2 أشهر
الحرب تستنزف الاقتصاد الإيراني.. نذر احتجاج شعبي يربك حسابات “الولي الفقيه”
الإثنين، 4 مايو 2026

في الوقت الذي تبدو فيه الولايات المتحدة الأميركية أكثر إصراراً على المضي بثبات في حصار الموانئ الإيرانية، بهدف ممارسة ضغط قوي ومؤثر على النظام الإيراني، تبدو المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران تتناسب طردياً مع اشتداد هذا الحصار، بما ينسجم مع سيناريوهات تنامي التململ الشعبي وتآكل مستويات الولاء للنظام، على خلفية معاناة شرائح واسعة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتفاقم معدلات البطالة، وارتفاع مستويات التضخم الناتجة عن ظروف الحرب، وإغلاق مضيق هرمز، وتعطّل خروج الصادرات الإيرانية، ولا سيما النفطية منها، وهو ما ألحق أضراراً بالغة بالاقتصاد الإيراني، وانعكس مباشرة على معيشة المواطنين هناك، مهدداً استقراره المعيشي والاجتماعي، ومعززاً حالة القلق وانعدام الثقة تجاه المستقبل المنظور.
تتزامن المؤشرات الاقتصادية الخاصة بالعام الجاري مع حقيقة أن إيران، التي عرفت خلال الفترة الأخيرة اضطرابات سياسية واقتصادية متعاظمة، سواء خلال حرب الأيام الاثني عشر، أو بفعل الضربات المتتالية التي طالت أذرعها الإقليمية، فضلاً عن استهداف عدد من قياداتها ومنشآتها الحيوية، دخلت هذه المرحلة وهي أصلاً في وضع اقتصادي هشّ وضعيف، رغم ما يُعرف عنها من قدرة تقليدية على امتصاص الصدمات.
المماطلة السياسية في طهران لا يدفع ثمنها المفاوضون، بل تدفعها الأجيال الإيرانية من مستقبلها ومدخراتها، بينما يتراكم الضغط الشعبي كطنجرة ضغط تقترب من النقطة الحرجة للانفجار.
غير أن الحرب الأخيرة جاءت أكثر قسوة وإيلاماً على مؤشرات الاقتصاد الكلي، وعلى الخريطة الاجتماعية والمالية للمواطن الإيراني، وعلى قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجات السكان وتوفير فرص العمل والمهن، الأمر الذي جعل تداعيات المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل والعقوبات والضغوط الناتجة عنها أكثر قسوة على الاقتصاد الإيراني.
فوفق “مركز الإحصاء الإيراني”، بلغ معدل التضخم السنوي حتى منتصف آذار/مارس الفائت نحو 50.6%، وهو مستوى يعكس تآكلاً حاداً في القوة الشرائية للأسر الإيرانية حتى قبل تصاعد التوترات الأخيرة، بينما أوردت تقارير لاحقة نقلتها “رويترز” أن التضخم ارتفع في بعض التقديرات لنحو 65.8% مع استمرار اضطراب الأسواق وتراجع قيمة العملة المحلية.
وفي السياق نفسه، سجل الريال الإيراني مستوى تاريخياً متدنياً عند نحو 1.81 مليون ريال مقابل الدولار الواحد في نيسان/أبريل الماضي، بحسب بيانات تداول نشرتها “رويترز”، وهو ما يعني عملياً ارتفاع تكلفة الواردات الأساسية من غذاء ودواء ومستلزمات إنتاج، وزيادة الضغوط على الأسعار المحلية بصورة متسارعة.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عماد الدين المصبح لـ”الحل نت” إن النظام الإيراني يراهن على استراتيجية “حافة الهاوية” وشراء الوقت، معتقداً أن القبضة الأمنية كفيلة بإسكات الجوع، إلا أنه اقتصادياً لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش في حالة استنفار وحصار دائمين دون أن تنفجر مؤسساته من الداخل. ويضيف أن المماطلة السياسية في طهران لا يدفع ثمنها المفاوضون، بل تدفعها الأجيال الإيرانية من مستقبلها ومدخراتها، بينما يتراكم الضغط الشعبي كطنجرة ضغط تقترب من النقطة الحرجة للانفجار.
وعلى مستوى النمو، توقع “صندوق النقد الدولي” انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 6.1% خلال عام 2026، في تقدير يعكس تأثير تراجع الصادرات النفطية، وارتفاع تكاليف التجارة والشحن، وتزايد حالة عدم الثقة التي تضرب الاستثمار والإنتاج.
أما سوق العمل، فرغم غياب بيانات حاسمة ومحدثة عن الشهرين الفائتين، فإن آخر التقديرات الدولية كانت تضع البطالة قرب مستويات 8% إلى 9%، إلا أن هذا الرقم مرشح للارتفاع في ظل تباطؤ الصناعة، وإغلاق أو تقليص نشاط شركات صغيرة ومتوسطة، وتراجع قطاعات النقل والخدمات، فضلاً عن استمرار البطالة المرتفعة أصلاً بين الشباب والنساء.
وتكشف هذه الأرقام مجتمعة أن إيران تواجه اليوم واقعاً اقتصادياً شديد التعقيد والارتباك، يقوم على تزامن التضخم المرتفع مع اقتصاد حرب يفضي، في أبسط معانيه، إلى انكماش اقتصادي وركود تضخمي في آن واحد.
وإذا جاز القول، فإن أعمال الحرب الأخيرة جاءت لتضاعف آثار الاختلالات السابقة، وتشدد تداعياتها على مختلف مفاصل النظام، ولا سيما المجتمع الإيراني وطبقاته الأكثر احتياجاً، بما قد يسرّع من اتساع دائرة العوز، ويعمّق الضغط المعيشي، ويقوض تدريجياً هيكل الطبقة الوسطى وبنيتها الاقتصادية.
