2 أشهر
سيول سوريا تكشف الفجوة بين وعود “صفر مخيمات” وغرق الواقع.. من يدفع الفاتورة؟
السبت، 14 فبراير 2026
تحوّلت الأمطار الغزيرة التي اجتاحت شمال غرب سوريا والساحل الشرقي، مساء السبت، إلى اختبار قاسٍ لقدرة الدولة والمجتمع على التعامل مع مخاطر باتت متوقعة، لكنها لا تزال تُدار بعقلية الطوارئ المؤقتة.
السيول التي اجتاحت ريف إدلب وأجزاء من ريف اللاذقية لم تكشف فقط هشاشة البنية التحتية في مناطق النزوح، بل أعادت طرح أسئلة مشروعة حول كلفة تجاهل البعد الاقتصادي والاجتماعي لمرحلة ما بعد النزاع، ومدى واقعية الوعود الحكومية المتكررة بإغلاق ملف المخيمات خلال فترة زمنية محددة.
الفجوة بين خطاب التعافي والواقع
بينما تتصاعد الوعود الرسمية بإغلاق ملف المخيمات نهائيًا بحلول عام 2026، جاءت سيول إدلب واللاذقية لتعيد رسم المشهد بلغة الواقع المرير، حيث تحولت الأمطار إلى أداة لقياس الفجوة الهائلة بين “خطاب التعافي” و”واقع الانكشاف الاقتصادي”.
وتسببت السيول في وفاة طفلين غرقًا وفقدان آخرين في ريف اللاذقية، ذلك بالتوازي مع غرق وتضرر أربعة عشر مخيمًا يقطنها مئات المدنيين، إضافة إلى تضرر نحو 300 عائلة بشكل مباشر بعد غمر الخيام وجرف الممتلكات، بحسب وزارة الطوارىء وإدارة الكوارث، وهو ما يضع الدولة السورية أمام معضلة اقتصادية بنيوية تتجاوز قدرة فرق الدفاع المدني على الاستجابة الميدانية.
فالمسألة باتت لا تتعلق فقط بآليات الاستجابة للطوارئ التي أعلن عنها محافظ إدلب محمد عبد الرحمن أو وزير الطوارئ رائد الصالح، بإنشاء مراكز إيواء مؤقتة في مدارس ريف إدلب الغربي بالتنسيق مع غرفة عمليات مشتركة بين الوزارات المعنية، وفق ما أعلن، بل تتعلق بـ “تكلفة الفرصة البديلة” الضائعة نتيجة الإبقاء على 1.2 مليون مواطن (نحو 240 ألف أسرة) في حالة تعطل اقتصادي ونزوح مستمر لمدة تقترب من 15 عامًا، وهو ما يمثل نزيفًا حادًا في الرأسمال البشري والاجتماعي يعيق أي فرصة حقيقية للاستقرار الكلي.
فشل السوق السياسي والاجتماعي
من منظور التحليل المالي العميق، ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب أن هذه الكوارث هي النتيجة الحتمية لما تصفه بـ “فشل السوق” السياسي والاجتماعي، حيث تعاملت المقاربات الحكومية مع قضية النزوح بوصفها عبئًا إغاثيًا لا ملفًا استثماريًا.
وتؤكد سيروب في منشور لها عبر منصة “فيسبوك”، أن التصريحات الصادرة عن وزارة المالية ومعاون وزير الشؤون الاجتماعية حول إنهاء ملف المخيمات في غضون عامين هي تصريحات تفتقر إلى “العمق الهيكلي” ما لم تقترن بتحول جذري من “اقتصاد اللاقتصاد” القائم على المسكنات، إلى “اقتصاد العدالة” الذي يضع جبر الضرر في قلب الموازنة العامة.
وشددت على أن العدالة الانتقالية في السياق السوري يجب أن تخرج من إطارها الحقوقي الضيق لتتحول إلى “رافعة اقتصادية”، مشيرة إلى أن العدالة التي لا تترجم إلى أمن سكني وقدرة شرائية هي عدالة لا تملك مقومات الصمود أمام الهزات المستقبلية.
خارطة طريق لإغلاق المخيمات
في هذا السياق، شددت سيروب على أن أي خطة واقعية لإغلاق ملف المخيمات خلال عام واحد يجب أن تستند إلى مسارين متوازيين،الأول يتعلق بجبر الضرر الفردي، من خلال توفير سيولة نقدية مباشرة للأسر النازحة، بما يضمن كرامتها ويمنحها القدرة الفعلية على اتخاذ قرار العودة الطوعية.
