ساعة واحدة
لاعب ووكيل ورئيس.. خريطة العلاقات والصفقات بين برشلونة وإسرائيل
الإثنين، 26 أكتوبر 2026

بينما كانت أنظار جماهير كرة القدم تتجه إلى ملعب "كامب نو"، الأحد الماضي، لمتابعة الكلاسيكو بين برشلونة وريال مدريد، استوقف اسم واحد في قائمة الفريق الكتالوني وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي احتفت بوصول أحد مواطنيها إلى مقاعد بدلاء واحدة من أكثر المباريات متابعة في العالم، رغم أن صاحب الاسم لم يكن قد خاض أي مباراة رسمية في الدوري الإسباني.
كان ذلك الاسم هو أوريان غورين، لاعب الوسط الإسرائيلي البالغ من العمر 17 عاما، الذي استدعاه المدرب الألماني هانزي فليك ضمن 23 لاعبا لمواجهة ريال مدريد يوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مستفيدا من الغيابات التي ضربت صفوف برشلونة، ولا سيما إصابة لاعب الوسط الإسباني داني أولمو.
وكان غورين، المولود عام 2009 في بلدة سافيون الإسرائيلية المقامة على أراضي قرية العباسية الفلسطينية المهجّرة على يد منظمة "الإرغون" الصهيونية، كان قد انضم إلى أكاديمية برشلونة عام 2023 قادما من "مكابي بيتاح تكفا"، قبل أن يتدرج في فرق الفئات السنية وصولا إلى "برشلونة أتلتيك"، ويشارك مع الفريق الأول في مباريات تحضيرية، ليحظى لاحقا بفرصة الجلوس على مقاعد بدلاء الكلاسيكو الذي انتهى بفوز ريال مدريد (2-1).
وكان مجرد استدعائه كافيا ليتحول إلى حدث احتفت به وسائل الإعلام الإسرائيلية، إذ اعتبرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن اللاعب الشاب يقف على أعتاب إنجاز تاريخي، باعتباره مرشحا لأن يصبح أول إسرائيلي يخوض مباراة بقميص برشلونة في الدوري الإسباني. وامتد الاحتفاء إلى الحساب الرسمي لوزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة "إكس"، الذي سلط الضوء على احتمال مشاركته أمام ريال مدريد.
لكن الاهتمام الذي حظي به غورين في إسرائيل قابله استياء لدى قطاعات واسعة من جماهير برشلونة ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، الذين استهجنوا وجوده في قائمة الفريق في ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وبسبب التاريخ السياسي للنادي الكتالوني، الذي طالما قدم نفسه بوصفه مؤسسة رياضية واجتماعية تتجاوز كرة القدم.
ورغم أن غورين بقي على مقاعد البدلاء حتى نهاية اللقاء، فإن الجدل الذي رافق استدعاءه أعاد طرح أسئلة أوسع بشأن علاقات برشلونة بإسرائيل؛ وهي علاقات سبقت وصول اللاعب إلى أكاديمية "لا ماسيا" بسنوات طويلة، وتجاوزت انتقالات اللاعبين والزيارات الرسمية إلى استثمارات وشراكات تجارية، فضلا عن شبكة من العلاقات المهنية والشخصية التي نسجها رئيس النادي جوان لابورتا، بصفته محاميا ورجل أعمال، مع مستثمرين ووكلاء لاعبين إسرائيليين.
وتكشف مراجعة سجلات تجارية رسمية وتحقيقات صحفية إسبانية عن شركات جمعت لابورتا بمستثمرين إسرائيليين، وأموال قدمتها شركة مرتبطة بأحد شركائه الإسرائيليين للمساهمة في تغطية تكاليف الضمانات المصرفية لمجلس إدارته، إلى جانب اتفاقيات أبرمها برشلونة مع شركات ذات ملكية أو أصول إسرائيلية.
وتكشف هذه الوقائع عن خيوط شبكة واسعة من العلاقات التجارية والمالية التي نسجها لابورتا مع رجال أعمال ومستثمرين إسرائيليين، امتدت جذورها إلى سنوات ابتعاده عن رئاسة برشلونة، قبل أن يظهر بعض أطرافها مجددا في محيط النادي بعد عودته إلى السلطة عام 2021. وبين شراكات استثمارية خاصة، وأموال ساهمت في تغطية تكاليف ضمانات مجلس إدارته، وعقود تجارية أبرمها برشلونة بملايين اليوروهات.
