ساعة واحدة
"عقارك قد يُباع من دون علمك".. عمليات احتيال تهز سوق دمشق العقاري
السبت، 2 مايو 2026
تشهد سوق العقارات في دمشق تصاعدا لافتا في حالات التزوير والاحتيال، في ظل ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على السكن، ما يضع آلاف المواطنين أمام مخاطر قانونية ومالية معقدة.
ومع تزايد الحاجة إلى شراء أو استئجار المنازل، يجد كثيرون أنفسهم عرضة لعمليات خداع متقنة، مستفيدة من ثغرات قانونية وضعف التدقيق في بعض المعاملات، إضافة إلى ظروف استثنائية مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية.
تكشف شهادات المتضررين عن مدى تعقيد عمليات الاحتيال العقاري، حيث تبدأ بعض الحالات بإجراءات قانونية تبدو سليمة، قبل أن تتحول إلى نزاعات قضائية طويلة.
يروي زاهر السعدي، أحد الضحايا لتلفزيون سوريا كيف أجّر منزله بعقد رسمي موثق، قبل أن يتفاجأ بوجود شخص آخر يقيم في العقار، ليكتشف لاحقا أن المستأجرة قامت بتزوير العقد والبصمة، ثم باعت المنزل لشخص ثالث دون علمه.
استغرقت القضية سنوات في أروقة المحاكم، وتطلبت إجراء خبرات فنية دقيقة على التواقيع والبصمات، قبل أن يتم إثبات التزوير واستعادة الملكية. ويؤكد السعدي أن هذه العمليات لا تتم بشكل فردي، بل تقف خلفها شبكات تضم مزورين ومحامين، تعمل على استغلال الثغرات القانونية لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
ويشير إلى أن ما شاهده داخل المحاكم يعكس انتشار الظاهرة بشكل أوسع مما يُعتقد، حيث توجد العديد من القضايا المشابهة التي ما تزال قيد النظر، وبعضها يمتد لسنوات طويلة من دون حسم نهائي.
يرى المحامي والناشط الحقوقي غياث دبور أن الاحتيال العقاري في دمشق لم يعد مجرد حالات فردية، بل تحول إلى ظاهرة ممنهجة منذ عام 2011.
ويعزو ذلك إلى موجات النزوح واللجوء التي أدت إلى ترك ملايين السوريين لمنازلهم، ما خلق بيئة مناسبة للمزورين للاستيلاء على العقارات، خاصة في ظل غياب أصحابها لفترات طويلة.
كما ساهم تدمير بعض السجلات العقارية، لا سيما في مناطق مثل الغوطة، في تعقيد عمليات التحقق من الملكية، في ظل الاعتماد الكبير على الوثائق الورقية وغياب الأرشفة الإلكترونية. هذا الأمر دفع العديد من المالكين إلى اللجوء إلى دعاوى "ترميم الملكية" لإثبات حقوقهم.
ولا يقتصر الأمر على الظروف العامة، إذ يشير دبور إلى أن الفساد داخل بعض المؤسسات لعب دورا في تسهيل عمليات التزوير، من خلال تورط بعض الموظفين في تمرير معاملات غير قانونية أو التغاضي عنها. كما وقعت بعض عمليات البيع تحت الضغط أو التهديد، مستفيدة من حالة الخوف وعدم الاستقرار خلال سنوات النزاع.
تتنوع أساليب الاحتيال في السوق العقارية، ما يزيد من صعوبة اكتشافها بالنسبة للمواطنين. ومن أبرز هذه الأساليب بيع العقار لأكثر من شخص في أوقات مختلفة، أو وجود إشارات دعاوى قانونية على العقار من دون علم المشتري، إضافة إلى تزوير الوكالات القانونية واستغلال غياب المالك أو وفاته وعدم وضوح بيانات الورثة.
ويحذر المختصون من أن بعض عمليات الاحتيال تتم من قبل مالكين فعليين للعقار، يقومون ببيعه أكثر من مرة، ما يوقع المشترين في نزاعات قانونية معقدة يصعب حلها بسرعة.
كما تبرز خطورة استخدام العقود الجاهزة أو ما يُعرف بعقود "ملء الفراغات"، التي قد لا تراعي الخصوصية القانونية لكل حالة، ما يؤدي إلى أخطاء قد تكلف أصحابها خسارة حقوقهم بالكامل.
من جهته، يوضح الوسيط العقاري محمد علي إبراهيم، لتلفزيون سوريا أن اضطراب السوق يلعب دورا رئيسيا في تفاقم الظاهرة، حيث تُحدد الأسعار وفق العرض والطلب من دون وجود معايير واضحة، ما يدفع بعض المشترين إلى التسرع خوفا من ضياع الفرص. ويضيف أن بعض العروض المطروحة تبدو غير منطقية مقارنة بالسوق، ما يثير الشبهات حولها.
ورغم ذلك، بدأت بعض المكاتب العقارية بمحاولات لتنظيم العمل، من خلال ربط المعاملات بجهات رسمية للتحقق من الوثائق، إضافة إلى تشكيل شبكات تضم شركات ومكاتب عقارية بهدف تعزيز الشفافية وتقليل المخاطر.
في مواجهة هذه التحديات، اتخذت الجهات المعنية خطوات للحد من التزوير، أبرزها التعميم رقم 18 الصادر عن وزارة العدل، والذي يفرض إجراءات مشددة على البيوع العقارية، تشمل إجراء كشف ميداني على العقار، والتحقق من شاغليه، والاستماع إلى الجوار والشهود، إضافة إلى إجراء خبرات فنية على التواقيع والبصمات.
ويرى خبراء أن هذه الإجراءات تمثل خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى وقت لتؤتي نتائجها، خاصة في ظل تراكم القضايا القديمة وتعقيداتها.
في المقابل، يشدد المختصون على أهمية الانتقال إلى نظام توثيق إلكتروني للسجلات العقارية، باعتباره الحل الأكثر فاعلية للحد من التلاعب، حيث يتيح تتبع الملكيات بشكل دقيق ويقلل من الاعتماد على الوثائق الورقية القابلة للتزوير.
كما يقدم الخبراء مجموعة من النصائح للمواطنين، من بينها استخراج قيد عقاري حديث قبل أي عملية شراء، والتأكد من خلو العقار من الإشارات القانونية، والتحقق من صحة الوكالات، وعدم التسرع في اتخاذ القرار، إضافة إلى الاستعانة بمحام مختص قبل توقيع أي عقد.
تعكس هذه الوقائع حجم التحديات التي تواجه سوق العقارات في دمشق، حيث تتداخل الحاجة المتزايدة للسكن مع ثغرات قانونية وإرث من الفساد، ما يجعل الاحتيال خطرا حقيقيا يهدد الملكيات.
Loading ads...
ورغم الجهود المبذولة لتنظيم السوق وتعزيز الرقابة، يبقى وعي المواطن والتدقيق القانوني العامل الأهم في الوقاية من هذه الجرائم، خاصة أن استعادة الحقوق قد تستغرق سنوات طويلة من التقاضي، وتكلف أصحابها خسائر مادية ومعنوية كبيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




