6 أشهر
ألمانيا تفتح ملف الترحيل إلى سوريا مجددا.. هل تغير الموقف القضائي؟
الجمعة، 14 نوفمبر 2025
بعد أكثر من عقد على استقبالها مئات آلاف اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب، تعود ألمانيا اليوم إلى فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في سياستها الداخلية والخارجية ملف الترحيل إلى سوريا.
فمع تصريحات المستشار فريدريش ميرتس الأخيرة التي اعتبر فيها أن “الحرب في سوريا انتهت” وأن على السوريين “النظر في العودة إلى وطنهم”، دخل النقاش مرحلة جديدة تتجاوز حدود الجدل السياسي إلى مخاوف حقيقية داخل المجتمع السوري في ألمانيا، خصوصًا لدى من ينتظرون البت في قرارات لجوئهم.
ومع ازدياد الضغوط السياسية الداخلية في ألمانيا بفعل صعود اليمين المتطرف ومطالبته بسياسات هجرة أكثر تشددًا، يجد اللاجئون السوريون أنفسهم أمام مرحلة غامضة، تتأرجح بين الخطاب الحكومي الذي يدعو إلى “العودة الكريمة”، والخشية من أن تتحول هذه العودة إلى ترحيل قسري مغلّف بخطاب سياسي.
من بلد اللجوء إلى بلد "العودة الطوعية"
في الوقت الذي تتجه فيه ألمانيا نحو تشديد سياساتها تجاه اللاجئين السوريين، يعيش كثير من المتقدّمين الجدد بطلبات اللجوء حالة انتظار طويلة ومرهقة، تمتد أحيانًا لأكثر من عام من دون صدور قرار من مكتب الهجرة واللاجئين (BAMF)، هذا الجمود الإداري جعل حياتهم معلّقة بين المراكز المؤقتة وقيود العمل والتنقل، وسط غياب أي وضوح حول مستقبلهم القانوني.
ومع تصاعد الحديث الرسمي عن “تنظيم العودة”، بدأ بعض السوريين ولا سيما من رُفضت طلباتهم أو طال انتظارها، يلجؤون إلى خيار العودة الطوعية ضمن برامج حكومية تمنح دعمًا ماليًا للمغادرين، لكن بالنسبة لكثيرين منهم لم تعد العودة تعني بداية جديدة في سوريا، بقدر ما أصبحت طريقًا للخلاص من حالة الترقّب والقلق التي أثقلت كاهلهم ماديًا ونفسيًا.
من بين هؤلاء جاد الرفاعي (29 عامًا) شاب سوري وصل إلى ألمانيا قبل نحو عامٍ ونصف قادمًا من تركيا، بعد رحلة شاقة بحثًا عن الأمان والاستقرار، لم يكن يحمل أوراقًا ثبوتية هناك وكان يعيش تحت تهديد دائم بالترحيل، فاختار ألمانيا أملًا بفرصة جديدة، غير أن الواقع خيّب ظنه سريعًا.
يقول جاد لموقع تلفزيون سوريا: "أُقيم في المخيم منذ أكثر من عام، وممنوع من العمل، ولم أحصل على أي أوراق. يُقدّمون لي 170 يورو شهريًا، لا تكفي لشيء، والله ليتني لم آتِ".
قضى جاد عامًا كاملًا في مركز اللاجئين دون أن يحصل على قرار لجوء، لتتحول أيام الانتظار إلى عبء نفسي يزداد ثقله مع الوقت. ومع مرور الشهور، بدأ الخوف من الترحيل القسري يتسلل إليه، خصوصًا بعد مشاهدته لحالات مشابهة تم ترحيلها من المركز ذاته.
وأضاف: "بعدما فقدت الأمل بالحصول على الإقامة، قدّمت طلبًا للعودة الطوعية، لأنني خفت أن يتم ترحيلي فجأة مثل غيري". وأوضح أنه تقدّم بطلب رسمي ضمن البرنامج الحكومي الذي يوفّر دعمًا ماليًا للراغبين بالعودة، لكنه ما زال ينتظر منذ أشهر من دون أي رد. وتابع: "في كل زيارة يقولون لي انتظر، أو يطلبون مني أن أحجز وأسافر على نفقتي الخاصة، دون أي دعم".
يرى جاد في ذلك تناقضًا مؤلمًا، ويقول: "يتحدثون عن العودة الطوعية، لكن عندما نطلب العودة بأنفسنا، يُتركونا ننتظر حتى نصل إلى مرحلة اليأس". قصة جاد تلخص حال مئات السوريين العالقين في مراكز اللجوء، بين نظام إداري بطيء وبرامج عودة غامضة، لا تمنحهم سوى المزيد من الانتظار في طريقٍ بلا أفق.