للوصول إلى جذور بعض هذه العلاقات، ينبغي العودة أكثر من عقدين إلى الوراء، وتحديدا إلى صيف عام 2003، عندما دخل المحامي الكتالوني الشاب جوان لابورتا انتخابات رئاسة برشلونة، وهو يسعى إلى إقناع أعضاء النادي بقدرته على إعادة فريقهم إلى المنافسة على الألقاب، بعدما عاش سنوات من الاضطراب الإداري والتراجع الرياضي.
وكان أحد أبرز الأسلحة التي حملها لابورتا في حملته الانتخابية إطلاقه وعدا بإمكانية التعاقد مع النجم الإنجليزي ديفيد بيكهام، لاعب مانشستر يونايتد آنذاك، في صفقة كان من شأنها أن تمنح مشروعه دفعة جماهيرية وتسويقية كبيرة.
وفي تلك المرحلة، برز دور وكيل اللاعبين الإسرائيلي بيني زهافي، الذي امتلك شبكة واسعة من العلاقات مع الأندية الإنجليزية، وكان من الشخصيات التي ساعدت في فتح قنوات التفاوض بين حملة لابورتا ومانشستر يونايتد.
وأثمرت تلك الاتصالات اتفاقا مبدئيا بشأن انتقال بيكهام إلى برشلونة، مشروطا بفوز لابورتا بالانتخابات وموافقة اللاعب نفسه، وهو ما سمح للمرشح الشاب بتقديم مشروعه للجماهير باعتباره قادرا على استقطاب أحد أشهر نجوم كرة القدم في العالم.
وفاز لابورتا بالرئاسة، لكن الصفقة التي ساهمت في تعزيز حظوظه الانتخابية ذهبت في النهاية إلى غريمه ريال مدريد، بعدما اختار بيكهام الانتقال إلى النادي الملكي. وبينما انتهت المفاوضات دون وصول اللاعب الإنجليزي إلى كامب نو، استمرت العلاقة التي نشأت خلالها بين لابورتا وزهافي، وتجاوزت لاحقا حدود سوق الانتقالات إلى عالم الأعمال والاستثمار.
وقد ظل هذا الجانب من العلاقة بعيدا نسبيا عن الأضواء حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2017، عندما نشرت صحيفة "إل كونفيدينسيال" الإسبانية، ضمن التحقيقات المستندة إلى تسريبات "أوراق الجنة"، وثائق كشفت امتلاك لابورتا وزهافي حصصا في شركة مسجلة بمالطا، إلى جانب مستثمرين إسرائيليين آخرين.
وبحسب الوثائق، تأسست شركة "بي إم في بي ليمتد" (BMVP Limited) يوم 8 فبراير/شباط 2016 برأسمال قدره 1500 دولار، موزع على 10 آلاف سهم، امتلك لابورتا منها 500 سهم تعادل 5% من رأس المال، مقابل 330 سهما لزهافي بنسبة 3.3%، فيما ضمت قائمة المساهمين رجلَي الأعمال الإسرائيليين مايكل دورسمان ويارون كوبيل.
وكان المشروع يستهدف تقديم خدمات مرتبطة بالتدريب الرياضي عبر الإنترنت، في مجال يجمع بين الرياضة والتكنولوجيا، لكنه لم يتطور إلى نشاط تجاري مستمر، إذ حُلت الشركة في أغسطس/آب 2017، بعد نحو عام ونصف العام من تأسيسها.
وأقر ممثل لابورتا، ردا على أسئلة "إل كونفيدينسيال"، بمشاركة رئيس برشلونة السابق في الشركة، لكنه أوضح أن المشروع تعثر بسبب عدم تنفيذ الشروط المتفق عليها، وأن لابورتا انسحب منه قبل انطلاق نشاطه، دون تحقيق أرباح. وأشارت الصحيفة إلى أن الوثائق المتاحة لم تسمح لها بالتحقق بصورة مستقلة من غياب جميع التعاملات المالية.
وبصرف النظر عن مصير المشروع، فإن الوثائق أثبتت وجود شراكة استثمارية مباشرة بين لابورتا وأحد أبرز وكلاء اللاعبين الإسرائيليين، بعد سنوات من العلاقة التي بدأت خلال انتخابات برشلونة.
ولم تنقطع صلة زهافي بالنادي الكتالوني مع انتهاء المشروع الاستثماري المشترك في مالطا، بل تعزز حضوره في دوائر القرار الرياضي خلال الولاية الثانية للابورتا، وكان له دور بارز في إتمام صفقتين شكلتا محطتين مهمتين في مشروع الرئيس الكتالوني، أولاهما التعاقد مع المهاجم البولندي روبرت ليفاندوفسكي عام 2022، والثانية استقدام المدرب الألماني هانزي فليك لخلافة تشافي هيرنانديز عام 2024.
