كانت تصعد الدرج حين انفتح باب الشقة الأرضية على مهل، وخرجت امرأة مسنّة تناديها: "أنا جارتكم الجديدة.. بعمل لبنة وجبنة ولبن رائب إذا احتجتي".
لم يكن في الكلمات طلب مباشر، كان التعريف بالنفس يمرّ عبر ما تستطيع أن تقدّمه، لا عبر ما تحتاجه. أم مرهف انتقلت مع زوجها إلى شقة مستأجرة في ريف دمشق، بعد أن تفرّق الأبناء بين مدن وبلدان وموت.
يقول الجيران إن الباب نادراً ما يُطرق، "كأن الشقة لم تؤجر بعد". لا تصليحات في المنزل ولا زيارات، ولا رائحة طبخ في الظهيرة، ولا ازدحام في المساء، يخرج أحياناً صوت أم مرهف من خلف الباب، تعرّف بنفسها أو بما تصنعه، كأنها تحاول تثبيت حضورها في بناية لا تعرف قصتها.
المشهد مدخل لسؤال أوسع: ماذا تغيّر في شكل الشيخوخة داخل العائلة السورية بعد أربعة عشر عاماً من التهجير والقتل والانهيار الاقتصادي؟
"شكل البيت انكسر"
تقول أليسار الصايغ لموقع تلفزيون سوريا، وهي شابة تعيش في الاغتراب بينما يقيم والداها بمفردهما في ريف دمشق، إن قناعتها الكاملة بأن السفر كان الحل الوحيد الممكن لا تلغي شعوراً دائماً بالذنب.
تضيف.. الفارق في الظروف المعيشية يلاحقها يومياً، موضحةً: "أعيش في مكان فيه كهرباء على الأقل، بينما أهلي ما زالوا هناك. أشعر أنني أعيش براحة لا أستطيع أن أوصلها إليهم، وربما لا أستحقها بالكامل، لأنني من هناك لا من هنا".
وتتابع.. المسألة لا تتعلق بالمستوى المعيشي فقط، بل بانكسار الصورة التي رسمها والداها لحياتهما العائلية: "كانا يتخيّلان عائلة تكبر في بيت واحد ومكان واحد. هذا الشكل انكسر".
وترى أن اللحظات الأصعب هي لحظات المرض أو الطوارئ، حيث يتجلّى شعور العجز بوضوح. "تشعر أنك بعيد وغير قادر على فعل شيء حقيقي. كل ما تفعله من هنا يبدو غير كافٍ. أعود دائماً للفكرة نفسها: ربما لو كنت معهم لما حدث هذا، أو على الأقل كنت سأساعد أكثر".
في هذا الموضع تحديداً، ترى المعالجة النفسية بيترا نوفل أن الأمر يتجاوز تجربة فردية، وتقول لموقع تلفزيون سوريا إننا أمام انتقال من مجتمع تضامني تقليدي إلى ما تسميه "مجتمع النجاة الفردية". وتوضح: "بالتأكيد يمكن قراءة وحدة كبار السن على أنها انعكاس مباشر لتحوّل المجتمع من التضامن إلى فردية النجاة، وهي ظاهرة تفاقمت بشكل كبير بعد الحرب".
وتضيف أن الحرب "لم تدمر المباني فقط، بل دمرت الثقة والشعور بالأمان الجماعي"، وأن تراكم الخبرات الصادمة جعل "سياسة النجاة هي السمة المسيطرة على سلوك الأفراد"، حيث يصبح البحث عن الأمان النفسي والجسدي، سواء عبر السفر أو الانشغال بتأمين متطلبات الحياة، هو الأولوية القصوى.
المال لتعويض الغياب
تصف أليسار إرسال المال بأنه محاولة تعويض وتبرير للوجود خارج البلاد، مضيفةً: "معظمنا سافر ليعمل ويؤمّن حياة أفضل له ولعائلته، لكن يبقى شعور بعدم الكفاية.
هناك مواقف كثيرة تجعلك تشعر أن الدعم الذي تقدّمه لا يكفي". وتختصر تجربتها بقولها: "لا يوجد ما يخلّصنا من عقدة أننا نجونا بينما بقوا هم في المكان الذي هربنا منه. الأسوأ أنهم يكبرون هناك مع وحدتهم، ونحن نكبر بعيداً عنهم، في بلاد لا تشبهنا".
