حزب الله»، قاد إلى اغتيال القيادات المؤسسة والتاريخية لهذا المحور، سواء في سوريا أو لاحقًا في لبنان خلال ما سُمّي «حرب الإسناد».
واتّضح أن سوريا كانت حاجة إيرانية مُلحّة لإبقاء هذا المحور على قيد الحياة، لكن النظام الجديد انتقل إلى نقيض الحلف السابق، وانقطع هذا الكوريدور الذي يبدأ من إيران ويمتد إلى العراق فلبنان عبر سوريا.
لا تملك إيران اليوم سوى التمنّيات والتصريحات الرسمية التي لا تقدّم ولا تؤخّر في حجم التغيير الهائل في سوريا، والذي يبرز عمليًا على الأرض بمكافحة كل عمليات تهريب السلاح من وإلى لبنان، وكذلك تفكيك مصانع الكبتاغون وشبكات تبييض الأموال.
وهنا يبرز لبنان، الشريك الآخر في الجهة المقابلة من الحدود، حيث يتكامل ترسيم الحدود الأمنية بين لبنان وسوريا من خلال تنسيق تقوده السعودية، وأسفر عن ضبط واسع للحدود التي لطالما استخدمها «حزب الله» منذ عام 2013 تحديدًا لتهريب ما يشاء من سلاح وكبتاغون وأموال.
وإذا كان لبنان ما يزال يشكّل آخر معاقل النفوذ الإيراني، من خلال استمرار وجود «حزب الله» عسكريًا وعدم تسليم كامل سلاحه حتى الآن، فإنه من الواضح أنه نفوذ تراجعي يجري قضمه وتصفيته يومًا بعد يوم.
ففي العلاقة مع إيران، بات المسؤولون الإيرانيون علنًا ضيوفًا غير مرحّب بهم. وباتت الخارجية اللبنانية تتصدّى لكل تصريح إيراني ضد المصالح الوطنية اللبنانية ويدعم – بل يقود – تعنّت «حزب الله» ضد الدولة اللبنانية، على عكس الحرص الذي يدّعيه المسؤولون الإيرانيون.
عمليًا، الطيران الإيراني ممنوع من الهبوط في بيروت، ويُضاف إلى ذلك تمهّل لبناني في قبول اعتماد السفير الإيراني الجديد.
أما داخليًا، فقد حزب الله أحد أبرز أسباب بقائه التي كان يدّعيها بالنسبة للبنان وكذلك لشيعة الجنوب: «الردع بمواجهة إسرائيل»، وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا عن استمرار وجوده بالنسبة للبيئة التي يدّعي حمايتها.
الخوف أن هذا المحور يجيد القتل والاغتيال، وهذا أمر لا يحتاج إلى جيوش جرّارة. فهل تجرؤ إيران على ذلك، أم تتمسّك بالعودة إلى التفاوض مع الولايات المتحدة التي تبدو غير مهتمة حاليًا؟ ذلك أن اغتيالات قد تغيّر مشاريع في المنطقة هي اغتيالات لن تمرّ مرور الكرام، والرد سيكون في طهران، مع ما يعنيه ذلك من إسقاط النظام.
ولعل أبرز تجليات الوهن والهزيمة هو توالي الصفعات التي يتلقّاها «حزب الله»، الذي بات لا يملك سوى الاعتراض اللفظي: من قراري الحكومة اللبنانية يومي 5 و7 آب/أغسطس 2025 بتسلّم السلاح في كل لبنان، إلى تجميد عمل جمعية «رسالات»، وكذلك القرارات المالية بوقف التعامل مع «القرض الحسن» وضبط التحويلات.
يُضاف إلى ذلك القرار الرسمي بالانخراط في مفاوضات على المستوى السياسي مع إسرائيل من خلال لجنة «الميكانيزم».
لو كنا في زمن آخر، لكرّر حزب الله مشهدية «7 أيار» حين اجتاح بيروت عام 2008 لإسقاط قرارات حكومية بتفكيك شبكة الاتصالات، وكذلك كاميرات المراقبة على مدرج الطائرات الخاصة، وإقالة مدير جهاز أمن المطار.
صار ذلك من حقبة مضت. لكن هل يعني هذا استسلامًا إيرانيًا لما يجري؟
لا تملك إيران كثيراً لتغيير ما يحصل، بل يبدو أنها ستكون أمام هجمة جديدة قد تكون أشد من حرب «الاثني عشر يومًا» الماضية، وهي الحرب التي أفقدتها الهيبة والقيادة بشكل نهائي.
Loading ads...
إنه عصر الهزيمة الإيرانية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

