شهدت مدينة البندقية في القرن السادس عشر تحولاً ثقيلاً في موقعها التجاري بعد انتقال طرق الملاحة نحو الأطلسي وصعود مراكز جديدة، إذ انعكس هذا التحول مباشرة على النشاط البحري وحجم المبادلات داخل المدينة، ليظهر ضمن هذا المناخ شخصيات تقدّم نفسها بالقدرة على إنتاج الثروة عبر وسائل مختصرة لا تمر عبر مسارات التجارة المعروفة.
وقد انتشر حديث عن رجل يعد الناس بإخراج الذهب عبر عمليات تبدو سهلة وسريعة، لتستقبل الأسواق هذه الروايات ضمن بيئة تبحث عن منفذ يخفف وقع التراجع، وبدأت الخطابات والأحاديث التي تحمل هذا الوعد تتسلل بين الناس، فصار الكلام عن الذهب جزءاً من التداول العام، وتراجع حضور أي نقاش مرتبط بالإنتاج الفعلي وشروط السوق، وتحوّل الوعد إلى عنصر يشارك في تنظيم المزاج الاقتصادي للمدينة.
يحمل كتاب قواعد السطوة الذي وضعه روبرت جرين، الذي يروي هذه الحكاية، قراءة مركّزة لآليات اشتغال السلطة عبر التاريخ، ويقدّم ضمن محتواه قاعدة تُعرف بالقاعدة الثانية والثلاثين، إذ يدعو الكاتب إلى مخاطبة الناس في آمالهم وأحلامهم.
ويشرح جرين عبر أمثلة تاريخية أن الخطاب الذي يتجه نحو التطلعات يحقق انتشاراً أسرع ويترك أثراً أعمق من الخطاب الذي يقدّم الوقائع كما هي، لأن هذا النوع من الخطاب يلقى قبولاً واسعاً داخل المجتمع، ويعيدون إنتاج هذا التصور داخل محيطهم الاجتماعي.
الخطاب الذي يتجه نحو التطلعات يحقق انتشاراً أسرع ويترك أثراً أعمق من الخطاب الذي يقدّم الوقائع كما هي، لأن هذا النوع من الخطاب يلقى قبولاً واسعاً داخل المجتمع، ويعيدون إنتاج هذا التصور داخل محيطهم الاجتماعي
لقد ربط الكاتب بين هذا النمط وبين قدرة الفاعل السياسي على تثبيت حضوره داخل المجال العام من دون الحاجة إلى تقديم معطيات قابلة للفحص المباشر، وعرض نماذج لقادة وتجار وشخصيات عامة اعتمدوا هذا الأسلوب في مراحل مختلفة، حيث ركزوا على بناء صورة ذهنية عن فرص قريبة ونتائج مضمونة، وتركوا التفاصيل العملية خارج مركز الخطاب أو الاهتمام، كما يشير إلى أن هذا الأسلوب يعمل بكفاءة داخل البيئات التي تعيش حالة ضغط أو انتقال، حيث يبحث الناس عن أي سردية تمنحهم شعوراً بالاتجاه.
وعليه فإن نجاح هذه القاعدة يرتبط بقدرة الخطاب على الاستمرار والتكرار، بحيث يتحول الوعد إلى جزء من الإدراك اليومي، وتندمج مفرداته مع لغة الناس، ويصبح تأثيره ممتداً داخل الزمن، ويستقر في شكل قناعة عامة يصعب تفكيكها.
كذلك أيضاً تدفع سلطات عديدة بخطاب اقتصادي يقوم على إنتاج أرقام وتوقعات وتكرارها عبر قنوات متعددة، وتحرص على تثبيت حضور هذه المؤشرات داخل المجال العام من خلال تصريحات وتقارير ومضامين إعلامية متلاحقة، إذ يندمج هذا الخطاب مع آليات معروفة في علم الاجتماع السياسي وعلم نفس الجمهور، حيث يعمل التكرار المنتظم على ترسيخ ما يسمى بـ"أثر التعرّض المتكرر"، فيتحول الرقم من معلومة إلى عنصر مألوف يكتسب درجة من القبول، ويُسهم ذلك في تشكّل فهم عام يربط بين الأرقام وبين صورة قريبة عن تحسن اقتصادي، كما يعزز هذا الإطار نزعة معرفية لدى الأفراد تميل إلى تثبيت المعطيات التي تنسجم مع التوقع، وتهميش ما يخالفه.