وفي تفسير هذا الثقل، تلفت نوفل إلى أن الشعور بالوحدة لدى كبار السن ليس ظاهرة جديدة بالكامل. "صحيح أن الشعور بالوحدة موجود تاريخياً لأسباب متعددة كفقدان الأقران أو التقاعد"، لكنها تؤكد أن ما نشهده اليوم هو تحوّل في طبيعة وحدّة المشكلة، وتشرح: "لم تعد الوحدة مجرد شعور عابر، بل أصبحت أزمة نفسية واجتماعية حادة، وهذا يرتبط عضوياً بتفكك المنظومة المجتمعية التي كانت تحمي كبارنا".
وترى أن العلاقة داخل العائلة تغيّرت من صيغة "رعاية متبادلة" إلى ما تصفه بـ"التزام يُمارس عن بُعد"، أو أحياناً "التزام منسي تحت وطأة ضغوط البقاء".
"تغيّر مفهوم البرّ"
لكن هذا التوتر بين النجاة الفردية والانتماء العاطفي لا يقتصر على من غادروا البلاد.
داخل سوريا أيضاً، تغيّرت المعادلة. تقول تريز، وهي أم في الثلاثينات تقيم داخل البلاد، إن المسؤولية تغيّرت جذرياً خلال السنوات الأخيرة. "من قبل لم أكن أنا المسؤولة عن رعاية والدي. كان لديهما راتبان وبيوت مؤجرة يستفيدون منها. اليوم أنا وإخوتي مسؤولون عن تقديم المال لهما".
وتوضح أنها كانت تعيش بعيدة عنهما قبل الزواج، لكن الأمومة أعادت ترتيب موقعها داخل العلاقة. "عندما أصبحت أماً صرت أذهب إليهما أكثر". وترى أن مفهوم "البرّ" تغيّر مع تغيّر الظروف: "كان الابن البار يجب أن يعيش مع أهله. اليوم غالبية السوريين لا يعيشون مع آبائهم، ويكتفون بإرسال النقود أو توظيف ممرضة في حالات العجز".
"هكذا يفعل أخوتي.. يرسلون النقود ويزيدون المبلغ في الأفراح وعند المصائب رغم علمنا بأنهم غير مرتاحين تماماً". تقول تريز لموقع تلفزيون سوريا أن أمها عندما تستلم المبلغ وتدعو بالرضا لولديها تقول: "وجه جمال عالريق (صباحاً) بمليون دولار."
وتدعو الله أن تراهما ولو مرة قبل أن تموت، تضيف: "هذا الكلام يجعل أخوَيّ يخافان الحديث مع أمي ويشعران بالضغط رغم حبهما الكبير لها."
هنا تؤكد نوفل على لبّ التحول: العلاقة التي كانت تقوم على حضور ومكانة باتت عند كثيرين علاقة تُدار تحت الضغط. وتضيف أن الوحدة التي يعاني منها كبار السن اليوم "ليست مجرد نتيجة للبعد الجسدي، بل نتيجة لانهيار العقد النفسي والاجتماعي الذي كان يضمن لهم مكانة في دائرة الاهتمام"، معتبرة أن هذه الفجوة العاطفية هي "الجرح النفسي الأعمق"، لأنه يمسّ الإحساس بالقيمة والانتماء، وليس فقط الحضور المادي.
"كم أتمنى ألا أحتاجهم"
وبينما تصف أليسار شعور الذنب في الغربة وأثناء نظرها لماضيها، تتحدث تريز عن قلق مختلف يتجه إلى الأمام. فهي لا تتمنى أن تقف في طريق أطفالها إن اختاروا السفر يوماً ما، لكنها في الوقت نفسه تفكر في المستقبل بقلق. "الفكرة مخيفة ومقلقة جداً، لكنني لا أريد أن أقيّدهم. أفكر أن أجمع مالاً يكفيني عندما أكبر كي لا أعتمد عليهم بالكامل. كم أتمنى ألا أحتاجهم، أولادي ليسوا استثماراً".
