ساعة واحدة
"يلعن روحك يا حافظ".. في فلسفة الشتيمة التي صارت دستورا للثورة
الأربعاء، 10 يونيو 2026
حين يلجأ الإنسان إلى الشتيمة، فهو يفعل ذلك غالبًا حين تخذله الكلمات النبيلة. لكن ما حدث في بداية الثورة كان شيئًا أعمق وأبعد مرمى؛ الشتيمة تجاوزت نفسها وأصبحت فلسفةً سياسية متكاملة في وعي الناس وضمائرهم. فالدولة العميقة لا تُقاوَم بالحجج، بل بكسر هيبتها أولًا. والهيبة هي أن يخاف الناس من شيء لا يستطيعون تعريفه؛ لا من الجندي بعينه، بل من الجندي بوصفه رمزًا، لا من القصر الرئاسي، بل من ظل القصر وساكنيه.
ليس كل سباب فوضى لفظية. في لحظات تاريخيّة معيّنة، تصبح البذاءة بلاغةً تفوق البلاغة. حين تخونك الكلمات النبيلة، وقد أُنهكت في أربعين عامًا من التكرار الرسمي، فلا يبقى أمامك إلا ما هو أدنى وأصدق؛ الأدنى بحسب قاموس السلطة، والأصدق بحسب ميزان الروح.
أربعون عامًا من بناء الإله. أربعون عامًا من جثوم الصورة على صدور الناس في كل مكان، من الاسم في كل خطاب، ومن الرهبة المزروعة في عقول الأطفال قبل أن يتعلموا القراءة. أربعون عامًا من تحويل بشر فانٍ إلى رمز خارج التاريخ، فوق النقد، تحيطه هالة من القداسة.
في رواية جورج أورويل 1984، لم يكن الحزب بحاجة إلى دبابات بقدر ما كان بحاجة إلى لغة مسروقة. "وزارة الحقيقة" تكذب، و"وزارة السلام" تشن حروبًا، و"وزارة الحب" توزع الكراهية. انقلاب اللغة هو الأداة الأولى للسلطة المطلقة.
صارت الشتيمة أداة نسف، وأداة مقاومة، وصرخة في وجه الأبد والإله الأسدي.
وكانت الشتيمة هي الكلمة الوحيدة التي لم تُسرق بعد. كل الجميل صودر: ثورة، وطن، شعب، وحدة، حرية. صارت هذه العبارات تافهةً في فم البعث وقاموسه. لكن "يلعن روحك" بقيت نقيةً بنجاستها. لم يتلوها وزير، لم يكتبها مثقف موالٍ، لم تستطع دبابة منعها. كانت ملك الثوار وحدهم.
عبقرية النظام الأسدي -إن جاز لي استخدام الكلمة في هذا السياق الأسود - أنه أبقى حافظ الأسد حيًا بعد موته الجسدي. الصورة في كل مكان. الاسم جزء من الصلاة الوطنية. الأب المؤسس، الإله الذي لا يُناقش، حتى وهو في قبره. والنظام الأسدي يعرف كما كان يعرف أوبراين في "وزارة الحب" أن السلطة الحقيقية ليست في الدبابة وحدها، بل في العقل الذي يؤمن أن الدبابة لا تُقهر.
ما حدث في سوريا كان تجاوزًا للغة كما نعرفها. لم يكن السوريون في 2011 يكتبون بيانًا فلسفيًا حين هتفوا "يلعن روحك يا حافظ". كانوا يكسرون تمثالًا وهميًا ظل قائمًا في رؤوسهم عقودًا. كانوا يقولون لأنفسهم: "أنا موجود. أنا لست خائفًا. وهذا الإله المزيف وسدنته يتبولون في سراويلهم حين يسمعون صوت الحقيقة."
من هنا تأتي قيمة شعار وقوّته، حتى أصبح أشبه بصلاة ترددها جموع الثائرين في كل وقفة ومظاهرة، صارت الشتيمة أداة نسف، وأداة مقاومة، وصرخة في وجه الأبد والإله الأسدي. لم تكن مجرد سباب، بل إعلان استقلال معرفي وقطع مع حقبة التأليه وتزييف الوعي. كانت تقول: "نحن نعرف أنك ميت. نحن نعرف أنك كنت إنسانًا. ونحن نعرف أن كل هذا الصرح الذي بُني فوق اسمك نسفناه أصبح خرافة ونكتة سمجة من أساطير الأولين".
في رواية أورويل، كان الهدف الأعلى للحزب ليس الطاعة الجسدية، بل محبة البروتوكول؛ أن تحبه طوعًا، أن تؤمن به من الداخل. وكان الاختبار الحقيقي للسلطة: هل تستطيع أن تشتمه سرًا، حتى لو وحدك في غرفة مظلمة؟ في سوريا، أربعون عامًا كان الجواب: لا. فجاءت الشتيمة إعلان ولادة جديدة، وعودة الروح إلى الجسد.
الطاغية لا يموت حين يموت جسده. يموت حين تموت هيبته في قلوب الناس وعيونهم.
حين هتف السوريون بهذا الشعار في بداية الثورة، لم يكونوا يعبرون عن كراهية شخصية بقدر ما كانوا يُجرون تجربة مختبرية في علم النفس السياسي: "هل أستطيع أن أنطق باسمه دون رعشة؟ هل أستطيع أن أهدم الصنم في داخلي وأنتزع الخوف منه من قلبي وأعلنها عبر حنجرتي؟". وحين نطقنا بها، اكتشفنا أننا ما زلنا أحياءًا، وأننا هدمنا صروح الخوف في دواخلنا، وبدأنا بكسر قيود كبلتنا أربعين عامًا. في تلك اللحظة حدث شيء لا يمكن للدبابات والعسكر والعسس إصلاحه: انهارت أسطورة الأبد.
وهنا تكمن المفارقة التراجيدية؛ النظام البائد صنع من حافظ إلهًا ليحمي سلطته. لكن هذا التأليه بالذات كان نقطة ضعفه الأكبر. فالإنسان يستطيع أن يخاف من إنسان آخر ويتعايش مع خوفه. لكن حين يُحوّل الخوف إلى دين، يصير التحرر منه تحررًا وجوديًا لا سياسيًا فحسب.
Loading ads...
كان أوروويل يعرف هذا حين جعل كلمة "الأخ الأكبر" تحمل في طياتها نقيضها؛ لأن كل تأليه مبالغ فيه يحمل بذرة السخرية منه
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