ففي صيف 2022، استعان برشلونة بعلاقته الوثيقة بزهافي لتسهيل انتقال ليفاندوفسكي من بايرن ميونخ، بعدما أبدى النادي الألماني تمسكه بمهاجمه الذي كان يتبقى عام واحد في عقده. ولعب الوكيل الإسرائيلي دورا محوريا في المفاوضات، وساهم في إقناع اللاعب بالتمسك بخيار برشلونة رغم اهتمام أندية أخرى بضمه، قبل أن تنتهي الصفقة مقابل 45 مليون يورو، إضافة إلى 5 ملايين يورو مشروطة بتحقيق متغيرات معينة.
ولم تقتصر مكاسب الوكيل الإسرائيلي من الصفقة على تعزيز نفوذه في سوق الانتقالات، إذ ذكرت صحيفة "ذا أثليتيك" أن العملية تضمنت عمولات للوسطاء بلغت 10 ملايين يورو، حصل زهافي على 5 ملايين منها، وفق ما نقلته صحيفة "إل باييس" الإسبانية، دون أن ينشر برشلونة تفصيلا رسميا يتيح التحقق المستقل من توزيع تلك العمولات.
ولم يُخف لابورتا أهمية الدور الذي لعبه صديقه الإسرائيلي في إتمام الصفقة، إذ قال خلال حضوره العرض الأول لفيلم وثائقي عن ليفاندوفسكي في العاصمة البولندية وارسو، في مارس/آذار 2023، إن التعاقد مع المهاجم البولندي يعود الفضل فيه إلى زهافي ورغبة اللاعب وعائلته في الانتقال إلى برشلونة، موضحا أن النادي كان يحتاج حينها إلى نجم كبير يعيد الثقة إلى جماهيره بعد رحيل ليونيل ميسي.
وبعد نحو عامين من وصول ليفاندوفسكي، عاد زهافي إلى الواجهة عندما دخل برشلونة مرحلة البحث عن مدرب لخلافة تشافي هيرنانديز. ففي فبراير/شباط 2024، كشفت صحيفة "موندو ديبورتيفو" أن الوكيل الإسرائيلي، الذي تولى حديثا إدارة أعمال هانزي فليك، زار برشلونة وعقد اجتماعات مع لابورتا، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن إمكانية تعيين المدرب الألماني.
وفي مقابلة مع الصحيفة نفسها في مارس/آذار 2024، أقر لابورتا بأن زهافي كان يطرح عليه اسم فليك بإلحاح، مؤكدا في الوقت نفسه عمق علاقته الشخصية بالوكيل الإسرائيلي ونظيره البرتغالي خورخي مينديش، لكنه شدد حينها على أن إدارة النادي ستنتظر حسم مستقبل تشافي قبل اتخاذ أي قرار بشأن المدرب الجديد.
وبعد شهرين، وتحديدا في 28 مايو/أيار 2024، ظهر زهافي إلى جانب فليك خلال مأدبة عشاء جمعتهما بلابورتا وكبار المسؤولين الرياضيين في برشلونة، عشية الإعلان الرسمي عن تعيين المدرب الألماني بعقد يمتد حتى يونيو/حزيران 2026. وأكد لابورتا لاحقا، في تصريحات خلال حملته الانتخابية في مارس/آذار 2026، أن العلاقة الجيدة بزهافي ساعدت النادي على استقدام فليك، بعدما سبق أن أسهمت في إتمام صفقة ليفاندوفسكي.
واستمر حضور زهافي في مفاوضات برشلونة بعد تعيين المدرب الألماني، إذ اجتمع بلابورتا والمدير الرياضي ديكو خلال عام 2026 لمناقشة تمديد عقد فليك ومستقبل ليفاندوفسكي، قبل أن يعلن النادي يوم 18 مايو/أيار تجديد عقد المدرب حتى يونيو/حزيران 2028، مع خيار التمديد موسما إضافيا، بينما انتهت مسيرة المهاجم البولندي في برشلونة بانتقاله إلى شيكاغو فاير الأمريكي خلال الصيف نفسه.
وهكذا، امتدت علاقة لابورتا بزهافي من حملة انتخابية ساعد فيها الوكيل الإسرائيلي على فتح باب التفاوض بشأن ديفيد بيكهام عام 2003، إلى شراكة استثمارية مشتركة في مالطا، ثم إلى دور تفاوضي في استقدام مهاجم بارز ومدرب قاد المشروع الرياضي للنادي.
