16 أيام
أين تبخر 454 مليون دولار؟.. لغز الفائض الذي تلاشى في موازنة سوريا 2025
الأحد، 26 أبريل 2026
2:11 م, الأحد, 26 أبريل 2026 1 دقيقة للقراءة
في واحدة من أكثر المفارقات إثارة للجدل في تاريخ المالية العامة السورية المعاصر، أعلنت وزارة المالية مطلع نيسان/ أبريل الجاري تحقيق موازنة عام 2025 فائضًا طفيفًا بلغ نحو 46 مليون دولار، ليكون الأول من نوعه منذ عام 1990 بعد ثلاثة عقود ونصف من العجز الهيكلي الذي تفاقم خلال سنوات الحرب.
لكن ما أثار التساؤلات هو أن هذا الفائض لم يكن مستقراً على الإطلاق، بل وصل إلى ذروته بنحو 500 مليون دولار مع نهاية الربع الثالث من العام نفسه، ليتقلص بعدها بعشرة أضعاف إلى 46 مليون دولار فقط، أي بتراجع قدره نحو 454 مليون دولار في غضون أشهر قليلة دون أن تقدم الوزارة تفصيلاً واضحاً لأوجه هذا الإنفاق.
كان وزير المالية محمد يسر برنية قد برر هذا التراجع في تصريحات سابقة بقوله إن “الفائض كان مرتفعاً حتى نهاية الربع الثالث، لكنه انكمش خلال الربع الرابع نتيجة توسع بعض بنود الإنفاق العام وسداد التزامات متأخرة”، مكتفياً بهذا التبرير دون تحديد ماهية تلك الالتزامات أو طبيعة النفقات الطارئة، معترفاً في الوقت ذاته بأن البيانات “تغيرت بشكل كبير وتحتاج إلى تحديث مستمر”.
وعلى صعيد آخر، كشفت البيانات الرسمية التي نشرها الوزير عبر صفحته على “فيسبوك” أن إجمالي الإيرادات العامة لعام 2025 بلغ نحو 3.493 مليار دولار، بزيادة استثنائية نسبتها 120.2 بالمئة مقارنة بعام 2024، في حين بلغ الإنفاق العام 3.447 مليار دولار بزيادة نسبتها 45.7بالمئة.
ويُعزى هذا النمو الكبير إلى تحسن الإيرادات الجمركية التي شكلت 39 بالمئة من إجمالي الإيرادات نتيجة انتعاش حركة التجارة الخارجية وتشديد الرقابة، إلى جانب الإصلاح الضريبي من خلال توسيع الوعاء الضريبي، فضلاً عن البدء باستعادة إيرادات النفط والغاز تدريجياً.
كما استحوذت الرواتب والأجور على 41 بالمئة من الإنفاق، مما يعكس توجه الحكومة لدعم القوة الشرائية للعاملين في القطاع العام الذي يعاني أصلاً من تدنٍ حاد في الأجور نتيجة التضخم المتفاقم.
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي زكوان قريط، أن هذا الفائض -رغم كونه حدثاً فارقاً في تاريخ المالية السورية- يبقى “فائضًا هشًّا”، ولا يعكس بالضرورة تحسناً اقتصادياً حقيقياً طالما أنه ناتج عن سياسات تقشفية وتأجيل إنفاق وليس عن توسع في الإنتاج والاستثمار ورفع القاعدة الضريبية، وفق حديث نقله عنه “عنب بلدي“.
أوضح أن الهيكل الحالي للإيرادات لا يزال يعتمد بشكل كبير على الموارد التقليدية والجباية غير المباشرة، وهو ما يعكس استمرار غياب القاعدة الإنتاجية الواسعة التي يمكنها تحقيق نمو مستدام.
ويتقاطع هذا التقييم بشكل لافت مع ما خلص إليه صندوق النقد الدولي في بيان صادر عن بعثته التي زارت دمشق في الفترة بين 15 و19 شباط/ فبراير 2026، حيث أشار الصندوق إلى أن الفائض تحقق أساسًا عبر ضبط الإنفاق وامتناع وزارة المالية عن التمويل من المصرف المركزي، وهو “تحسن ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة”، لكنه ليس ناتجًا عن طفرة اقتصادية واسعة.
وأكد تقرير الصندوق أن سوريا اختتمت عام 2025 بفائض بسيط في الميزانية، في حين وصف توقعات الإيرادات لعام 2026 بأنها “طموحة لكنها قابلة للتحقيق”، مشدّدًا على أهمية الاستمرار في تحسين كفاءة وشفافية الإنفاق العام.
ما تزال المؤسسات الدولية تنظر إلى الاقتصاد السوري باعتباره اقتصاداً هشاً يخرج ببطء شديد من صدمة طويلة، فالبنك الدولي قدر في تقريره الصادر في تموز/ يوليو 2025 أن الناتج المحلي الإجمالي السوري مرشح للنمو بنحو 1بالمئة فقط في 2025 بعد انكماش 1.5بالمئة في 2024، في حين أشار إلى أن التضخم تراجع إلى 11.5بالمئة خلال 2025 من 72.1 بالمئة في 2024، لكن ذلك لم يترجم إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة.
وبحلول كانون الأول/ ديسمبر 2025، كانت سلة الإنفاق الأدنى التي يرصدها برنامج الأغذية العالمي لا تزال عند 2.2 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل 206 دولارات بسعر الصرف الرسمي، وهو ما يفوق ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجور، مع بقاء نحو 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر بحسب تقارير الأمم المتحدة.
Loading ads...
وأرجع الخبير الاقتصادي نقلا عن مصادر في المالية لم يحددها، أسباب هذا التقلص الحاد، والتي شملت سداد الالتزامات المتأخرة عبارة عن مبالغ ضخمة لموردين ومقاولين وديون داخلية كانت مستحقة في نهاية العام، إضافة إلى زيادة الإنفاق الموسمي نتيجة ارتفاع تكاليف التدفئة والطاقة والاحتياجات الشتوية التي تضغط عادة على الموازنة في الربع الأخير، فضلًا عن تسوية العجوزات التراكمية باستخدام جزء من السيولة الفائضة لتغطية فجوات تمويلية في مؤسسات عامة خدمية مثل الكهرباء والصحة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