تخصيص دعم نقدي شهري بقيمة 500 دولار لكل أسرة لمدة عام، بإجمالي يقارب 1.5 مليار دولار، لا يمثل عبئًا غير قابل للتحمل، بل يشكل حزمة تحفيزية تنعش الطلب المحلي في المناطق المدمرة، وتحد من الاعتماد على المساعدات الإغاثية.
الباحثة الاقتصادية رشا سيروب
وأكدت أنه إذا ما قورن هذا الرقم بحجم الهدر المالي في استيراد السلع الترفيهية أو الخسائر الناتجة عن تعطل الإنتاج في المناطق المنكوبة، سنجد أن “فاتورة العودة” هي الأجدى اقتصاديًا على المدى الطويل، مبيّنة أن ضخ هذه الكتلة النقدية في الأسواق المحلية سيعمل كـ “حافز مالي” يعيد الحياة إلى قطاعات التجارة والبناء والخدمات في مناطق النزوح الأصلية.
من يدفع الفاتورة؟
كما دعت سيروب إلى إطلاق برامج قروض صفرية دون فوائد لأصحاب المنازل المتضررة جزئيًا، بما يشجعهم على إعادة الإعمار الذاتي والعودة، ويخفف في الوقت ذاته الكلفة الباهظة المترتبة على الدولة في حال بناء وحدات سكنية جديدة بالكامل.
وفي ما يخص مصادر التمويل، رأت سيروب أن السؤال المتكرر حول “من سيدفع الفاتورة” يعكس غياب الإرادة السياسية أكثر مما يعكس شح الموارد، مشيرة إلى أن الأموال المستعادة من أركان النظام السابق وما وصفتهم بـ”أمراء الحرب”، والتي تقدر بمليارات الدولارات سواء كانت نقدية أو عينية، هي أموال عامة مغتصبة، وإعادة توجيهها لمعالجة ملف المخيمات تمثل أحد أنقى أشكال العدالة التوزيعية.
كما دعت إلى الإسراع في توظيف تعهدات المانحين والتبرعات المحلية التي أُعلن عنها في المؤتمرات الدولية، بعيدًا عن التعقيدات البيروقراطية التي عطلت أثرها الفعلي.
وأكدت أن المخاطر السيادية الناتجة عن استمرار وضع المخيمات بحلول عام 2026 تتجاوز البعد الإنساني لتطال سمعة الاقتصاد السوري وقدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مشددة على أنه لا يمكن لأي مستثمر عاقل أن يضخ رؤوس أموال في بيئة تفتقر لأدنى مستويات الاستقرار الاجتماعي، حيث يعيش مليون ونصف شخص في حالة “انعدام أمن” دائم، لذا فإن إغلاق ملف المخيمات هو “شرط مسبق” للتعافي الاقتصادي الكلي.
من إطفاء الحرائق إلى رؤية تنموية
رأت سيروب أن تحرك فرق الشؤون الاجتماعية لتقديم الأغطية والمواد الإغاثية في حالات الطوارئ هو إجراء “إطفاء حرائق” لا يبني دولة، بينما المطلوب هو رؤية استشرافية تربط بين جبر الضرر الجماعي وبين “اللامركزية الاقتصادية”، بحيث يتم توجيه الاستثمارات العامة إلى المناطق التي هُجر منها السكان لضمان عدم عودتهم مرة أخرى إلى هوامش المدن الكبرى، مما يخفف الضغط على الخدمات العامة ويخلق بؤر نمو جديدة في الأرياف المدمرة.
برامج التعويضات المالية والسكنية ليست إنفاقًا استهلاكيًا ضائعًا، بل استثمارًا مباشرًا في السلام الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
وحذرت من أن العدالة التي لا تنعكس في أمن المسكن ورغيف الخبز ستبقى هشة، ومعرضة للانهيار أمام أي اضطراب مستقبلي، داعية الحكومة إلى البدء فورًا بدفع “فاتورة العدالة” لمستحقيها إذا كانت جادة فعلًا في إغلاق ملف المخيمات بحلول عام 2026.
Loading ads...
وبينما تقف الدولة السورية اليوم أمام خيارين، إما الاستمرار في سياسة “إدارة الفقر” والانتظار السلبي لعام 2026 مع كل ما يحمله من مخاطر انفجار اجتماعي، أو البدء الفوري بدفع “فاتورة العدالة” عبر برنامج وطني شامل للتعويضات والعودة، يظل ملف المخيمات اختبارًا لجدية الوعود الرسمية وللقدرة على إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس اقتصادية متينة، بعيدًا عن زيف الشعارات التي تغرق مع أول قطرة مطر.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