ولم تكن شراكة لابورتا مع بيني زهافي سوى جانب من علاقاته التجارية برجال أعمال إسرائيليين، إذ شهدت سنوات ابتعاده عن رئاسة برشلونة توسعا في أنشطته الاستثمارية، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، حيث جمعته المصالح بمستثمر إسرائيلي آخر. لكن هذه العلاقة ستكتسب أهمية أكبر بعد سنوات، حين يظهر اسم إحدى الشركات المرتبطة بها في تحقيق صحفي يكشف عن مساهمتها في تغطية تكاليف الضمانات المصرفية التي احتاج إليها لابورتا ومجلس إدارته لتولي رئاسة برشلونة عام 2021.
في مارس/آذار 2016، أي بعد أسابيع قليلة من تأسيس الشركة المالطية التي جمعت لابورتا بزهافي، نشرت صحيفة "إيكونوميا ديخيتال" الإسبانية تقريرا تناول أعمال المحامي الكتالوني خارج كرة القدم، وكشف عن استثمارات ربطته برجل الأعمال الإسرائيلي موريس موشيه بنيستي.
ونقلت الصحيفة عن "إكسبانسيون" أن لابورتا كان مساهما ومحاميا في شركة "جيه بي إم إنفستمنتس" (JBM Investments 2014 SL)، التي امتلكت حصة قدرها 30% من شركة "يو مي" (YouMe) الإسرائيلية، المطورة لتطبيق "سيس مي" (SessMe) للمراسلة المشفرة.
وكان التطبيق يتيح تبادل الرسائل النصية والصوتية والصور ومقاطع الفيديو باستخدام تقنيات التشفير، مع إمكانية حذف الرسائل حتى بعد إرسالها، في مشروع حاول دخول سوق الاتصالات الرقمية الآمنة، الذي كان يشهد آنذاك منافسة متزايدة بين الشركات التكنولوجية.
وتظهر وثائق السجل التجاري الإسباني أن شركة "جي بي إم" بدأت نشاطها يوم 23 يوليو/تموز 2014، برأسمال قدره 3 آلاف يورو، وتولى بنيستي إدارتها بصفته المدير الوحيد، بينما شملت أغراضها التجارية الاستشارات الإدارية والأنشطة العقارية.
وكان بنيستي قد برز أيضا في مشروع عقاري أكبر حجما، بعدما ارتبط اسمه بمحاولة شراء عقارين من حكومة إقليم كتالونيا بقيمة بلغت نحو 63 مليون يورو، عبر شركة "نادلين بي سي إن" (Nadlan BCN)، قبل أن تتعثر الصفقة وتتحول إلى نزاع قضائي بشأن المبالغ المقدمة لإتمامها.
وذكرت "إيكونوميا ديخيتال" أن وسائل إعلام محلية تحدثت عن دور استشاري للابورتا في تلك العملية العقارية، بينما امتنع مكتبه عن التعليق على الأسئلة التي وجهتها إليه الصحيفة، ما أبقى طبيعة مشاركته في الصفقة خارج نطاق الوقائع المحسومة.
وبقيت هذه العلاقات جزءا من الأعمال الخاصة التي مارسها لابورتا خلال ابتعاده عن رئاسة برشلونة، لكن اسم شركة بنيستي ظهر مجددا بعد عودته إلى المنصب في مارس/آذار 2021، وهذه المرة في تحقيق تناول الأموال التي ساعدت مجلس الإدارة الجديد على تغطية تكاليف الضمان المصرفي المطلوب لتسلم مهامه.
ففي 15 مايو/أيار 2024، كشف الصحفي توني فريروس، في تحقيق نشرته صحيفة "إل بيريوديكو"، أن لابورتا وأعضاء مجلس إدارته فتحوا حسابا مشتركا لدى بنك ساباديل يوم 15 مارس/آذار 2021، لتغطية تكاليف الضمان المصرفي البالغ نحو 124.65 مليون يورو، والذي كان مطلوبا آنذاك بموجب القواعد المنظمة لتولي إدارة النادي.
وكانت هذه الضمانات تمثل التزاما ماليا كبيرا على أعضاء المجلس، الذين اضطروا إلى تقديم ضمانات مصرفية مدعومة بثرواتهم الشخصية، ثم تحمل المصروفات والعمولات المترتبة على استمرارها، وهو ما يفسر حاجتهم إلى توفير سيولة مالية إضافية لتغطية تلك التكاليف.
