3 أشهر
ما بعد انحسار "قسد".. كيف تتبدل حسابات تركيا في سوريا والمنطقة؟
الجمعة، 23 يناير 2026
بدأ الجيش السوري أولاً عملية واسعة غرب نهر الفرات، وأجبر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على الانسحاب إلى شرق النهر. ثم سيطر لاحقاً على دير الزور والرقة، المدينة الرمزية والاستراتيجية التي كان تنظيم "داعش" قد أعلنها في وقت سابق "عاصمة" له.
وبعد هذه التطورات، بقيت أهم المناطق الخاضعة لسيطرة الأكراد في مدينة "كوباني" شمال البلاد على الحدود مع تركيا، إضافة إلى الحسكة في الشمال الشرقي، والقامشلي الواقعة أيضاً على الحدود التركية.
وفي 20 كانون الثاني أُعلن في الحسكة عن وقف لإطلاق النار لمدة أربعة أيام بين الجيش السوري و"قسد". ويهدف وقف إطلاق النار إلى إعداد خطة اندماج تتعلق بمستقبل محافظة الحسكة، واستكمال المباحثات التقنية بين الطرفين.
إلا أن المشهد الحالي يظهر أن "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي أنشأها "قسد" عام 2012 تعرضت لضربة قاسية. فالاتفاق المؤلف من 14 بنداً، الذي وُقّع في 18 كانون الثاني بين الحكومة السورية و"قسد"، ينص على انضمام عناصر "قسد" إلى الجيش السوري بشكل فردي، وليس كوحدات عسكرية.
وتشكّل وحدات حماية الشعب (YPG)، الذراع المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD)، العمود الفقري لـ"قسد". وتنظر تركيا إلى "وحدات حماية الشعب" على أنها "الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني وتنظيم إرهابي"، وتعتمد المقاربة نفسها تجاه "قسد".
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريح أدلى به في 21 كانون الثاني: "مع تحقيق الاندماج الكامل ستبدأ هناك أيضاً مرحلة جديدة. استقرار سوريا سيُريح في المقام الأول أكراد سوريا".
فكيف يمكن أن تؤثر التطورات الأخيرة في سوريا على تركيا؟
البروفيسور جوشوا لانديس، المدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما في الولايات المتحدة، وماك كاسابوفيتش، الخبير في الشأن التركي لدى "أوكسفورد أناليتيكا"، والدكتورة زينب كايا، المتخصصة في الدراسات الكردية بجامعة شيفيلد في بريطانيا، تحدثوا لـ "BBC" التركية عن التطورات الأخيرة في سوريا.
"يبدو أن أردوغان قد كسب"
يرى الخبير في الشأن السوري البروفيسور جوشوا لانديس أن التطورات الأخيرة في البلاد تمثل نجاحاً كبيراً للرئيس أردوغان.
ويقول لانديس عن أردوغان: "لعب تقريباً بمفرده على ثورة في سوريا، وعلى المعارضة السنية، وعلى المعارضة الإسلامية التي استولت على السلطة. واليوم، حتى وإن لم تكتمل رؤيته بالكامل، فإنه يبدو رابحاً".
ويشير لانديس إلى أن معارضي أردوغان انتقدوه لفترة طويلة بسبب توجه ملايين اللاجئين السوريين إلى تركيا وبسبب تنامي وجود تنظيم داعش داخل البلاد، لكنه يؤكد أن أردوغان لم يتراجع عن سياسته السورية، مضيفاً: "يمكن لأردوغان اليوم أن يقول لهم: سوريا باتت في أيدينا. الأكراد و(قسد) هُزموا. أميركا انسحبت من المنطقة".
وبحسب ماك كاسابوفيتش، لا شك في أن أنقرة تنظر إلى التطورات الأخيرة في سوريا على أنها نصر استراتيجي كبير. ويقول كاسابوفيتش إن تركيا "تابعت التطورات في سوريا بصبر"، معتبراً، خلافاً لبعض ادعاءات "قسد"، أن "تدخل أنقرة اقتصر على مستوى محدود للغاية".
