في عالمٍ صاخب يشتّتنا بالماديات ويحاول الاستحواذ علينا بحُسنه الخارجي، كانت جاذبيتك الحقيقية تتسلّل إلينا من دون عناء إن كنت من عشّاق ميسي.
تلك التفصيلة كانت أشبه بعبور آمن ومجاني يفتح لك القلوب أسرع من أي جواز سفر عالمي.
لم نكن نكترث كثيراً للبلاد التي جئتَ منها ولا للّغة التي تتحدث بها بقدر ما كان يهمّنا أن نعرف: من هو بطل حكايتك؟
لم نكن نسأل: "من أين أنت؟"، بل: "من هو لاعبك المفضّل؟".
من خلاله، يكفي أن تعثر على رفقة روحك، وأن تجد أشخاصاً يحملون الشغف نفسه، لأننا نؤمن بأن الإنسان يتشكّل ممّا يحب.
عشقك لميسي لا يخبرنا فقط عن اللاعب الذي تفضّله، بل يروي لنا شيئاً عنك أيضاً.
يكشف لنا الأشياء التي أسرتك فيه: تواضعه، هدوءه، وفاءه، وانتماءه لمن أحب، وربما يكشف عن جزء منك رأيته فيه أو عن صورة للإنسان الذي تتمنى أن تكونه.
أن تكون بيننا يعني أنك وجدتَ أخيراً مكاناً يلتف حولك، محيط يستمع إليك، ويتقبّلك، ويدعمك، ويستطيع أن يبكي ويضحك معك، وأن يحتفظ بأجمل اللحظات التي وصلت إلينا مستديرةً كهدف في اللحظة الأخيرة.
ولهذا، لا يمكن اختصار علاقتنا باللاعبين في كوننا "معجبين إلى حدّ الجنون".
نحن لا نحبّهم لمجرد أنهم يركضون خلف كرة، ولا لأن أقدامهم تجيد تسجيل الأهداف، بل لأننا نعيش معهم سيرة حياةٍ كاملة.
شهدنا عثراتهم قبل نجاحاتهم، ورأينا الإخفاقات التي كسرتهم، والدموع التي ذرفوها، واللحظات التي عادوا فيها بعد كل سقوط.
شيئاً فشيئاً، أصبحت قصصهم تشبه صراعاتنا الشخصية، وكأننا لا نشاهدهم من المدرجات، بل نرى أجزاءً من حياتنا تتحرك أمامنا.
نحبّ فيهم تلك الرمزية التي تقول إن العودة ممكنة، وإن السقوط لا يعني النهاية، وإن الإحباط قد يكون مجرد محطة في طريقٍ أطول.
نحبّ المشاعر التي يمنحوننا إياها بلا استئذان، لحظة فرح ننسى فيها أوجاعنا، أو تمريرة ساحرة تعيد إلينا دهشةً فقدناها في زمن قلّ فيه الشغف.
ولعلّ أجمل ما صنعه هذا الشغف أنه لم يبقَ حبيس الملعب. تحوّل إلى صداقات لم تكن لتحدث لولا مباراة، وإلى أحاديث طويلة بدأت بهدف وانتهت بحكايات عن الحياة، وإلى ذكريات ارتبطت بأصوات المعلّقين، واحتفالات الأصدقاء، والليالي التي اجتمعنا فيها حول شاشة واحدة ننتظر لحظةً تغيّر كل شيء.
لهذا، حين نتحدث عن ميسي، فنحن لا نتحدث عن لاعب فقط، بل عن سنوات من أعمارنا تركت فيها كرة القدم علامات لا تُمحى. هناك مبارياتٌ لا نتذكر نتيجتها فقط، بل نتذكر أين كنا، ومع من شاهدناها، وكيف شعرنا في تلك اللحظة، وكأن بعض الأهداف لم تدخل الشباك وحدها، بل دخلت معها تفاصيل كاملة من حياتنا، واستقرت في الذاكرة إلى الأبد.
وربما لهذا السبب تحديداً، يصبح الاعتزال مؤلماً، لأننا لا نخسر لاعباً فحسب، بل نودّع نسخةً من أنفسنا عاشت معه تلك الرحلة.
كيف لعشّاقٍ مثلنا أن يتعاملوا مع كل هذه الذكريات والمشاعر عندما تلوح في الأفق لحظات الاعتزال الوشيكة؟ أين نذهب بكل ما عشناه؟ كيف نسكن إلى الواقع بعد رحلةٍ مشينا فيها خطوةً بخطوة؟ وكيف نتقبّل أن تنتهي حكايةٌ لم نشعر يوماً أننا مجرد متفرجين عليها؟
لقد أثّرت فينا الخسارات والمرارات بالقدر نفسه الذي أبهجتنا فيه الانتصارات وعوّضنا بها الفوز، لأننا لم نكن نراقب مباريات فحسب، بل كنا نعيش ملحمةً إنسانيةً كاملة بكل تقلباتها وانكساراتها وعوداتها.
ومن هنا، امتلكنا أسلوباً جديداً في تشجيع كرة القدم، أسلوباً تجاوز حدود المنافسة، حتى أصبح مفهوماً يمكن أن يمتد إلى مختلف الرياضات.
الهوس بالتشجيع ليس تعصّباً أعمى يراه البعيد نقصاً، بل هو بحثٌ دائم عن مساحة تستطيع فيها أن تتصالح مع هواياتك وشغفك، حتى تلك التي يراها الآخرون غير منطقية.
أسلوبٌ لا يقوم على الأرقام والإحصائيات الجافة وحدها، بل يحتفي بالجانب الإنساني والوجداني للعبة.
نحن لا نجتمع كمشجعين على أرضية المنافسة والتحدي السلبي، بل نجتمع متجاورين حول الشغف المتبادل، حيث تصبح الرياضة لغة تفاهم، وذاكرة مشتركة، ومرآة لما نحبه في أنفسنا وما نتمناه في عالمنا.
هنا، لا تحتاج إلى تبرير جنونك.
Loading ads...
هنا، يكفي أن تقول: "أنا أحب ميسي" لتجد من يفهمك.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