وبحسب التحقيق، تلقى الحساب بعد فتحه تحويلين ماليين بلغت قيمتهما الإجمالية 1.45 مليون يورو، أولهما بقيمة 750 ألف يورو من شركة "جي بي إم" المرتبطة ببنيستي، والثاني بقيمة 700 ألف يورو من شركة "كابيتال بلانيت"، التي يديرها خافيير لابورتا، شقيق رئيس برشلونة.
وتكتسب مساهمة بنيستي أهمية خاصة بالنظر إلى علاقته التجارية السابقة بلابورتا، إذ انتقلت الصلة بين الرجلين من مشروعات خاصة في المحاماة والتكنولوجيا والعقارات إلى تمويل مرتبط بتكاليف تولي مجلس إدارة برشلونة مهامه، بعدما قدمت شركة رجل الأعمال الإسرائيلي 750 ألف يورو للمساعدة في تغطية الضمانات المصرفية للرئيس وأعضاء مجلسه.
وتوسع التحقيق في تتبع حركة الأموال داخل الحساب، كاشفا عن تحويل ثالث بقيمة 350 ألف يورو قدمته شركة التسويق الرياضي الأمريكية "آي إس إل فوتبول" (ISL Fútbol) في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، لترتفع القيمة الإجمالية للتحويلات الواردة من الشركات الثلاث إلى 1.8 مليون يورو.
وزادت مساهمة الشركة الأمريكية من الاهتمام بالملف، بعدما تولت لاحقا تنظيم مباراتين وديتين لبرشلونة في الولايات المتحدة خلال صيف 2022، أمام إنتر ميامي ونيويورك ريد بولز، ما دفع وسائل إعلام إسبانية إلى التساؤل عن وجود صلة محتملة بين التمويل والعلاقات التجارية التي جمعت الشركة بالنادي.
وسارع برشلونة إلى الرد على تلك التساؤلات، مؤكدا في بيان رسمي أصدره يوم 15 مايو/أيار 2024 أن الحساب المشترك خُصص لتغطية تكاليف الحفاظ على الضمان المصرفي، وأن المساهمات التي تلقاها أعضاء مجلس الإدارة كانت في صورة قروض دون تعويضات إضافية.
وأوضح النادي، فيما يتعلق بشركة "آي سي إل فوتبول" تحديدا، أن علاقتها التجارية به بدأت عام 2015، أي قبل عودة لابورتا إلى الرئاسة بست سنوات، وأن حجم التعاملات معها تراجع لاحقا نتيجة حصوله على عروض أفضل من السوق، نافيا أن تكون مساهمتها المالية قد منحتها امتيازات إضافية.
وإذا كانت قصة "جي بي إم" تكشف كيف وصلت أموال شركة مرتبطة بأحد شركاء لابورتا السابقين إلى حساب أعضاء مجلس الإدارة، فإن اتفاقا أحدث أبرمه برشلونة يتيح النظر إلى جانب آخر من علاقاته بإسرائيل، بعدما انتقلت الشراكة هذه المرة إلى مشروع اقتصادي طويل الأجل داخل ملعب النادي نفسه.
في 19 سبتمبر/أيلول 2026، صادقت الجمعية العمومية لبرشلونة على اتفاق تجاري يمتد 25 عاما مع شركة "بابيلون بارك" (Babylon Park)، لإنشاء وتشغيل مركز ترفيهي عائلي يحمل هوية النادي داخل ملعب سبوتيفاي كامب نو، في إطار خطة الإدارة لتعزيز الإيرادات التجارية المرتبطة بمشروع تطوير الملعب.
ويقوم المشروع على استغلال مساحة تبلغ نحو 900 متر مربع في منطقة "برشلونة كافيه"، لإنشاء مركز تفاعلي يقدم أنشطة ترفيهية وتجارب مرتبطة بكرة القدم، بما يتيح للنادي استقطاب الزوار والعائلات على مدار العام، والاستفادة اقتصاديا من مرافق الملعب خارج أيام المباريات.
وبحسب التفاصيل التي نشرتها صحيفة "موندو ديبورتيفو"، يتوقع برشلونة أن يحقق الاتفاق إيرادات إجمالية تقارب 100 مليون يورو خلال مدته، مقابل حصوله على 20% من إيرادات المشروع في السنوات الخمس الأولى، ترتفع إلى 50% بدءا من السنة السادسة.
كما ينص الاتفاق على حد أدنى مضمون للنادي يبلغ مليون يورو سنويا خلال السنوات الخمس الأولى، ومليوني يورو سنويا خلال السنوات العشرين التالية، بما يعادل 45 مليون يورو على مدار مدة الترخيص كاملة، شريطة استمرار تنفيذ العقد والوفاء بالتزاماته.
وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان الاقتصادي الذي يضعه برشلونة على المشروع، إذ يتعلق الأمر بعوائد مستقبلية متوقعة، تختلف عن الأرباح المحققة، لكنها تمنح الشركة حق استغلال مساحة تجارية داخل أحد أشهر ملاعب كرة القدم في العالم لمدة ربع قرن.
غير أن الاهتمام بالاتفاق تجاوز قيمته المالية ومدته، بعدما أثارت أصول الشركة وصلاتها بإسرائيل تساؤلات لدى بعض أعضاء برشلونة خلال الجمعية العمومية، ولا سيما في ظل استمرار الجدل بشأن العلاقات التجارية والرياضية مع المؤسسات الإسرائيلية على خلفية الحرب على قطاع غزة.
وتكشف وثائق السجل التجاري الإسباني أن الشركة تأسست في سبتمبر/أيلول 2022، وكانت مملوكة بالكامل عند تأسيسها لشركة "بابيلون بارك يو كيه بلاي آند إنترتينمنت" البريطانية.
أما سجل الشركات البريطاني، فيظهر رجل الأعمال الإسرائيلي "إفرايم إيفي" مالكا بصفته صاحب السيطرة الجوهرية الحالي على الشركة الأم، مع امتلاكه أو سيطرته على ما لا يقل عن 75% من أسهمها، وفقا للإفصاحات الرسمية.
ويكشف السجل ذاته أن المستثمر تيدي ساغي، وهو رجل أعمال إسرائيلي يحمل الجنسية القبرصية، كان مسجلا سابقا بصفته صاحب سيطرة على الشركة البريطانية، قبل انتهاء هذه الصفة في أغسطس/آب 2024.
وحظي الاتفاق بموافقة 252 عضوا في الجمعية العمومية مقابل معارضة 158، مع تسجيل 31 ورقة بيضاء و10 حالات امتناع، بعدما عرض مسؤولو برشلونة تفاصيل المشروع والعوائد المتوقعة منه.
وردا على التساؤلات بشأن العلاقات الإسرائيلية للشركة، أكد لابورتا أن الشركة خضعت لفحص إدارة الامتثال في النادي، وأنها استوفت المعايير المطلوبة في مجال حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن برشلونة يعتمد الإجراءات نفسها عند مراجعة شركائه التجاريين.
وتمثل هذه الصفقة امتدادا لمسار تجاري شهد انضمام شركات ذات أصول إسرائيلية إلى قائمة شركاء برشلونة خلال رئاسة لابورتا الحالية، ففي سبتمبر/أيلول 2022، وقع النادي اتفاق رعاية عالمية لمدة 3 مواسم مع شركة "فيغان نيشن" (VeganNation)، المتخصصة في التكنولوجيا والاستدامة، والتي تأسست في إسرائيل عام 2018 بقيادة رجل الأعمال إسحاق توماس.
وكانت الشركة قد دخلت في مفاوضات للحصول على رعاية قميص برشلونة، بحسب تقارير صحفية كتالونية، قبل أن تذهب الرعاية الرئيسية إلى "سبوتيفاي"، بينما حصلت "فيغان نيشن" على شراكة مستقلة في مجال الاستدامة والتكنولوجيا، امتدت حتى يونيو/حزيران 2025.
وتوضح هذه الاتفاقيات تنوع المجالات التي تعامل فيها برشلونة مع شركات ذات أصول إسرائيلية، من التطبيقات الرقمية والاستدامة إلى الترفيه، لكنها تختلف في طبيعة ملكيتها وأطرافها وشروطها، ولا تظهر الوثائق المتاحة أنها تنتمي إلى مجموعة استثمارية واحدة أو أنها وصلت جميعا إلى النادي بوساطة العلاقات الشخصية لرئيسه.
ومع ذلك، فإن العلاقة بين لابورتا وبعض المستثمرين الإسرائيليين كانت قد امتدت إلى مشروع رقمي آخر، أثار جدلا واسعا داخل برشلونة عام 2021، قبل أن ينتهي الاتفاق بشأنه بصورة مفاجئة بعد نحو أسبوعين من الإعلان عنه.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أعلن برشلونة اتفاقا مع شركة "أونيكس" (Ownix)، المتخصصة في المقتنيات الرقمية غير القابلة للاستبدال (NFT)، لتطوير وتسويق منتجات رقمية مرتبطة بتاريخ النادي، مستفيدا من الاهتمام المتزايد آنذاك بهذا النوع من الأصول الرقمية.