تدفع سلطات عديدة بخطاب اقتصادي يقوم على إنتاج أرقام وتوقعات وتكرارها عبر قنوات متعددة، وتحرص على تثبيت حضور هذه المؤشرات داخل المجال العام من خلال تصريحات وتقارير ومضامين إعلامية متلاحقة
ومع استمرار ضخ الأرقام ضمن هذا النسق، يعتمد كثيرون على هذه الأرقام في تفسير ما يجري حولهم، وتنتقل هذه البنية إلى التداول الاجتماعي، فتدخل المفردات الاقتصادية في اللغة المتداولة وتؤثر في طريقة قراءة الواقع، كما تعمل هذه العملية أيضاً على إعادة تشكيل الإدراك الجمعي من خلال حضور مستمر للأرقام داخل النقاش العام، حيث تكتسب هذه الأرقام قوة تأثيرها من تكرارها وانتشارها أكثر من ارتباطها المباشر بمعطيات إنتاجية ملموسة.
لذا يترك هذا الخطاب أثراً مباشراً في سلوك الأفراد وفي ترتيب أولوياتهم، حيث تتقدم اعتبارات العمل والدخل والمسارات المهنية الضيقة إلى مركز الاهتمام، وتفقد القضايا العامة السياسية منها والاجتماعية حضورها داخل النقاش المجتمعي، لتنسحب مفردات الشأن العام من التداول، وتحل محلها لغة ترتبط بالفرص الفردية والتنقل داخل سوق العمل.
هذا ويندمج هذا التحول مع ما تشير إليه دراسات علم الاجتماع حول تفكك الفعل الجماعي تحت ضغط البنى الاقتصادية غير المستقرة، فيميل الأفراد إلى البحث عن حلول فردية سريعة في بيئات تتراجع فيها الثقة بالأطر الجامعة، ويعزز ذلك ما يعرف في علم النفس الاجتماعي بنزعة المقارنة المرجعية، إذ يقيس الفرد موقعه ضمن نطاق محدود من التجارب القريبة منه، ويعيد ضبط طموحه وفق هذا النطاق، ومع استمرار هذا النمط، تتقلص المساحات التي تنتج خطاباً عاماً منظماً، وتضعف القدرة على تشكيل مبادرات عابرة للمصالح الفردية، ويمكن في بعض الأحيان أن تلعب المؤسسات التعليمية أو الإعلامية دوراً حاسماً في تثبيت هذا المسار، من خلال ترسيخ مفردات محددة وإعادة تدويرها داخل المجتمع، بما يعيد تشكيل تصور الأفراد للعلاقة بينهم وبين المجال العام.
يقيس الفرد موقعه ضمن نطاق محدود من التجارب القريبة منه، ويعيد ضبط طموحه وفق هذا النطاق
يمضي هذا النمط إلى ما هو أبعد من مجرد إقناع مؤقت، إذ يتحول مع الاستمرار إلى قاعدة تنظيمية تضبط العلاقة بين المجتمع والسلطة، حيث يدخل الوعد في تكوين السلوك العام ويصبح جزءاً من آلية اتخاذ القرار، فيتكيّف الأفراد مع خطاب يحدّد لهم اتجاه الحركة ويمنحهم تصوراً جاهزاً عمّا ينتظرهم.
Loading ads...
ويؤدي هذا الامتداد إلى إعادة تشكيل أولويات واسعة داخل المجتمع، فتتقدم الحسابات الفردية المرتبطة بالفرص المعلنة، وتتراجع القدرة على إنتاج فعل جماعي مستقل، ويستقر هذا التأثير عبر تكرار الخطاب وتداوله، حتى يفقد طابعه المؤقت ويأخذ موقعاً ثابتاً داخل الوعي، وعند هذه المرحلة يندمج الوعد في حركة المجتمع ويؤثر في قراراته واتجاهاته العامة، ويؤثر في طريقة فهمه لما يجري وفي كيفية تعامله معه، ويمنح الجهة التي تنتجه قدرة مستمرة على ضبط الإيقاع العام ويترسخ هذا الأثر داخل المجال العام عبر استمراره وتكراره.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