أصدرت مؤخرًا المحكمة الإدارية في دوسلدورف حكمًا نهائيًا غير قابل للاستئناف برفض الطعن الذي تقدم به لاجئان سوريان ضد قرار ترحيلهما، معتبرة أن الأوضاع الأمنية والمعيشية في محافظتي دمشق واللاذقية لا تمثّل تهديدًا مباشرًا لحياتهما، وأنهما لا يواجهان خطر الفقر أو حالة طوارئ عامة عند العودة.
وأكدت المحكمة أن منح الحماية من الترحيل أصبح يقتصر على الحالات الاستثنائية فقط، في إشارة إلى تغيّر واضح في نظرة القضاء الألماني إلى الوضع داخل سوريا بعد سقوط النظام المخلوع.
سوريون خائفون من الترحيل
ليس جاد وحده من بقي عالقًا في متاهة الانتظار والقرارات المعلّقة، فقصص كثيرة تشبه حكايته تتكرّر في مراكز اللجوء المنتشرة في أنحاء ألمانيا، حيث يعيش اللاجئون السوريون بين خوف الترحيل القسري واستحالة العودة الآمنة إلى بلدٍ ما زال يفتقر إلى الاستقرار.
من بين هؤلاء سعد (31 عامًا) شاب سوري من محافظة دير الزور، وصل إلى ألمانيا قبل عامين على أمل أن يبدأ حياة جديدة تجمعه بعائلته لاحقًا، لكن مع تجميد قرار لمّ الشمل وسقوط النظام الذي أوقف معظم المعاملات الإدارية داخل سوريا، تحوّل حلمه إلى انتظار طويل لا نهاية له.
قال سعد لموقع تلفزيون سوريا: "أنا أب لأطفال، وما زلت أعيش في المخيم منذ سنتين، لا أملك أوراقًا رسمية، وكل الإجراءات متوقفة، فالمعاملات معطّلة والوضع بات مسدودًا من جميع الجهات".
وأضاف: "أُرهقت نفسيًا ووصلت إلى مرحلة الإحباط. بعد الخوف المستمر من الترحيل القسري، ومع تدهور الوضع هنا، قدّمت طلبًا للعودة الطوعية، ومنذ أكثر من عشرة أشهر وأنا أنتظر قرار العودة، لكنهم لم يحددوا موعد سفري حتى الآن".
سعد مثل كثيرين غيره يعيش اليوم بين انتظارٍ بلا أفق وحياة تزداد قسوة في مراكز اللجوء، وأضاف: "أتواصل معهم فيقولون لي: إذا كنت تريد الاستفادة من برنامج العودة فانتظر، وإن أردت السفر احجز وسافر على نفقتك. وأنا حتى هنا أعيش بالدين، وضعنا تدهور تمامًا، ونتعرض لأسوأ أساليب المعاملة. ألمانيا أصبحت مكانًا للظلم والإهانة، ومن خاض التجربة فقط يعرف حقيقة ما نقوله".
قصته تختصر معاناة شريحة كبيرة من اللاجئين السوريين الذين تحوّلت “العودة الطوعية” بالنسبة لهم من خيار إلى طريق اضطراري للخلاص من الانتظار، في ظل نظام لجوء بطيء لا يقدّم حلولًا واضحة ولا مستقبلًا مضمونًا.
في هذا السياق أظهرت بيانات حكومية حديثة أنّ ألمانيا كثّفت بشكل ملحوظ وتيرة عمليات الترحيل خلال الفترة ما بين كانون الثاني/سبتمبر 2025، إذ تم ترحيل أكثر من 17,600 شخص، ما يمثل زيادة بنحو 20% مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي.
هذا الارتفاع الملحوظ أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية، حيث يرى مراقبون أن توسّع عمليات الترحيل ولا سيما بحق فئات عمرية شابة، يعكس توجهاً أكثر تشدداً في السياسة الألمانية تجاه ملف الهجرة واللجوء، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الداخلية للموازنة بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن والهجرة.
هل يوجد قرار ألماني للضغط على اللاجئين؟
أمام تعدد الشكاوى حول طول انتظار البت في طلبات العودة الطوعية، يطرح كثير من اللاجئين تساؤلات حول ما إذا كان هذا التأخير مقصودًا للضغط عليهم أم نتيجة لإجراءات تنظيمية وإدارية.
ولتوضيح الصورة من الناحية القانونية والإدارية، تحدث موقع تلفزيون سوريا مع المستشار القانوني محمد الأقرع، المتابع لملفات اللجوء والعودة في ألمانيا، والذي قدم شرحًا مفصلاً حول آليات عمل برامج العودة وأسباب تأخر تنفيذها.