وكان المشروع يهدف إلى تحويل لحظات تاريخية وصورا ومواد حصرية مرتبطة ببرشلونة إلى مقتنيات رقمية يمكن بيعها للجماهير والمستثمرين، بما يفتح أمام النادي مصدرا جديدا للإيرادات في وقت كان يواجه فيه تحديات مالية كبيرة.
لكن الاتفاق سرعان ما أثار تساؤلات بشأن الأطراف المرتبطة بالشركة، ولا سيما رجل الأعمال الإسرائيلي موشيه حوغيغ، الذي كانت تربطه علاقة مهنية سابقة بلابورتا من خلال شركة "سيرين لابس" (Sirin Labs)، العاملة في مجال التكنولوجيا والعملات الرقمية.
وكان لابورتا قد عمل مستشارا لشركة "سيرين لابس" (Sirin Labs) خلال فترة ابتعاده عن رئاسة برشلونة، وهي الشركة التي شغل فيها رجل الأعمال والخبير المالي الإسرائيلي غاي إلهناني منصب المدير المالي منذ عام 2017. وانتقل إلهناني لاحقا إلى منصب الرئيس التنفيذي لشركة "أونيكس"، التي تعاقد معها برشلونة عام 2021، ما يكشف عن صلات مهنية سابقة جمعت أطراف الصفقة برئيس النادي.
وتزداد أهمية هذه الصلات عند العودة إلى تحقيق نشره موقع "كولمانيا" يوم 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أي قبل إلغاء الاتفاق، أفاد بأن الفريق التقني داخل برشلونة كان يفضل التعاون مع شركة "دابر لابس" (Dapper Labs) الكندية، صاحبة منصة المقتنيات الرقمية لدوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين، بعد تقييم عدد من الشركات المتخصصة في هذا المجال.
وبحسب مصادر الموقع، درست الإدارة التقنية خبرة الشركات المرشحة وقدراتها على التوزيع والحلول التي تقدمها، وانتهت إلى تفضيل "دابر لابس"، لكن إدارة برشلونة اختارت في النهاية توقيع الاتفاق مع "أونيكس"، رغم افتقار الأخيرة إلى سجل تجاري مماثل في قطاع المقتنيات الرقمية.
وبعد أيام قليلة، وتحديدا في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أعلن برشلونة فسخ الاتفاق مع "أونيكس" فورا، بعدما ظهرت معلومات قال النادي إنها تتعارض مع قيمه، وذلك عقب اعتقال حوغيغ في إسرائيل على خلفية تحقيقات تتعلق بشبهات احتيال وجرائم مالية.
وتكشف هذه الواقعة عن وجود صلة مهنية سابقة بين لابورتا وأشخاص ارتبطوا بشركة تعاقد معها برشلونة، فضلا عن تساؤلات صحفية أثيرت بشأن آلية الاختيار، لكنها لا تثبت تدخلا شخصيا من الرئيس في تجاوز توصيات الفريق التقني أو منحه امتيازات غير مستحقة.
ولم يكن حوغيغ بعيدا عن محيط العلاقات الرياضية لبرشلونة، إذ كان يملك آنذاك نادي "بيتار القدس" الإسرائيلي، الذي طُرحت إمكانية إقامة مباراة ودية بينه وبين الفريق الكتالوني خلال صيف 2021، قبل أن تتعثر المبادرة بسبب الخلاف بشأن إقامتها في القدس.
وقد تزامنت تلك المحاولات مع زيارة رسمية أجراها لابورتا إلى إسرائيل، أعادت إلى الأذهان تاريخا أطول من الاتصالات المؤسسية التي أقامها برشلونة مع مسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين، واستخدم خلالها النادي شعبيته العالمية في مبادرات رياضية ذات أبعاد سياسية.
تعود أبرز المحطات السياسية في علاقات برشلونة بإسرائيل وفلسطين إلى أغسطس/آب 2013، عندما نظم النادي، برئاسة ساندرو روسيل آنذاك، ما أطلق عليه "جولة السلام"، التي شملت زيارة الأراضي الفلسطينية ولقاء الرئيس محمود عباس، قبل الانتقال إلى إسرائيل ولقاء الرئيس شمعون بيريز ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وقدم برشلونة تلك الجولة باعتبارها مبادرة لتعزيز الحوار والتقارب بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مستثمرا الشعبية الواسعة للفريق في المنطقة، إذ شارك لاعبوه في أنشطة جماهيرية والتقوا مسؤولين من الجانبين، وسط اهتمام إعلامي كبير.