هذا التحول في تصور الشيخوخة لا يظهر كقرار فردي فقط، بل كاستجابة لواقعٍ يضغط على الأسرة من جهتين: اقتصادياً ونفسياً. فبحسب نوفل، الأبناء أنفسهم "يعيشون حالة الناجي والاستنزاف النفسي الناتج عن الحرب"، وهم في كثير من الأحيان بحاجة إلى دعم، "فكيف يُطلب منهم أن يكونوا مصدر دعم واستقرار عاطفي لغيرهم -وخصوصاً لوالديهم- وهم في قمة هشاشتهم؟"
كبار السن في دور الرعاية
عندما تصل الأسرة إلى حدود قدرتها، تظهر خيارات كان المجتمع يتعامل معها سابقاً بوصفها استثناءً. في هذا السياق، تقول كلوديا سعد، وهي متطوعة ومسؤولة فريق زيارات وأنشطة لكبار السن مع مبادرة "أنتوا ببالنا"، إن الصورة داخل دور الرعاية تكشف جانباً آخر من التحوّل في شكل الرعاية داخل الأسرة السورية. وتوضح أن "أغلبية كبار السن في دور الرعاية بلا عائلة أو أن أبناءهم خارج القطر"، في حين تبقى الأقلية بسبب "عدم قدرة الأبناء على الرعاية أو انشغالهم بأعمالهم".
وتشير إلى أن العامل الأبرز ليس الوحدة بحد ذاتها، بل "المرض وشعور الكبار أنهم عبء". هذا الشعور، كما تقول، لا يقتصر على المسنّ، بل يمتد إلى العائلة أيضاً، لأن كثيراً من الأبناء لا يملكون الخبرة أو الوقت الكافي للتعامل مع الحالات المرضية المعقّدة وتقديم الرعاية المناسبة، ما يخلق ضغطاً نفسياً متبادلاً. وتشرح أن العبء النفسي ينقسم إلى شقّين: "عبء نفسي على كبير السن بسبب عدم تقبّله أحياناً فكرة تلقي الرعاية من أبنائه أو عدم تقبّل المرض والعمر"، و"عبء نفسي على العائلة بسبب الاحتكاك بالحالة المرضية والأعباء الخارجية والضغوط وعدم تفهّم وتقبّل تغيّرات كبار السن المزاجية".
"غياب الدولة.. فراغ تملؤه الأسرة"
في تحليلها لمسار الرعاية، تقول نوفل إن غياب سياسات الرعاية الرسمية حوّل الأسرة إلى الملاذ الوحيد لكبار السن، لكنه وضعها في مواجهة مسؤولية تتجاوز طاقتها.
وتوضح: "غياب الدولة يخلق فراغاً تملؤه الأسرة بأي ثمن. فحين تغيب مؤسسات الرعاية الرسمية -من دور رعاية حكومية مجانية، وبرامج دعم منزلي، ومراكز تأهيل نهارية، ورعاية صحية منزلية- لا يجد المجتمع أمامه سوى خيار واحد لسد هذا الفراغ: الأسرة".
وتتابع: "الأسرة تصبح صمام الأمان الوحيد، لكن دون أن تُمنح أي أدوات أو دعم يخولها لتحمل هذه المسؤولية"، وتصف المعادلة بوضوح: "إنها معادلة مجحفة: أن تُكلف بمهمة دون أن تمتلك مواردها". وترى أن المفارقة تكمن في أنه "عندما تظهر نتائج هذه الظروف على هيئة مسن مهمش أو وحيد، يتم توجيه أصابع الاتهام للأسرة"، واصفة ذلك بأنه "ازدواجية قاسية"، إذ يُطلب من الأسرة أن تكون "دولة مصغّرة ترعى كل شيء، وعندما تفشل -لأنها كيان بشري له حدود- نلقي عليها اللوم".
باب يُغلق وأسئلة تُفتح
في المساء، يُغلق باب الشقة الأرضية بهدوء. قد تخرج أم مرهف غداً لتنده جارةً أخرى، حاملةً ما تصنعه بيديها، كما لو أن التعارف لا ينتهي، وكأن تقديم اللبنة والجبنة طريقة لتقول إنها ما زالت هنا، وإن حضورها لا يختصر في الغياب حولها.
الشيخوخة في سوريا اليوم ليست عزلة فحسب، ولا تقصيراً بالضرورة. هي نتيجة واقعٍ دفع الأبناء إلى الهجرة، وأرهق من بقي، وترك الأسرة تتكئ على نفسها أكثر مما تحتمل.
ربما لم يعد السؤال: لماذا يعيش بعض كبار السن وحدهم؟ بل: كيف أصبح القرب نفسه يحتاج إلى قدرة مادية ونفسية لا يملكها الجميع؟
Loading ads...
وكيف يمكن لعائلةٍ أنهكها السعي إلى البقاء أن تحافظ على علاقةٍ لا تقوم على الذنب ولا على الشعور بالعبء، بل على قدرة حقيقية على الرعاية ضمن ما تملكه فعلاً؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً



