«ملاحظة: عزيزي القارئ، هذه مقالة شخصية، ربما لن تقدم لك معلومة تبحث عنها، و لذلك يمكنك تجاهلها، والانتقال إلى مقالة غيرها، أما إن قررت قراءتها، فسامحني لأنني قد أكون سببت لك الضيق».
حملت حقيبة صغيرة، وتسللت فجراً، كان شعري لما ينبت بعد، بعد أن جزته ماكينة السجان، حيث كنت معتقلاً في إدارة أمن الدولة، وما زالت رائحة المنفردة تعبق من جسدي، دفعت رشوة معتبرة كيلا يدقق حاجز المصنع في هويتي، ويعيدني من حيث أتيت، أو يسلمني لـ «الجهات المختصة» كي تبت بأمري.
منذ ذلك الفجر الرطب، بدأت أحصي الساعات، تنقلت في ثلاث عواصم، وأربع أو خمس مدن، لا أذكر تماماً، لكنني كنت أحصي الساعات، كان النوم، بالنسبة لي، إفراطاً في التفاؤل، فلم تتجاوز ساعاته الأربع في أشد الليالي ظلمة وبرداً، كنت ملتصقاً بالأخبار، أنتظر ذلك الخبر العاجل، الذي تأخر كثيراً، تأخر حتى لم يعد في مقدوري انتظاره، كل شيء كان زائداً عن الحد المطلوب، قلق لا يحتمل، وعويل يسكن رأسي مثل ذئب ضال في الصحراء، وهل تضل الذئاب أصلاً!
لم تعد القراءة تشفي غليلي، يتساقط الأحبة والأصدقاء قتلى هناك، فيما أنا هنا، في منفاي، أردد مع معاوية: يموت الصالحون وأنت حي.. تخطاك المنايا لا تموت.
لغة غريبة، وبرود لا يناسب ذلك الغضب الذي يشتعل في داخلي، أصفو لنفسي قليلاً، وأردد: الشعب يريد إسقاط النظام، بحّ صوتي، وضعف بصري، وبدأ الشيب يغزوني، مثقلاً بهزيمتي وفقداني الأمل، فقدت علاقتي مع الآخرين، نزق لا يخفي نفسه يعتريني، وحقد يغلي في صدري، لكنني أقاوم، وأنا واثق أن ذلك الخبر العاجل، لن يلبث أن يأتي.
قبله بثلاثة أشهر، كنا قد ودعنا صديقاً جديداً، رثيناه كل على طريقته، غادرنا المقبرة، ونحن نرى خطانا تتبع خطاه، سيكون كفن من قماش غريب يلفنا، وسوف ترتمي أجسادنا المنهكة، التي نخرها التبغ، في أرض غريبة، في مقبرة ما، كما فدوى ومي وميشيل وحسين وعامر، شواهد يلوح فوقها علم، سوف لن يمر وقت طويل قبل أن تمزقه رياح الوقت.
لم يأت الخبر العاجل بعد، نصحني الطبيب بأن ابتعد عن الأخبار قليلاً، وقال لي صديق فرنسي: عليك أن تجرب الاستمتاع بالحياة، إنها تمضي سريعاً. ربما كانا محقين، لكنني كنت عنيداً، ازددت تعلقاً بالأخبار أكثر فأكثر، أحصي الساعات بدقائقها وثوانيها، وأستطيع الآن وأنا جالس في زاويتي نفسها، أن أستعيد شريط أخبار طويلاً جداً جداً، قصف، اقتحام، تدمير، غارات جوية، اعتقالات، قصف، تفجير، قصف، قصف، قصف.. كل لحظة مخزنة بعناية في ذاكرتي، ومؤرشفة بحيث لا يمكن محوها، ولا إتلافها.
أحصي الساعات، وأراقب من بعيد، أكتب بلا توقف، وكأني أخوض حرباً مع الكلمات، أدون كل كبيرة وصغيرة، في فترة ما، تجاوز حجم ما أكتبه في اليوم الواحد خمسين صفحة، وكأن الكتابة كانت صراعاً للبقاء على قيد الحياة. في لحظة ما، لا أدري كم استغرقني التفكير فيها، شعرت أنه لم يعد ثمة جدوى، آخر ما كتبته كان مقالة نشرت في موقع تلفزيون سوريا، كانت أشبه بنبوءة، نتمنى نيزكاً بعدها بأقل من شهر، وقع الزلزال، وتبعثر ما كان تبقى من أمل في قلوبنا جميعاً، أكاد أجزم بذلك، لأن اليأس طغى على الجميع، وكأن هذا ما كان ينقصنا قبل أن نفنى جميعاً، فانسحبت سريعاً مبتعداً عن كل شيء، أتلفت مخطوطة روايتي التي كانت جاهزة للنشر، وأقفلت حسابي على الفيسبوك، وقررت أن أبحث عن الحياة في مكان آخر، وبعد أكثر من ربع قرن من العمل الصحفي والكتابة، وخمسة كتب ملقاة على الرف أمامي، هجرت هذا كله، وقلت إلى غير رجعة.
كل ما تقدم ربما يبدو سيرة شخصية بليدة، لشخص قرر مبكراً أن يستسلم لليأس، لكن الحقيقة أني لم أركن إلى اليأس يوماً، وظللت أتجسس على الأخبار، منشغلاً بما أوهمت نفسي بأنه الحياة، كنت أريد أن يأتي ذلك الخبر العاجل، وقد جاء، نعم، تأخر كثيراً، لكنه جاء أخيراً، وأعاد الملايين منا إلى الحياة، ربما لا أتفق مع «المحررين» في كثير من الأمور، وربما ما كنت أحلم به، لا يشبه أبداً ما يفعلونه، فلطالما كتبت مدافعاً عن العلمانية، والديمقراطية، وفصل السلطات، بل وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، واقترحت الفيدرالية، علاجاً قد يكون شافياً، على طاولة بلد كانت في غرفة الإنعاش تلفظ أنفاسها الأخيرة.
حين تم تحديد «المرحلة الانتقالية» بخمس سنوات، وجدته زمناً طويلاً، سوف يضاف إلى أربع عشرة سنة أهدرت، وتمنيت ألا تتجاوز تلك المرحلة سنتين، كي يتسنى لنا أخيراً أن ندلي بأصواتنا في انتخابات، ولأول مرة في حياتنا، لكني، ومثل كثيرين، لم آخذ بعين الاعتبار تعقيدات الواقع السوري، عسكرياً، واجتماعياً واقتصادياً، فالبلد المفكك في حاجة، أولاً، إلى إعادة تجميعه، ثم إعادة تأهيله ليأخذ شكل الدولة.
Loading ads...
حسناً، هي خمس سنوات إضافية، انقضت منها سنة وبضعة أشهر، نراقب من خلالها وننتقد الخلل حيثما ثقفناه، كيلا نقع في الحفرة مرة أخرى، وليس على طريقة أحد الصحفيين، الذي أعلن بأنه لن ينتقد، لأنه ما زال يشعر بالامتنان لـ «المحررين»، لكننا أيضاً لا نملك رفاهية الانتظار عشر سنوات أو عشرين سنة إضافية، كما اقترح أحد معارضي السلطة الجديدة، فليس لدينا سنوات احتياطية في جعبتنا نهدرها في انتظار مشاريع مكتوبة بعجالة، ومن دون أي تخطيط، ولا أي ضمانة بأنها قد تصل بنا إلى بلد نحلم به، لأننا صرنا نتعامل مع ما تبقى من سنواتنا بالمفرق، وليس بالجملة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