وبعد ثماني سنوات، عاد لابورتا إلى إسرائيل بصفته رئيسا لبرشلونة، للمشاركة في افتتاح معرض "برشلونة ذا إكزيبيشن" وحضور مباراة استعراضية بين أساطير النادي وريال مدريد في تل أبيب.
وخلال الزيارة، التقى لابورتا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في القدس يوم 18 يوليو/تموز 2021، وقدم إليه قميصا يحمل اسمه وشعار برشلونة، في لقاء وثقه الموقع الرسمي للنادي، الذي أوضح أن الزيارة جاءت ضمن برنامج يهدف إلى تعزيز الحضور التجاري والجماهيري لعلامته العالمية.
وجاءت الزيارة بعد نحو شهرين من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في مايو/أيار 2021، التي استمرت 11 يوما وأوقعت مئات القتلى الفلسطينيين، في وقت كانت فيه قضية فلسطين تحظى بحضور متزايد في مدرجات عدد من الأندية الأوروبية وبين جماهير برشلونة.
ومنذ ذلك الحين، ازدادت حساسية العلاقات الرياضية والتجارية مع إسرائيل، خصوصا مع الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأودت بحياة عشرات الآلاف من الفلسطنيين، وما رافقها من حملات دولية للمطالبة بمقاطعة إسرائيل في المجالات الرياضية والثقافية والاقتصادية والأكاديمية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، وخلال مشاركته في منتدى "وورلد إن بروغرس" بمدينة برشلونة، أكد لابورتا التزام النادي بالقيم الديمقراطية والتسامح وحقوق الإنسان، مشيرا إلى قدرة كرة القدم على التقريب بين الشعوب والثقافات.
وعندما سُئل عن الحرب على غزة ومشاركة الأندية والمنتخبات الإسرائيلية في المسابقات الرياضية، اكتفى بالدعوة إلى "السلام والحوار والتعايش"، معتبرا أن كرة القدم تستطيع مد جسور التفاهم بين المجتمعات.
وتضع هذه التصريحات المعلنة، إلى جانب الاتفاقيات التجارية التي يواصل برشلونة توقيعها، مسألة المعايير التي تحكم اختيار الشركاء في دائرة النقاش، خصوصا أن النادي يقدم نفسه، من خلال شعاره التاريخي "أكثر من مجرد ناد"، بوصفه مؤسسة تحمل مسؤوليات اجتماعية تتجاوز نتائج المباريات وعائدات الرعاية.
تكشف العلاقات التي نسجها لابورتا مع رجال أعمال ووكلاء لاعبين إسرائيليين عن تقاطعات بين نشاطه المهني الخاص ومحيط برشلونة التجاري؛ فمن شراكته الاستثمارية مع بيني زهافي في مالطا، إلى أعماله مع موريس بنيستي وتحويل شركة الأخير 750 ألف يورو للمساهمة في تغطية تكاليف ضمانات مجلس الإدارة، وصولا إلى اتفاقيات أبرمها النادي مع شركات ذات أصول وملكية إسرائيلية، تتعدد الصلات وتختلف طبيعتها وأطرافها.
ورغم أن الوقائع المتاحة لا تثبت تأثير علاقات لابورتا الشخصية في اختيار شركاء برشلونة أو حصوله على منافع خاصة من عقود النادي، فإنها تثير أسئلة مشروعة بشأن معايير التعاقد والإفصاح عن المصالح، خصوصا في ناد يملكه أعضاؤه، ويفترض أن تخضع قراراته التجارية لرقابة تضمن استقلالها عن المصالح الشخصية لمسؤوليه.
Loading ads...
وهكذا، أعاد ظهور أوريان غورين في قائمة الكلاسيكو تسليط الضوء على علاقات تمتد إلى أكثر من عقدين، تتجاوز حدود الملعب إلى عالم المال والاستثمار. ويبقى السؤال الأهم متعلقا بمدى شفافية هذه العلاقات، والضمانات التي تكفل الفصل بين أعمال لابورتا الخاصة ومصالح برشلونة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بقروض ارتبطت بتولي مجلس إدارته مهامه، أو بعقود تجارية تمتد آثارها المالية إلى ما بعد انتهاء ولايته. فالاختبار الحقيقي لاستقلال القرار داخل النادي يكمن في وضوح مصادر التمويل، وشفافية إجراءات التعاقد، وقدرة الأعضاء على مساءلة الإدارة عن القرارات التي تُتخذ باسم مؤسستهم.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




