استخدام اللغة العنفية تهكماً وشتماً، اقتناص كلمة واقتطاعها عن سياقها، تصيد مغرضٍ لمعنىً مختلف وإظهار متعمد لنقاط الخلاف والتعامي المقصود عن المشترك ونقاط التفاهم، نمو "الأنا" الفردية والطائفية وإفراط تمددها بلا حدود أو ضوابط أو روادع، واستخدام الاستعراض اللغوي المعزز بطفو شعوري حانق محمول على نزعة تفوق أيديولوجية أو عرقية لدرجة الإنكار والتحشيد والتجييش تصل لإراقة الأخلاق والدماء على مذبح الكراهية... جميعها ظواهر لغوية تجتاح السوريين على صفحات التواصل الاجتماعية مترافقة مع انكماش على الذوات المحلية تطيفاً؛ لدرجة بات من الصعوبة لكلمة عاقلة أن تقال تلطيفاً وتهدئة للنفوس إلا وتصاب بإحدى لعنات ما سبق أو جُماعه! فهل هذا ما حلم به السوريون بعد ثورة دامت 14 عاماً؟ وما الذي يجري على الساحة السورية ودلالاته؟
هل هذا التوصيف بذاته مبالغ به؟ فلربما يكون من الإجحاف بالمقابل ألّا نرى من يعملون بصمت على رتق الجروح وتخفيف وطأة أحمالها، ولسان حالهم لم يزل يردد ما يجري لليوم هو مجرد حدث عابر لا يمت لقعر القيمة السورية مهما تباينت جذورها المحلية الطائفية والسياسية. وهذا العمق يدرك بحرص ومسؤولية مدى ارتباط هذه الجذور ووحدة مصالحها في فضائها الوطني العام، وإن ما يجري هي مجرد رياح مسمومة منها ما يهب من خارج الحدود، ومنها ما يأتي من تقلب أوجاع الناس سواء ما تعرضوا له لعقود من ظلم واضطهاد أو مما طرأ على حياتهم من صدمة دم وجرائم حديثة لم يتوقعوها! فهل هو واقع نهائي لا علاج له؟ وحيث يبدو السؤال في مستوياته السيكولوجية والثقافية لا تكفيه مقالة رأي، إنما التحليل النفسي الاجتماعي قد ينجح حيث تفشل السياسة وتقنط الثقافة. فمن المهم إلقاء الضوء على سمات ودلالات هذا الخطاب الواضح في الكراهية المتفشية، والتي تبدو ظاهرياً على أنها مباشرية ولحظية، إلا أنها في خلفية المشهد ذات دلالات غير مرئية وعلامات فارقة، تشير إلى الحق المنقوص في التحقق بعد ثورة اعتقد كل فريق فيها أو فرد أنه سيحقق أحلامه دفعة كاملة ولكنه اصطدم بالواقع واصطدم الجميع ببعض!
انتقاص الحق وعدم تحققه رغم زوال السلطة الدموية السابقة، سببها المباشر، أمر يثير النزعات النفسية هذه. فحق الوجود في ظل دولة حقوقية ودستورية، تكفل حرية الرأي وتصون الحقوق والاختلاف وتعمل على تعزيز المشترك بين المختلفين في واقع عام، هو مفهوم المواطنة ذات سمة الشخصية العمومية كقاسم مشترك لكل الخصوصيات الفردية والتكوينية الأهلية والمدنية والسياسية المنضوية في دولة حسب جان جاك روسو، وهو ما لم يتحقق بعد للسوريين لليوم! مترافقٌ مع تنامي مطرد في حجم الأعباء الاقتصادية وندرة حلولها وتباين وتعدد مشاريع البنادق الفصائلية من دون الوصول لآلية ضبط منهجية ترقب محاذير مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة من ضرورات تهدئة النفوس وإقامة التشاركية في الأوجاع والأحلام والمستقبل، وتخميد نزعة الانتقام وتفنيد مشاعر الكراهية والعنف. فالتأويل الملتوي لمفهوم الحق لجهة خلاف غيرها تفترض مركزيتها وغلبتها على الآخرين، دينية أو جهوية أو سياسية أو عسكرية، قائمة على أساس الأحقية في تقرير مصير وشؤون الناس في ذاتها من دون غيرها، وتفترض نفسها على صواب والباقي على ضلال، محملة باقي الأطراف مسؤولية الكارثة برمتها، مستعينة بكل الأدوات الممكنة عليه، وأهمها اللغة، ولهذه اللغة دلالاتها!