أوضح الأقرع أن التأخير يعود في معظمه إلى أسباب تنظيمية وإدارية وليس إلى قرارات سياسية معتمدة، فبرامج مثل REAG/GARP وStarthilfePlus تدار بالتعاون بين المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وتشمل خطوات عدة استكمال الوثائق، تحديد مواعيد للاستشارات، تنسيق السفر، وصرف المساعدات المالية، وهي خطوات بطبيعتها تستغرق وقتًا وتؤدي إلى ازدحام إداري.
كما أشار إلى أن أي نقص في الوثائق أو غياب جواز سفر ساري المفعول أو مشكلات في تمويل البرنامج قد يجمد المعاملة مؤقتًا، بالإضافة إلى تأخّر شركات الطيران أو الشركاء المحليين، مؤكدًا أن “الأسباب في الغالب بيروقراطية وتنظيمية وليست نية لتأخير الأشخاص”.
وشدد الأقرع على أنه لا يوجد أي دليل قانوني أو رسمي على وجود سياسة تستهدف الضغط على اللاجئين، وأن قوانين الاتحاد الأوروبي تلزم الدول الأعضاء بضمان احترام الحقوق والكرامة الإنسانية عند تطبيق برامج العودة الطوعية، وأضاف أن شعور بعض اللاجئين بالضغط أمر مفهوم نتيجة طول الإجراءات أو ضعف التواصل الإداري، أكثر من كونه سياسة مقصودة.
وفيما يخص العبارات التي تسمع أحيانًا في المراكز، مثل “إذا ما بدكم تنتظروا، سافروا على حسابكم”، أوضح الأقرع أنها لا تمثل الإطار الرسمي للبرنامج، موكدًا أن الدعم المالي ليس حقًا قانونيًا ملزمًا، بل جزء من فلسفة المساعدة الطوعية التي تهدف إلى التيسير كلما توفرت الشروط.
كما بين أن دليل IOM ووزارة الداخلية الألمانية ينص على أن العودة الطوعية يجب أن تتم عبر استشارات فردية ودعم مالي ولوجستي، وأضاف أن القوانين الدولية بما فيها معايير UNHCR والدستور الألماني، تؤكد أن أي عودة يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، وأن طول الإجراءات أو حرمان اللاجئ من الدعم دون سبب واضح قد يترجم إلى ضغط نفسي واقتصادي غير مقصود يمكن اعتباره نوعًا من “الإجبار غير المباشر”.
واختتم الأقرع بالتأكيد على أهمية تعزيز الشفافية وآليات التظلّم، وتوفير خطوط مساعدة قانونية واستشارات مستمرة لضمان أن تتم عمليات العودة وفق معايير واضحة تحفظ الحقوق الفردية والكرامة الإنسانية.
تراجع اللجوء السوري وتعزيز سياسات العودة
تشهد ألمانيا خلال عام 2025 تحوّلاً واضحًا في حركة اللاجئين السوريين، سواء من حيث تدفق الوافدين الجدد أو العائدين إلى سوريا، في ظل سياسات تشدد على تنظيم الهجرة وتشجيع العودة الطوعية.
أصدر مكتب الإحصاء الاتحادي في مدينة فيسبادن تقريرًا أشار إلى تراجع أعداد السوريين الوافدين إلى ألمانيا بنسبة 46.5% خلال العام الجاري، مقابل ارتفاع عدد العائدين إلى بلادهم بنسبة 35.3%.
وسجّل التقرير أيضًا انخفاضًا ملحوظًا في طلبات اللجوء بنسبة 67%، إذ بلغت نحو 19,200 طلب حتى أيلول 2025 مقارنة بـ 58,400 طلب في الفترة نفسها من عام 2024.
في المقابل، ارتفع عدد السوريين الذين غادروا ألمانيا بنسبة 35,3 في المئة ليصل إلى 21 ألفاً و800 شخص، بعدما كان 16 ألفاً و100 خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وأوضحت البيانات أن صافي الهجرة تراجع إلى 18 ألفاً و100 شخص فقط، بعدما بلغ 58 ألفاً و500 في الأشهر التسعة الأولى من عام 2024.
Loading ads...
وفي سياق متصل، وجّه المستشار الألماني فريدريش ميرتس دعوة رسمية للرئيس السوري أحمد الشرع لزيارة برلين، في خطوة تهدف إلى فتح قنوات حوار مباشرة حول استعادة العلاقات الثنائية وبحث ملف إعادة اللاجئين السوريين. وأوضح ميرتس أن المباحثات ستتناول مشاريع إعادة الإعمار وملف العودة الطوعية، مؤكدًا أن “الحرب في سوريا انتهت، ولم يعد هناك مبرر لاستمرار منح اللجوء”، ومشيرًا إلى استعداد ألمانيا لدعم عودة تدريجية وآمنة ضمن رؤية مشتركة لمستقبل سوريا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