من منظور “الاقتصاد السياسي”، يصف الخبير الاقتصادي عماد الدين المصبح الأزمة الإيرانية بأنها “عطب هيكلي” ناتج عن تغليب الأيديولوجيا والسياسة الخارجية على حساب التنمية الاقتصادية. وفي ظل الجمود الحالي، يطرح عدة سيناريوهات يواجهها الاقتصاد الإيراني مستقبلاً.
أول هذه السيناريوهات هو “الركود التضخمي المستدام”، وهو المرجح في غياب أي انفراجة سياسية أو رفع للعقوبات، حيث ستستمر الحكومة الإيرانية في طباعة العملة لسد عجز الموازنة، ما يعني ضخ السيولة النقدية دون غطاء إنتاجي. والنتيجة بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة قد تدور حول 50%، وربما تتجاوزها في السلع الأساسية، بما يؤدي إلى إفلاس المزيد من الشركات وتسريح العمالة، وتحول الاقتصاد تدريجياً إلى “اقتصاد ظل” قائم على التهريب والالتفاف على العقوبات.
أما السيناريو الآخر فهو “الانهيار القطاعي السريع”، حيث قد يؤدي استمرار الاستعصاء السياسي وتشديد الرقابة على صادرات النفط إلى انهيار متسارع في قطاعات حيوية، ليس على شكل سقوط فجائي للدولة، بل عبر شلل تدريجي في الصناعة والطاقة نتيجة تقادم البنية التحتية وغياب الاستثمارات، ما ينعكس في انقطاعات أطول للكهرباء والغاز وشلل في الإنتاج المحلي.
وتشير المؤشرات المسجلة خلال أبريل/نيسان 2026 إلى أن آثار الحرب والضغوط الأميركية على الموانئ وحركة الملاحة الإيرانية بدأت تنتقل من المستوى الجيوسياسي إلى صلب الحياة الاقتصادية اليومية بوتيرة متسارعة.
وقد أظهرت بيانات نقلتها “رويترز” تراجع حركة السفن العابرة عبر مضيق هرمز إلى نحو ست سفن فقط خلال 24 ساعة في بعض الفترات، مقارنة بمعدلات طبيعية كانت تتراوح بين 125 و140 سفينة يومياً قبل اندلاع المواجهة العسكرية، وهو ما يعكس اضطراباً حاداً في أحد أهم الشرايين التجارية.
أيضاً، تشير توقعات شركة “فيتش سوليوشنز” إلى أن مخاطر التضخم في إيران تميل نحو الارتفاع، إذ من المتوقع أن يبلغ متوسط التضخم 58% على أساس سنوي في عام 2026، ارتفاعاً من 50.1% في عام 2025، مردفة أن استمرار العقوبات وضعف العملة سيُبقيان التضخم عند مستويات مرتفعة هيكلياً، حتى في حال اتجه الصراع الأميركي الإيراني نحو التهدئة أو الحل.
وفي سياق متصل، يرى الخبير الاقتصادي عماد الدين المصبح أن المجتمع الإيراني هو من يتحمل كلفة هذا المسار، مشيراً إلى أن خطاب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي الذي يدعو إلى حماية “السيادة” يمثل محاولة لإعادة صياغة “العقد الاجتماعي”، بحيث يُطلب من المواطن التنازل عن الرفاهية وحتى أساسيات العيش مقابل الأمن القومي.
ويضيف المصبح أن الطبقة الوسطى الإيرانية، التي تُعد صمام الأمان، تعرضت لتآكل حاد ودُفعت شرائح واسعة منها نحو خط الفقر، في ظل هبوط ملايين الإيرانيين دون حد الكفاف.
وهنا يحذر المصبح من انتقال الاحتجاجات من الطابع السياسي إلى الطابع المعيشي، مع توقع تنامي الإضرابات والاحتجاجات الفئوية، مثل تحركات العمال والمتقاعدين والمعلمين، وهي أنماط احتجاج أكثر إرباكاً للنظام الإيراني، لأن التعامل معها أمنياً يصبح أكثر كلفة. كما يشير إلى أن الهجرة باتت خياراً متزايداً، مع تصاعد ظاهرة “نزيف الأدمغة” وخسارة رأس المال البشري.
وفي المقابل، يحاول النظام الإيراني مواجهة كل هذه الضغوط عبر عدة آليات، يأتي في مقدمتها توجيه جملة من الرسائل إلى الداخل، تُبرز مقاربة تقوم على إظهار التماسك السياسي والعسكري، والتأكيد أن مؤسسات الدولة تقف في حالة اصطفاف كامل. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات مجتبى خامنئي بشأن الخليج ومضيق هرمز، ليزعم بالقول إن “القواعد الأميركية في المنطقة غير قادرة على تأمين نفسها”، وأن مستقبل المنطقة سيكون “من دون الوجود الأميركي”.
Loading ads...
وبالتالي، يمكن قراءة هذه الرسائل كجزء من خطاب تعبوي موجه للخارج والداخل معاً، يهدف إلى إظهار الثقة، لكنه يعكس في الوقت ذاته مخاوف متزايدة من اتساع السخط الاجتماعي نتيجة تدهور المؤشرات الاقتصادية، والتي على إثرها ستطفو على السطح العديد من الأزمات والمشكلات في الداخل الإيراني نتيجة سياسات النظام العدائية في المنطقة، والتي سيصعب السيطرة عليها، مما سيدخل البلاد في دوامة أكثر تعقيداً وسوءاً على عدة مستويات، سياسية واجتماعية واقتصادية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