وحيث تبدو المشاعر السلبية، كالغيرة والحسد والنفور وبمستوياتها العليا الكراهية، ظواهر طبيعية في أي مجتمع، مثلها مثل المشاعر الإيجابية، مرتبطة بالإنسان في خصوصيته وطبيعته البشرية، غير أن تحولها لأفكار ومشاريع سياسية ذات حوامل ونماذج مجتمعية تطفو إعلامياً، مشكلةً ظاهرة كلامية ولغوية ينقلها من حيزها الخاص إلى ظواهر عامة لغوياً وسلوكياً، ما يستلزم التوقف عندها وعند مسبباتها وطرق علاجها. فاللغة خضوع وسلطة ما لم تتحقق من خلفها شروط الحرية بمقوماتها المادية والمعنوية والمنضبطة قانونياً، تتحول لقوة إكراه وتسلط واستحواذ، وبالضرورة استبداد نفسي قبل أن يكون سياسيا أو سلطويا. فكيف إذا ما ارتبطت بنموذج غير منضبط للعنف فتصبح اللغة سلطة بذاتها حسب رولان بارت: "إذا لم تكن الحرية مجرد القدرة على الانفلات من قهر السلطة، فلا مكان للحرية إلا خارج اللغة".
من المهم فكرياً ومنهجياً التوجه لمسببات خطاب الكراهية المتنامي مفعوله في الزمن الحاضر بين الأوساط السورية، خاصة الغارفة من موضوعة التأخر المجتمعي وتعدد المشارب العسكرية والسياسية غير المنسجمة بعد على أرضية واحدة لهدف ومعنى الحاضر الانتقالي من سلطة القهر الدموية السابقة لما يمكن أن نكون عليه. فلا زلنا شعوباً وقبائل وطوائف منغلقة ولم ننتقل بعد لدولة تجمع جميع الإرادات على إحقاق الحقوق الفردية باختلافها وتنوعها السياسي والديني على أنها أبسط ظواهر التكون المجتمعي. وبالضرورة فإن إرجاع أسباب هذا التنامي في الكراهية إلى مصادره الانتمائية ما قبل مؤسساتية "دينياً وسياسياً وثقافياً"، والتي ما زالت تعبث بمصير السوريين لليوم، وتعمل على إذكاء النزعة الطائفية والأيديولوجية والسياسية بطرق تنافرية وعدائية، والبحث في مبررات كل منها كذات مستقلة عن عوامل تجريمها للأخرى، مع زيادة واضحة في حمولة اللغة الإنكارية التي تكفر الآخر وتدين باقي الأطراف المختلفة حتى على مستوى الرأي ومن ذات اللون الطائفي. ما يحيلنا للقعر الثقافي الذي لم يزل يهيمن على ساحات اللغة كمنتوج عنه، سواء كانت ظاهرية مباشرة أو وظيفية ذات استراتيجية. بينما العمل على إيجاد النقاط المشتركة التي حملت السوريين على الثورة رغم ما بهم من فوات مجتمعي موصوف سلفاً، سيقود نتائج البحث مرة أخرى للعمل على تقليص نقاط العداء وخطاب الكراهية هذا، وذلك من خلال البحث عن مقومات التعاقد الممكن الرضائي بين عموم السوريين على مفاهيم السلام والعدالة والحقوق العامة، وتحييد نقاط الخلاف المادية والمعنوية بينهم، والعاملون على إذكائها من المتصارعين على السلطة سواء من السلطة القائمة أو المتنازعين معها من سلطات بديلة.
السوري المتسلح بالصبر والتسامح قادر على الوصول لهويته الإنسانية بفطرته الأولى، إذا ما تباعدت عنه المشاريع الإقليمية والدولية، والتي تتشارك مع نماذج الصراع المحلية العسكرية والسياسية والدينية في تقويض حق السوري في أمانه وحياته ووجوده. تلك النماذج التي تتخذ لنفسها عناوين عدائية لليوم أبرزها:
Loading ads...
العنف اللغوي، الحق المنقوص، والمسار الملتوي دلالات منهجية على خطاب الكراهية ومن يروج له ويعمل به، معتقداً أن الوجود ملك يمينه! بينما الحق العام وإقامة العدل والسلام، لم يزل حاملوه يحاولون الجمع بين مقومات وجودهم المادي المتناثر، وإمكانات فعلهم الثقافي للنظر للغد كما اليوم، مدركين في قرارة نفسهم، وفي قراءة التاريخ، أن الناس لا يتوقعون الثورة لأنفسهم بل لأطفالهم، فهل يمكننا أن نكون مسؤولين عن هذا المستقبل؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