كيف يمكن أن تتأثر عملية الحل الجديدة في تركيا؟
تتواصل في تركيا العملية التي أطلقها رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي في تشرين الأول 2024 من أجل حل القضية الكردية، والتي تصفها الحكومة بـ"تركيا بلا إرهاب"، فيما يطلق عليها حزب الشعوب الديمقراطي وعبد الله أوجلان اسم "السلام والمجتمع الديمقراطي".
وكانت تطورات الثورة التي اندلعت في سوريا عام 2011 قد أثرت سلباً على مسار عملية الحل التي انتهت عام 2015. ويثير ما جرى في الأسابيع الأخيرة تساؤلات حول ما إذا كان سيؤثر على عملية الحل الجديدة في تركيا.
وفي هذا الإطار تواصل لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية، التي شُكّلت ضمن البرلمان التركي، أعمالها المتعلقة بإعداد تقرير مشترك.
وفي بيان صدر عن حزب الشعوب الديمقراطي "DEM" في 18 كانون الثاني، جاء: "لا يمكنكم أن تعاملوا من تصفونهم هنا بـ(المواطنين) على أنهم (أعداء) على الطرف الآخر من الحدود؛ فهذا يفتح جروحاً لا تندمل في ذاكرة الشعب. السلام يتطلب إرادة شاملة، ولا يمكن أن تكونوا بنّائين في أنقرة وهدّامين في سوريا".
وفي 21 كانون الثاني، ردّ رئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي بقسوة على حادثة إنزال العلم التركي من قبل مجموعة توجهت إلى الحدود عقب اجتماع كتلة حزب "DEM" في قضاء نصيبين التابع لولاية ماردين.
وقال بهتشلي إن "الرؤساء المشاركين لحزب DEM يتحملون المسؤولية المباشرة عن إنزال العلم التركي"، واصفاً ما جرى بأنه "أخطر الاستفزازات".
من جهتها، قالت المتحدثة باسم حزب "DEM" عائشة غول دوغان، في حديث إلى الصحفية شيرين بايزن على قناة "T24" على يوتيوب، رداً على سؤال بهتشلي "هل أنتم إلى جانب المؤسس القيادي لحزب العمال الكردستاني أم ضده؟": "نقف إلى جانب السلام والديمقراطية، ولا نتأرجح. نحن في حزب DEM نحاول بذل كل جهد ممكن، في ظروف استثنائية، من أجل تطبيق نداء 27 شباط".
وكان عبد الله أوجلان قد وجّه في 27 شباط 2025 دعوة إلى حزب العمال الكردستاني لإلقاء السلاح وحل التنظيم، مشدداً على ضرورة الانتقال إلى ساحة السياسة الديمقراطية في تركيا.
وترى الدكتورة زينب كايا أن التطورات الأخيرة في سوريا "قد تعزز يد الحكومة التركية في المفاوضات المتعلقة بالعملية أمام الأكراد".
إلا أنها تؤكد في المقابل أن موقف حزب "DEM" سيبقى عاملاً حاسماً، قائلة: "بالنسبة إلى حزب DEM، فإن استمرار وجود النظام [الإدارة الذاتية الكردية] في شمال سوريا بالغ الأهمية. غياب ذلك قد يعرّض عملية الحل في تركيا أيضاً للخطر. وفي ظل مزيد من الصراع وعدم الاستقرار وانعدام الثقة، قد يصبح السلام في تركيا أمراً غير ممكن بالنسبة إلى الأكراد".
أما ماك كاسابوفيتش فيرى أن الحكومة التركية "حافظت على زخم العملية خلال العام الماضي عبر خطوات رمزية"، لكنها "لم تقدّم تنازلات جوهرية" إلى حين تأكيد اندماج "قسد" في بنية الدولة السورية.
ويضيف: "يبدو الآن أن هذه الاستراتيجية نجحت، وأنه قد يكون من الممكن تحقيق بعض التقدم في عملية السلام".
ويتابع كاسابوفيتش: "إذا حصلت تركيا على ما تريد وتفككت (قسد)، فسنرى على الأرجح أن العملية تسير بالكامل وفق شروط أنقرة: تنازلات محدودة جداً بشأن المطالب الأساسية للأكراد، وربما عفو عن عناصر من حزب العمال الكردستاني في المستويات الدنيا، ومحادثات حول تعديلات دستورية تهدف إلى إطالة أمد حكم أردوغان".
ويشير كاسابوفيتش أيضاً إلى أن الأكراد قد يردون على ذلك، وأن قرارات "قسد" بشأن تنفيذ الاتفاق مع دمشق أو عدم تنفيذه، أو خفض التصعيد أو رفعه، قد تؤثر بدورها على التطورات داخل تركيا.
"إضعاف الهلال الشيعي كان في مصلحة تركيا"
يلفت الخبراء كذلك إلى أهمية التطورات في سوريا في سياق تأثيرها على الشرق الأوسط، الذي شهد اهتزازاً في توازناته الجيوسياسية عقب هجمات حركة حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول 2023.
فالهجمات، والعمليات العسكرية الإسرائيلية التي تسببت بدمار واسع في غزة، أطلقت سلسلة تطورات قلّصت بدرجة كبيرة نفوذ إيران في المنطقة.
فقد اغتالت إسرائيل أولاً الزعيم السياسي لحماس إسماعيل هنية في إيران، ثم اغتالت لاحقاً زعيم حزب الله حسن نصر الله في لبنان، وفي 8 كانون الأول 2024 انتهى في سوريا نظام حزب البعث الذي استمر 61 عاماً، وفرّ رئيس النظام بشار الأسد إلى روسيا.
ويقول ماك كاسابوفيتش: "تركيا لديها الآن حليف في دمشق، والمنطقة الكردية ذات الحكم الذاتي التي كانت تخشاها على حدودها تلقت ضربة قاتلة، كما أن خصمها التاريخي إيران ضعف هو الآخر".
ويرى كاسابوفيتش أن تفكك "قسد" سيزيل أيضاً "عقبة مهمة" من أمام العلاقات التركية – الأميركية.
أما البروفيسور جوشوا لانديس فيعلّق على ما جرى في الشرق الأوسط بعد هجوم 7 تشرين الأول بالقول: "فكرة الهلال الشيعي، الممتد من لبنان عبر سوريا والعراق وصولاً إلى إيران، والتي منحت إيران قوة كبيرة في المنطقة، تحطمت بالكامل".
"توتر كبير محتمل بين تركيا وإسرائيل"
بحسب لانديس، فإن "تركيا أصبحت اليوم في موقع القيادة في سوريا". ويضيف: "هذا يمنح تركيا نفوذاً كبيراً. كان يُعتقد لفترة أن السعودية وتركيا ستكونان خصمين كبيرين في سوريا، وربما يكونان كذلك لاحقاً".
ويتابع: "لكن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأردوغان يلتقيان عند نقاط كثيرة، ولذلك يتعاونان حالياً في سوريا. وهذا أمر إيجابي لسوريا، لأنه سيساعدها على تنمية اقتصادها، وجذب الاستثمارات الأجنبية، والحصول على الدعم".
في المقابل، يحذّر الخبراء من أن التوتر قد يتصاعد أكثر بين تركيا وإسرائيل، التي تراقب التطورات في سوريا عن كثب.
وأفادت تقارير بأن لجنة حكومية إسرائيلية خلصت في تقييم أجرته في كانون الثاني 2025 إلى أن النفوذ التركي المتزايد في سوريا قد يشكل تهديداً، محذّرة من أن ذلك قد يؤدي مع مرور الوقت إلى وضع "أكثر خطورة حتى من التهديد الإيراني" بالنسبة إلى إسرائيل.
ويقول البروفيسور لانديس: "تركيا أقوى من إيران بكثير، عسكرياً واقتصادياً، ولذلك فإن هذا الوضع ينطوي على مخاطر عديدة من وجهة نظر إسرائيل".
Loading ads...
أما ماك كاسابوفيتش فيرى أن "من غير المرجح أن تنجح إسرائيل في تهدئة مخاوفها إزاء تنامي قوة تركيا"، مضيفاً: "قد نشهد توتراً كبيراً بين خصمين إقليميين".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



